دانتيل كاليه.. بوابة لأحلام الابتكار والأناقة وسعي متجدد لمواصلة الأسطورة

يضم متحف الدانتيل منسوجات وملابس يصل عددها إلى 20 ألف قطعة تغطي التاريخ الكامل للدانتيل من القرن 17 إلى اليوم

باريس- لا يزال قلب مدينة كاليه (شمالي فرنسا) ينبض على إيقاع صوت أنوال آلات "ليفرز" الميكانيكية التي تنتج الدانتيل الفرنسي الفاخر منذ ما يقرب من قرنين من الزمان.

كان يطلق على هذا النسيج تسمية "شرائط" في إيطاليا، ثم ظهرت كلمة "دانتيل" التي تعني "الأسنان الصغيرة" للمرة الأولى عام 1545، وتحول هذا المنتج الذي كان مقتصرا على بلاط الملوك والنبلاء إلى قماش أيقوني في ورش الهوت كوتور (الموضة الراقية) الباريسية.

الدانتيل كان مقتصرا على بلاط الملوك والنبلاء قبل أن يتصدر الموضة الباريسية الراقية (الجزيرة)

ومنذ يونيو/حزيران 2009، يلتزم متحف الدانتيل والأزياء بالحفاظ على هذا الإرث الفني ويفتخر بتاريخ كاليه في مجال الحرف التقليدية وصناعة هذا القماش الاستثنائي، فضلا عما تقوم به عشرات الشركات المحلية من تصميم وإنتاج الدانتيل المخصص لدور الأزياء الراقية والملابس الجاهزة.

وبين الحاضر والماضي، اجتمعت في هذه المدينة تقنية الخيوط المتشابكة والتطريز الراقي الذي تتلاعب ظلاله على كل التصاميم. فكلمة دانتيل وحدها تحمل معاني زخرفية تجعل منه نسيجا لا يمكن الاستغناء عنه في عالم الموضة.

متحف الدانتيل والأزياء يلتزم بالحفاظ على الإرث الفني للدانتيل ويفتخر بتاريخ كاليه في مجال الحرف التقليدية (الجزيرة)

من مصنع إلى متحف

تأسس المتحف في مصنع بولارت، وهو أحد آخر مصانع الدانتيل المتبقية من أواخر القرن 19 في قلب منطقة سان بيير في كاليه، التي كانت مخصصة بالكامل لصناعة الدانتيل من مراحل التحضير والإنتاج والتشطيب إلى بيع المنتجات.

وعمل المهندسون المعماريون بتكييف المبنى الصناعي الموزع على 4 طوابق مع ما يتناسب مع أنشطة المتحف ومعارضه المؤقتة والدائمة بشرط الإبقاء على روحه التاريخية المتمثلة في المواد والآلات والورش.

المتحف تأسس في مصنع بولارت، وهو أحد آخر مصانع الدانتيل المتبقية من أواخر القرن 19 في كاليه (الجزيرة)

وتقدم كل قاعة سينوغرافيا متألقة تغمر الزائر في جو خفي حيث يلعب انعكاس الضوء دورا رئيسيا يُخضعها لعلاج جمالي يدعمه خشب الأرضيات وطوب الجدران القديم والألوان الدافئة.

كما أنها تضم منسوجات وملابس يصل عددها إلى 20 ألف قطعة تغطي التاريخ الكامل للدانتيل من القرن 17 إلى اليوم، فضلا عن الإكسسوارات والملابس الداخلية التي لعبت دورا هاما في صناعة القماش خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

وبسبب الحساسية العالية للضوء والغبار وهشاشة القطع القديمة، لا يمكن عرض المجموعات لفترات طويلة ويتم تجديد اختيار القطع بشكل منتظم.

المتحف يضمن حماية حقوق التأليف والنشر لهذه الأرشيفات المهنية الفريدة البالغ عددها 1600 سجل (الجزيرة)

حماية التراث القديم

أدت الحرب العالمية الثانية إلى إتلاف العديد من الكنوز الثقافية والتاريخية وسببت خسائر كبيرة، بما في ذلك السجلات التي كان يلجأ إليها الحرفيون لحماية تصاميمهم من التزوير. وبعد سنوات من البحث، تمكن متحف كاليه من تجميع مجموعة خاصة تلخص معرفة صانعي الدانتيل في كاليه كما كان يمارَس حينها.

وفي نهاية القرن العشرين وبشراكة مع وزارة الثقافة الفرنسية، تحول تركيز الجهود إلى نقل الأدوات والآلات الميكانيكية القديمة والعثور على مجموعات فنية توثق عمليات التصنيع واستخدامات القماش وإبداعات المصنعين الأصلية. وتعتبر مجموعة الدانتيل التي يحتوي عليها المتحف المجموعة الوحيدة شبه الشاملة المحمية بموجب لوائح التراث.

ويضمن المتحف حماية حقوق التأليف والنشر لهذه الأرشيفات المهنية الفريدة البالغ عددها 1600 سجل، التي تعد موردا حيويا للمصممين الشباب ومصدر إلهام لا يقدر بثمن. وتقدم البيانات الخاصة "كريساليس" التي يمولها الاتحاد الأوروبي إمكانية تصفح هذه الأنماط القديمة.

واليوم، لا يزال مجال المنسوجات يتعرض لمشاكل متكررة بسبب النسخ والتزوير. وفي فرنسا، يعلن المصنعون عن إبداعاتهم الجديدة لـ"المعهد الوطني للملكية الصناعية" (INPI).

نجاح قماش الدانتيل الباهظ الثمن يعود إلى عمل يد صانعيه باستخدام برشمان وخيط وإبرة (الجزيرة)

الدانتيل.. فن النسيج الأوروبي

يعود نجاح قماش الدانتيل الباهظ الثمن إلى عمل يد صانعيه باستخدام برشمان وخيط وإبرة في إيطاليا وفلاندرز في القرن 16، قبل أن يتحرر من هذه الأساليب بعد اكتشاف الآلات الميكانيكية التي أحدث ثورة في عالم الصناعة.

وفي بداية القرن 19، اخترع مهندسون إنجليز من نوتنغهام أنوال الاعوجاج واللحمة التي قلدت بأمانة إيماءات صانعي الدانتيل وكان التول (وهو نسيج مخرم بدون نقوش) أول إنتاجاتهم وأنجحها.

وبعد ذلك، تمكن ليونيه جوزيف جاكوار من نسج الدانتيل بشكله الحالي بواسطة الكرتون المثقوب عام 1834، وتحمل هذه الآلات اسم أحد مخترعيها، ليفرز (Leavers).

وبالرغم من تأخر وصول هذه الآلات الحديثة بسبب الحروب النابليونية، فإن توقيع معاهدة باريس عام 1815 سمح بإنشاء جسر بين فرنسا وإنجلترا وهجرة التجار والشركات الذين نقلوا أنشطتهم إلى كاليه، المدينة الفرنسية الأقرب إلى الساحل الإنجليزي.

إنتاج نسيج الدانتيل لأول مرة بواسطة "سكتشير" يجمع  بين الرسم والإبداع الفني (الجزيرة)

عملية طويلة ومعقدة

تم إنتاج نسيج الدانتيل لأول مرة بواسطة "سكتشير" يجمع عمله بين الرسم والإبداع الفني، ثم يقوم الرسام بترجمة هذه الزخرفات إلى رمز رقمي يبرمج النول عن طريق نظام الجاكار المتمثل في الورق المقوى المثقوب.

ويتطلب النسيج مجموعة من المهارات تتمثل في المراقبة المرئية والسمعية لتشغيل الماكينة والبراعة في إصلاح الخيوط المكسورة والدقة في الإعدادات ولف البكرات.

واليوم، يعتمد الدانتيل المنسوج على أنوال ليفرز على معرفة الحرفيين من الرجال والنساء الذين ينتجونه وسمات الدراية الفنية في صناعة هذا النسيج الطويلة والمعقدة من خلال نقل المعرفة من جيل إلى آخر، وهي مهنة محمية في فرنسا بعنوان "فن الأعمال" (Métier d’Art) الذي تمنحه وزارة الثقافة الفرنسية.

حكومة لويس 14 أسست مصنع "التصنيع الملكي" لمواجهة منافسة أزياء الدانتيل التابعة لفينيسيا الإيطالية (الجزيرة)

منافسة تهدد الصناعة

أسس وأطلق الوزير كولبير رموزا جمالية وحصرية تجمع بين الدانتيل اليدوي والتول الميكانيكي وتتميز بشبكات سداسية كبيرة مزينة بنقط بسمك الخيط وأنماط خاصة بالطراز الباروكي السائد آنذاك. وقد لاقت هذه الغرز نجاحا كبيرا، مثل الأشكال الزخرفية الأخرى التي تم إنشاؤها لتمثيل "الأسلوب الفرنسي" في الهندسة المعمارية.

وفي خمسينيات القرن الماضي، طور المخترع الألماني كارل ماير آلة تمكنت من حياكة -وليس نسج- قماش يشبه الدانتيل، مما أدى إلى ولادة منافس رئيسي للدانتيل، يشبهه في الشكل وأرخص بكثير وأبسط وأسرع في الإنتاج.

ولا يتمكن معظم المستهلكين والمصنعين من التمييز بينه وبين الدانتيل المنسوج على نول ليفرز. واليوم، يمثل "الدانتيل المحبوك" حوالي 98% من الإنتاج على مستوى العالم.

اليوم، يمثل "الدانتيل المحبوك" حوالي 98% من الإنتاج على مستوى العالم (الجزيرة)

وعندما كان الإنتاج يختفي تدريجيا في إنجلترا والولايات المتحدة، أنشأ الاتحاد الفرنسي للدانتيل والتطريز "إف إف دي بي" (FFDB) عام 1958 علامة تجارية مسجلة مصحوبة بشعار ومواصفات تضمن للمستهلكين الجودة التقنية للقماش المنسوج على أنوال ليفرز وأطلقت عام 2015 علامة تحمل اسم "دانتيل دي كلاسيك كوردري" (Dentelle de Calais-Caudry ®).

ومع ذلك، لم يكن هذا كافيا بسبب الأسعار التنافسية وقلة اليد العاملة التي تمتلك دراية شاملة بأسلوب الدانتيل الدقيق والمكلف للغاية في ساعات عمل طويلة. وعليه، تقدم كاليه تدريبا خاصا في تجارة الدانتيل وتقدم شهادة البكالوريا المهنية لاستقطاب الشباب الراغبين في احتراف واحدة من الصناعات النسيجية الخاصة بأوروبا الغربية.

المصدر : الجزيرة