كيف تنجو من العائلة المسيئة بالحدّ الأدنى من الأضرار؟

لا توجد عائلة مثالية، فجميع الأسر تمر بأوقات من التوتر والغضب والخلافات والاختلافات. لكن ما يجعل العائلة "سامة" أو "مؤذية" أنها لا تستمع إلى أحد أفرادها ولا تغير السلوك الضار الذي آذاه، فتتحول إلى أسرة مسيئة حين يصبح التغيير فيها عبئا على أفرادها، وعندما تتحول المناقشة إلى دوائر مفرغة من اللوم وافتقاد الحدود، وحين تصبح الأنانية الخيار الوحيد في مقابل غياب التعاطف والمشاعر الأولية البسيطة.

العائلات كائنات حية، يؤثر وجودك فيها على مستقبلك بأكمله، وكذلك على علاقاتك: كيف ستكون وكيف تستمر. وقد يسبب وجود آباء "سامّين" أو أشقاء "مؤذين" حدوث خلل ديناميكي في اختياراتك المستقبلية، ويؤثر على حساسيتك الشديدة تجاه الآخرين والمخاوف من الدخول في علاقات قد تكون مشابهة لتجربتك مع العائلة.

وجودك كشخص حساس وسط عائلة بهذا القدْر من الإساءة لك قد يدفعك إلى العزلة والوحدة كخيار وحيد وآمن بعيدا عن الإحباط الذي تشعر به معهم. لكن عليك أن تعرف إذا ما كانت أسرتك بالفعل مؤذية، أم أن ذلك محض وهم.

علامات العائلة "المؤذية"

تقول جوستين كارينو، المعالجة النفسية في نيويورك والخبيرة في علاقات المراهقين والشباب، في مقال نشرته بمدونتها الطبية، إن هناك الكثير من العلامات التي تدل على وجودك داخل عائلة "سامة"، أولها هو عدم الشعور بالأمان العاطفي والجسدي داخل المنزل، وهذا يحدث بسبب سلوك أحد أفراد الأسرة وانعكاسه على الآخرين.

وتضيف جوستين أن الأسرة التي لا تجيد الحوار بين أفرادها، أو التي لا تستطيع فيها أن تتواصل وتعبّر عن نفسك بشكل حر وآمن، هي بالتأكيد أسرة "مؤذية".

عدم وجود اتصال فعّال من علامات الأسرة المسيئة (شترستوك)

وتحدد كارينو علامات العائلة "السامة" في النقاط التالية:

  1. عدم وجود اتصال فعال بين أفرادها، ما يؤدي غالبا إلى نوبات غضب وعنف، أو يكون الصمت والتجاهل هو الرد على كل ما تطرحه. وفي الحالتين، أنت تفتقد التواصل السليم.
  2. عدم وجود حدود، وهذا يعني انعدام الخصوصية لأي فرد في الأسرة.
  3. النقد المفرط لشخصيتك وأدائك وأسلوبك في إدارة حياتك عموما.
  4. الأمراض النفسية لأحد أفراد الأسرة، مثل الاضطراب الثنائي القطب غير المعالَج، أو القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات الشخصية.
  5. التحكم المفرط بجدولك وحياتك الخاصة واختياراتك.
  6. العنف المنزلي بأشكاله المختلفة، سواء كان أذى جسديا أو تهديدات مستمرة.
  7. الإهمال والإساء العاطفية والتجاهل والصمت التام، أو تحقيرك والتعامل كأنك غير موجود.

كيف ننجو؟

للنجاة من الوجود داخل أسرة "سامة"، تقول الطبيبة النفسية جوديث أورلوف، مؤلفة كتاب "دليل النجاة للأشخاص المرهفي الإحساس"، في مقال لها على موقع "علم النفس اليوم" (Phsychology Today)، إن أول طرق النجاة يكمن في وضع حدود مهذبة وواضحة أمام السلوك السام الذي يجعلك عرضة للامتهان، مشيرة إلى أنه من الحكمة أيضا أن تقلل من توقعاتك من أسرتك، فلا تنتظر أشياء لن يستطيع أفرادها تقديمها لك. وبالتالي، فإن قبولك لهذه الأشياء قد يساعد في التئام جروحك النفسية.

وتفتح أورلوف الباب أمام الأشخاص المرهفي الإحساس لمعالجة ما يثيرهم ويحفّز حساسيتهم الداخلية، وتقدم لهذا النوع من الناس النصيحة التالية: "لا تجعل تعليقات الآخرين قادرة على استنزافك، تجاهلها وتجاهلهم، وانظر إليها على أنها دائمة فرصة للتصحيح. مثلا، إذا انتقد شخص ما اختياراتك، فلا تجزع، لكن اتخذ الأمر فرصة لتوضيح حدودك الشخصية، فلا تكن الشخص ذا الهشاشة العاطفية الذي يرضيه الفتات، لكن قل لذاتك دوما: أنا أستحق ما هو أفضل من الفتات".

إذا انتقد شخص ما اختياراتك، فلا تجزع (شترستوك)

وتلفت الطبيبة النفسية إلى أن أصحاب النشأة في بيئة مؤذية غالبا يشتركون في صفات معينة في تعاملاتهم المستقبلية، وهي:

  • إنهم ينشدون الكمال، ويبادرون إلى تقديم المساعدة، ويحافظون على سلامهم النفسي كآلية للتكيّف.
  • لديهم صعوبة في وضع حدود شخصية.
  • يجدون صعوبة في تسمية مشاعرهم ورغباتهم.
  • لديهم مستويات منخفضة من احترام الذات والثقة بالنفس.
  • هم أكثر عرضة لمشكلات الصحة العقلية، مثل اضطرابات القلق. وعلى الرغم من كل ما يتعرضون له من أسرهم، فإنهم الطرف الأكثر حزنا لانقطاع التواصل مع عائلاتهم.

وترى كارينو أن التعامل مع أسرة "سامة" يلزمه فقط أن تركز على أفعالك، بعيدا عن التحكّم بأفعال الآخرين. وتقول إن "الوعي بأنماط علاقات عائلتك وتفكيك ديناميتها، وتحديد الطريقة التي تتعامل بها معهم، يمكِّنك من تطوير مهارات التعاطف مع الذات، والتواصل بطريقة محبة وصحية، والتعامل مع مشاعرك وتقوية علاقاتك. وكل ما يلزمك للقيام بذلك هو الصبر وتقبّل الضعف، وتكوين عادات جديدة. في النهاية، ستظل هذه العائلة عائلتك، وما عليك سوى حماية نفسك منها، وليس عليك مغادرتها".

المصدر : الجزيرة + وكالات