منتدى الدبلوماسية لفن الطهي بالدوحة.. عندما يتحول الطعام إلى "سفير فوق العادة"

الدوحة- يعرف عن موائد الطعام في عالمنا العربي منذ القدم أنها أحد مظاهر الكرم والاحتفاء، غير أنها أصبحت في عصرنا الحالي عنصرا مهما وفاعلا وقوة ناعمة في تعزيز التواصل بين الشعوب والمجتمعات ونشر الثقافات، بل وكسر الحواجز بين قادة الدول.

كان هذا أبرز ما تم تأكيده خلال فعاليات منتدى الدبلوماسية لفن الطهي، الذي تنظمه الشبكة الدبلوماسية الدولية العامة بالمؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) بدولة قطر.

وتأسست الشبكة الدبلوماسية الدولية العامة عام 2014 من قبل المؤسسات العامة والثقافية في 9 دول، هي: تركيا والسويد وكوريا وتايوان ونيجيريا وبولندا والبرتغال وسنغافورة والفلبين، وانضمت إليها دولة قطر عام 2017.

وشارك في المنتدى -إلى جانب قطر الدولة المضيفة- ممثلون عن كل من المكسيك وطاجكستان وجورجيا ونيجيريا وهنغاريا والفلبين ورومانيا وكينيا وبلغاريا.

وتمحورت جلسات المنتدى حول الدبلوماسية الثقافية المرتبطة بفن الطهي وعلاقتها بالهوية الوطنية، وتخللها استعراض الدول المشاركة فنون الطهي والتعريف بمأكولاتها التقليدية العريقة عبر تقديمها بطرق عصرية ومبتكرة، ودعوة الجمهور للتعرف على طرق تحضيرها وتذوق مكوناتها ونكهتها الأصيلة.

جسور التواصل

ويأتي تنظيم هذا المنتدى ليعزز دور فن الطهي في مدّ جسور التواصل والتبادل الثقافي بين الشعوب، وتأكيد دور فن الطهي في ترسيخ الهوية الوطنية للمجتمعات، إلى جانب تسليط الضوء على دور الطهاة بوصفهم سفراء ثقافيين لبلادهم حول العالم.

ويقول الأمين العام للشبكة الدبلوماسية الدولية العامة بكتارا المهندس درويش أحمد الشيبان -الذي ترأس المنتدى- إن دبلوماسية المائدة أو فن الطهي يتمثل في استخدام الممارسات الغذائية كأداة للقوة الناعمة، بهدف تنسيق العلاقات الدولية وتطويرها من خلال الربط المنطقي بين الجغرافيا السياسية للغذاء والعادات والتقاليد، مشيرا إلى أن فن الطبخ يمكنه أن يسوق بشكل إيجابي صورة بلد أو منطقة أو مدينة.

ويوضح الشيباني -في تصريح للجزيرة نت- أن الطهي ليس مجرد تقديم أكل فقط، ولكنه يعد نوعا من أنواع الدبلوماسية التي يمكن استخدامها والاعتماد عليها في الترويج لبلد أو سمعة شعب من خلال إبراز ذلك أثناء طهي الطعام وتقديمه لشعوب العالم الأخرى.

ويضيف أن الهدف الأساسي من دبلوماسية المائدة هو التعريف بالدولة من خلال مطبخها وتشجيع الاستثمار وتطوير التجارة والسياحة، إضافة إلى التأثير والإقناع في المحافل السياسية الرسمية.

ويشير إلى أنه تم خلال جلسات المنتدى استعراض القدرات والإمكانات التي تمتلكها قطر في هذا المجال، ورأى أن كل العناصر المتعلقة بدبلوماسية المائدة وفن الطهي متوافرة بقوة، غير أنها تحتاج إلى دعم وتخطيط وتنسيق وعرضها لمصلحة قطر واقتصادها وثقافتها، مؤكدا الحاجة إلى تأهيل كوادر لتقديم افكار إبداعية تعبر عن ثقافة الطعام وإبرازه للثقافات الأخرى.

المطبخ العربي

ويرى الشيباني أن دبلوماسية المائدة أمر قديم وعناصرها متوافرة بشدة في البلدان العربية، ويتميز المطبخ العربي بالثراء والتنوع، ومع ذلك تظل المأكولات في كل بلد عربي حبيسة وغير قادرة على الانتقال إلى البلدان الأخرى أو جذب ثقافات جديدة رغم قدرة الأكل على جذب الناس في كل الأماكن، معربا عن استغرابه من هذه الحالة التي وصل إليها المطبخ العربي رغم أن العرب معروفون تاريخيا بأنهم "أهل الضيافة".

وأكد أنه يتعين الاهتمام بدبلوماسية المائدة واستغلالها من خلال تشجيع الطهاة وإبرازهم بوصفهم مبدعين في مجالهم ويقومون بالترويج لبلادهم ونقل ثقافات دولهم عبر السفر ولقاء شعوب مختلفة.

ورأى أنه يتعين على كل دولة اعتماد وجبة أو طبق طعام يمثلها عالميا وتقديمه عبر بصمة مميزة ليسهم في دعمها ثقافيا وسياحيا واقتصاديا، داعيا إلى ضرورة تبني ذلك الأمر بشكل دبلوماسي حتى يتم تقديمه للعالم بطريقة محترفة ومشرفة.

وبيّن الشيباني أن تنظيم قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا العام فرصة كبيرة ومهمة جدا لإبراز الأطعمة والأكلات القطرية والعربية وتقديم الطهاة القطريين والعرب من أجل تعريف المشجعين مَن العرب، خاصة أن البطولة ستشهد حضور الآلاف من كل أقطار العالم؛ وبالتالي يجب على الجميع الاجتهاد من أجل تقديم وإبراز أكلاته بوصفها نوعا من أنواع الهوية التي يجب تقديمها بأقوى وأرقى طريقة.

الطعام والقضايا السياسية

كما يشير الشيباني إلى أن دبلوماسية الطعام لها دور مهم في العديد من القضايا السياسية وعقد الصفقات الاقتصادية، وغالبا ما تقام الموائد بين الرؤساء والمسؤولين وفي الاجتماعات الثنائية أو الدولية وغيرها، مؤكدا أن الوقت الأقوى للنقاش غير الرسمي يكون على المائدة، وأن أكثر الاتفاقات يتم الاتفاق على نقاطها أثناء مائدة الطعام.

وتقول الطاهية القطرية عائشة التميمي إن الطعام له دور مهم في التعريف بثقافات الشعوب الأخرى وعاداتهم الاجتماعية، إذ إن أول ما يقدم عليه أي شخص عند السفر لدولة أخرى هو السؤال عن مطاعم هذا البلد، لافتة إلى أن ذلك يسهم في تعزيز التواصل بين الشعوب.

وتوضح التميمي -في تصريح للجزيرة نت- أن الزائرين لقطر يحرصون على زيارة المطعم القطري، معربة عن أملها في زيادة الاهتمام بالتعريف بالطعام القطري والحرص على تقديمه من دون تغيير وإن كانت ترى أنه يجب تقديمه بطريقة مختلفة وتناسب التطور.

وتشير الطاهية القطرية إلى أنها تسعى لاغتنام فترة استضافة دولة قطر بطولة كأس العالم 2022 من أجل التعريف بالمطبخ والطعام القطري، لافتة إلى أنها كانت تتمنى أن تطوف كل دول العالم للتعريف بثقافة الطعام في قطر، وتنظيم قطر للمونديال سيحقق هذه الأمنية حيث ستستقبل الدوحة مشجعين من كل العالم.

المصدر : الجزيرة