هل توقف الحملات الشعبية انتزاع الأطفال المسلمين من عائلاتهم في السويد؟

انتزاع الحكومة السويدية الأطفال من عائلاتهم -90% منهم مسلمون- قضية تؤرق الأوساط الشعبية العربية والإسلامية

خطف أطفال المسلمين في السويد مواقع التواصل
من مظاهرة تطالب بوقف استغلال السلطة الاتجار القانوني بأطفال المسلمين في السويد (مواقع إلكترونية)

عادت قضية انتزاع الحكومة السويدية الأطفال من عائلاتهم -خصوصا المسلمين- لتطرح مجددا بقوة في الأوساط الشعبية العربية والإسلامية بعد تفاعل كبير على منصات التواصل في العالم الإسلامي خلال الأيام القليلة الماضية.

وازدادت حدة الحراك عقب نشر المدون المصري عبد الله الشريف حلقة عبر حسابه على يوتيوب تناولت ظاهرة انتزاع الأطفال المسلمين من عائلاتهم في الدول الأوروبية.

وسلطت الحلقة الضوء على أسر مسلمة قالت إن مؤسسة الخدمات الاجتماعية السويدية سحبت أطفالها منها دون تقديم مبرر مقبول ولا منطقي لذلك.

 

خطف أطفال المسلمين في السويد مواقع التواصل
المدون عبد الله الشريف يبث حلقة عن سحب أطفال المسلمين في السويد (مواقع التواصل)

وعقب الحلقة انتشر بصورة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي وسم "أوقفوا خطف أطفالنا"، تبعه خروج مظاهرات تنديدا بـ"خروقات" في مدن سويدية لسحب الأطفال من ذويهم.

 

ولم تعقب الحكومة السويدية على المظاهرات التي خرجت للتنديد بسحب الأطفال، فيما نفت الاتهامات الموجهة إليها من جانب الأسر.

وسبق لوزير الاندماج والمهاجرين في السويد أندريه يغيمان نفي صحة ما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي من أن بلاده تقوم بانتزاع أطفال الأسر المسلمة والمهاجرة.

واعتبر يغيمان أن هذه المزاعم غير صحيحة، لافتا إلى وجود حوار مع منظمات المجتمع المدني المسلم حول زيادة الوعي المتعلق بكيفية عمل المؤسسات في السويد.

ويمنح القانون السويدي المتعلق برعاية القصّر (تحت 18 عاما) -والذي وُضع في سبعينيات القرن الماضي- مؤسسة الخدمات الاجتماعية "سوسيال" الحق في انتزاع الأطفال من ذويهم إذا أثبتت التحقيقات أنهم غير مؤهلين لتربيتهم ويرتكبون تجاوزات ضدهم، ومن ثم إيداعهم مؤسسة للرعاية الاجتماعية لحين نقلهم إلى عائلة جديدة.

وقد يمنح القانون مؤسسة "سوسيال" سحب جميع أطفال العائلة إذا ما تعرض أحدهم لظروف تعتبرها الخدمة الاجتماعية غير مناسبة ضمن الإطار العائلي، مثل العنف أو عدم القدرة على إعطاء الطفل ما يحتاج إليه من أساسيات.

لكن العديد من المهاجرين اشتكوا من وجود "تمييز" وعدم التزام بالقانون في عمليات سحب الأطفال من ذويهم في ما يتعلق بتلك الفئة، مشيرين إلى أن السحب يتم أحيانا دون التثبت من حقيقة أن هناك أضرارا تلحق بالأطفال، ولذلك كان معظم المشاركين في المظاهرات من المهاجرين، خصوصا المسلمين منهم، ومعظمهم عرب.

حراك مثمر

من جهته، اعتبر المفكر والكاتب المغربي إدريس الكنبوري أن الحراك الشعبي في العالم الإسلامي مؤخرا أثمر من خلال إعادة طرح قضية الأطفال المنتزعين من عائلاتهم بقوة على الساحة.

وقال الكنبوري للأناضول "أعتقد أن الحملة الأخيرة تجاوزت حتى الأوساط الشعبية ليصل صداها للدول المعنية وخارجها".

وأضاف أن "هذه التحركات الشعبية في العالم الإسلامي قابلتها تحركات أخرى على الأرض -خصوصا في السويد- من قبل الأهالي الذين تم أخذ أولادهم منهم، وخرجوا في عدة مظاهرات بمدن سويدية".

وبحسب الكنبوري، فإن الحراك الشعبي -سواء على الأرض أو على مواقع التواصل- بدأ يثمر وحرك المياه الراكدة من خلال خروج مسؤولين سويديين للتعليق والتفاعل مع القضية.

وقال "هناك الآن جمعيات ومنظمات سويدية انضمت إلى الحراك، وهذا من شأنه أن يساهم في الدفع نحو التحقيق في ما يتم نشره عن اختطاف الأطفال قسرا من أهاليهم دون أي مبرر".

ضغط إسلامي

وإلى جانب تصاعد الحراك الشعبي يرى الكنبوري أن القضية تحتاج أيضا إلى وجوب تدخل المنظمات الدولية للضغط على الدول الأوروبية للتحقيق في هذه الحوادث ووضع حد للشطط فيها.

وبحسب الكنبوري، فإن منظمة التعاون الإسلامي مدعوة على وجه الخصوص للتدخل، نظرا لارتفاع عدد الأطفال الذين يتم نزعهم من أهاليهم، مشيرا إلى أن 90% منهم أطفال مسلمون.

وأضاف أن "على منظمة التعاون الإسلامي الضغط على السويد من أجل التحقيق في ما يتم ادعاؤه من تجاوزت بحق الأهالي، ومطالبتها بضرورة البحث وتقديم مبررات لارتفاع نسبة الأطفال المسلمين دون غيرهم".

ووفق بيانات "سوسيال" بحسب ما نقلت الأناضول، فإن عدد الأطفال الذين رعتهم دائرة الخدمات الاجتماعية خلال عام 2020 بلغ 27 ألفا و300 طفل، تم وضع 19 ألفا منهم لدى عائلات بديلة، و8300 في دور الرعاية، 58% ذكور و42% إناث، وذلك في أحدث إحصائية.

حراك غير مسبوق

بدوره، اعتبر ياسر أبو جهيشة نائب مدير المركز الإسلامي بمدينة أوبسالا (جنوبي السويد) أن الحراك الشعبي -سواء في السويد أو خارجها- غير مسبوق، ويمكن أن يساهم في حلحلة هذه المسألة ودفع السلطات إلى إعادة النظر في ممارساتها.

وأضاف أبو جهيشة في حديث للأناضول أن "الحراك على أهميته يجب أن يمارس بحذر بعيدا عن المبالغة دون دلائل حتى لا يتسبب ذلك بأذى للعائلات المظلومة من خلال استغلال الحملة من أطراف إرهابية وأحزاب يمينية متطرفة تريد زعزعة الأمن الداخلي السويدي".

وأكد أن المراكز الإسلامية في السويد إلى جانب المنظمات الحقوقية تحاول منذ مدة فتح قنوات تواصل ودق أبواب المؤسسات والجمعيات من أجل إيجاد حل لهذه القضية.

وتابع أبو جهيشة "نؤكد أن هناك تجاوزات في عمليات انتزاع الأطفال من ذويهم"، موضحا أنه "رغم تواصل المراكز والمنظمات الحقوقية مع إدارة سوسيال ومطالبتها بالتحقيق في التجاوزات التي يدعيها الأهالي فإن المؤسسة لم تتجاوب مع المطالبات".

وأضاف أن "التواصل لم يقتصر على المراكز والمنظمات فقط، بل تقدم عدد من السياسيين السويديين لمؤسسة سوسيال بطلب توضيح المعايير التي اعتمدت عليها عند سحب الأطفال من عائلاتهم".

واستدرك "لكن طلبهم قوبل بالرفض بدعوى الحفاظ على خصوصية وسرية المعلومات المتعلقة بالأطفال، مع أن مثل هذه الحجج غير معمول بها في الدوائر الرسمية السويدية".

خطف أطفال المسلمين في السويد مواقع التواصل
حراك شعبي واسع ضد سحب أطفال المسلمين في السويد (مواقع التواصل)

قضية إنسانية

وأكد أبو جهيشة أن قضية نزع الأطفال من ذويهم إنسانية بامتياز، والتدخل فيها بعيد عن أي سبب ديني أو عرقي.

وأضاف أنه "رغم أن نزع الأطفال يطبق على الجميع في السويد بغض النظر عن الدين أو العرق فإن مصلحة الشؤون الاجتماعية نفسها تشير إلى أن الأطفال الأجانب يتم فصلهم عن ذويهم بنسب أكبر، وهذا ما قد يمكن تبريره بعنصرية بعض العاملين في المصلحة، خاصة المتأثرين بالإسلاموفوبيا".

وتابع "هناك أخطاء ترتكب في هذه العمليات، ولا ندعي أن هناك لوبي يقف وراء ذلك، لكن هذه التجاوزات تدعونا لمطالبة الجهات المختصة بفتح قنوات تواصل مع الأهالي والتحقيق في العديد من الحالات التي تثار حولها مجموعة من الاستفهامات".

وعن خطواتهم المستقبلية، قال أبو جهيشة "قمنا اليوم بالتعاون مع هيئة الرعاية الشبابية التابعة لبلدية أوبسالا بتشكيل لجنة ستقوم بعرض خدماتها على مؤسسة السوسيال للتواصل مع الأهالي وربط جسور التواصل بينها وبين المؤسسة والقيام بدور توعوي بحقوق الأطفال".

وأضاف "تسعى اللجنة كذلك إلى أن تكون جزءا من التحقيقات التي ستقوم بها السوسيال مستقبلا في حال عزمها سحب أطفال من عائلاتهم، لضمان وجود طرف ثالث مستقل يساهم في عدم التعسف في مثل هذه الإجراءات".

وختم بالقول "نمر اليوم بوضع استثنائي وحرج يتطلب من الجميع تحكيم العقل والقانون وأخذ ما يروج في الساحة على محمل الجد".

المصدر : وكالة الأناضول