"بيت العبابدة".. متحف بيئي يحاكي تاريخ أشهر قبائل صحراء مصر

في تسعينيات القرن العشرين، كانت الصحراء الشرقية في مصر تعج بالبعثات الأجنبية التي تعمل في مجال التعدين والتنقيب عن الآثار.

بعثات إيطالية وهولندية استقرت في وادي الجمال لسنوات، عاشت لأعوام طويلة بين قبائل عرب الصحراء وأشهرها قبيلة "العبابدة"، التي يتدارس تاريخها الأطفال في مناهج التاريخ المصرية، كواحدة من أقدم القبائل العربية في البلاد، والتي يرجع نسبها إلى الصحابي عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

بيت العبابدة ليكون بمثابة مركز للتعليم ورفع الوعي حول التراث الثقافي لقبيلة العبابدة(موقع المتحف)
بيت العبابدة (موقع المتحف)

من بين العلماء وخبراء الآثار الأجانب الذين استقروا في صحراء مصر برزت السيدة الهولندية فولكا التي تركت لقبيلة العبابدة أثرًا لا يزال شاهدًا على محبتها للقبيلة حتى اليوم.

فكرة المتحف وتاريخه

"البيت العبادي" هو اللبنة الأولى التي وضعتها الهولندية فولكا، كما يروي محمد جاد، مدير محمية وادي الجمال السابق، للجزيرة نت. يقول جاد إن "العالِمة الهولندية العاشقة للتراث والتاريخ، والتي كانت تعمل بالصحراء الشرقية، وتهوى جمع كل ما يخص تراث القبيلة وتاريخها، من الأكواب والمقاعد والمناضد والملابس التراثية والسيوف والرماح وحتى المخطوطات النادرة التي كان يملكها مشايخ القبيلة، كانت تجمع كل شيء، وتشتريه منهم".

ويضيف "بعدما جمعت فولكا من تراث العبابدة ما استطاعت، حصلت على منحة من السفارة الهولندية لإنشاء متحف يروي تاريخ القبيلة، ويحافظ على إرثها الإنساني من الاندثار. وبالفعل حصلت العالِمة الأثرية على المنحة، وأنشأت -بالتعاون مع أحد المهندسين الإيطاليين- البيت على الطراز الصحراوي، ليعبر عن البيئة التي تعيش فيها القبيلة، بما تحويه من مميزات. ومن هنا كانت بداية متحف العبابدة".

سافرت فولكا إلى هولندا، تاركة إرثها للقبيلة التي أحبتها، لكن الزمن لم يرحم ذلك الإرث، وطاولته يد الإهمال. وفي عام 2019 قام شباب العبابدة من خلال جمعية "أبو غصون" المحلية، التي تعتبر الممثل الرسمي للمجتمع المحلي للقبيلة، بإنشاء "بيت العبابدة" ليكون بمثابة مركز للتعليم ورفع الوعي حول التراث الثقافي لقبيلة العبابدة، بالإضافة إلى دعم السياحتين البيئية والثقافية في محمية وادي الجمال الوطنية في مرسى علم.

المتحف يرتبط بنفق داخلي يصل بين المتحف ومحمية وادي الجمال(موقع المتحف)
المتحف يرتبط بنفق داخلي يصل بين المتحف ومحمية وادي الجمال (موقع المتحف)

يقول علي سعيد، ممثل جمعية "أبو غصون" والمشرف على تطوير "البيت العبابدي"، للجزيرة نت، إن المتحف يبرز تفاصيل الحياة اليومية لقبيلة العبابدة، التي تقطن الصحراء الشرقية وسلاسل جبال البحر الأحمر.

ويصوّر المتحف التفاصيل الدقيقة عن حياة العبابدة، مثل الزي التراثي لأهل القبيلة "التكشيطة"، والذي يتكون من جلباب أبيض قصير من دون ياقة وتحته سروال، ومعه صديري أسود. أما زي النساء، فيتمثل بالثوب العبادي الذي يشبه الساري الهندي، لكنه قطعة واحدة.

جولة داخل المتحف

تنقسم الجولة داخل متحف "بيت العبابدة" إلى 3 مراحل: الأولى تبدأ بالزيارة كجزء من برنامج جولة الصحراء للسائح، لا سيما بعد ربط المتحف بنفق داخلي يصل بين المتحف ومحمية وادي الجمال، فتمتد الجولة من المتحف إلى المحمية حيث يتمكّن السائح من الغطس في المحمية والاستمتاع بالمناظر الطبيعية، وذلك بعد مروره بكل غرف الحياة البدوية، للتعرف على تراث العبابدة في الملابس والزواج والحرب، وأدوات الحياة اليومية والأثاث مثل صندوق العروسة وأشكال المقاعد والأسرة المختلفة.

ثم تبدأ المرحلة الثانية بتناول وجبة الغداء أو العشاء من المطبخ العبادي الذي يشتهر بالكثير من الأطباق التي تعتمد على طرق الطهي الصحراوية، مثل الدفن بالرمال أو على الحطب، وأشهرها المندي والمدفون والخبز المخمّر في الرمال.

بيت العبابدة يعبر عن البيئة التي تعيش فيها القبيلة (موقع المتحف)
بيت العبابدة يعبر عن البيئة التي تعيش فيها القبيلة (موقع المتحف)

وتشمل المرحلة الثالثة فقرة السمر، وتنقسم إلى جزأين: إما الاستمتاع برؤية النجوم، خاصة في الليالي التي يغيب فيها القمر، وإما استكشاف الطقوس البدوية في الرقص والغناء.

يقول سعيد إن جمعية "أبو غصون" تعمل جاهدة لعودة الحياة إلى متحف "بيت العبابدة"، بهدف إحياء تراث القبيلة التي أضحت بيئة طاردة لأبنائها الذين زحفوا نحو الحياة المدنية، بعدما أسهم التغير المناخي في تغيير وجه الحياة الاقتصادية هناك، والتي كان اعتمادها الأساسي على مهنتي الرعي والسياحة.

المصدر : الجزيرة