تذكرة سفر مجانية كلفت شركة طيران خسائر بملايين الدولارات

من منّا لا يتمنى أن يفوز بجائزة كبرى تُقدّر بالملايين، هذا الحلم تحقق لدى أعداد قليلة من البشر سعيدي الحظ، إلا أن واحدًا من هؤلاء المحظوظين استغل الأمر بشكل فاق الحد، لدرجة أن الأمر وصل إلى المحاكم.

شراء البطاقة الذهبية

بالعودة إلى الثمانينيات من القرن الماضي، كانت الخطوط الجوية الأميركية "أميريكان إيرلاينز" (American Airlines) تواجه مشكلات مالية كبيرة وقررت إطلاق برنامج للدعايا والعروض المتنوعة لتحقيق مكاسب وتدفق سريع للأموال.

قدم البرنامج أيضا فرصة شراء بطاقة سفر ذهبية تمكّن الشخص سعيد الحظ من السفر غير المحدود، مدى الحياة، على الدرجة الأولى، وأطلقوا على هذا العرض الخاص والنادر اسم "إيه إيرباس" (AAirpass)، أي ما يعني "تصريح السفر المميز".

لقد كان عرضًا جذابًا، وبالطبع، كان باهظ الثمن في ذلك الوقت، إذ بلغ سعر التذكرة المميزة 250 ألف دولار.

لكن في عام 1987، قرر المواطن الأميركي ستيف روثستين أن الأمر يستحق الاستثمار، خاصة بعد عام مربح له في عمله سمسارًا للأوراق المالية في شركة "بين ستيرنز" (Bear Stearns) للمال والأعمال.

وبالفعل، اشترى الرجل التذكرة المفتوحة مدى الحياة، بل وزاد عليها أيضًا بطاقة مرافق بالمستوى نفسه كانت قيمتها آنذاك 150 ألف دولار.

أجرى ستيف أيضًا تعديلات على عقده مع شركة أميريكان إيرلاينز، بشكل سمح لرفيق السفر أن يتحرك بشكل مستقل على رحلة مختلفة قبله أو بعده مباشرة.

وقد تمكن ستيف من استغلال التذكرة بصوة عبقرية، إذ استطاع في نهاية المطاف استرداد قيمة تذكرته عشرات الأضعاف، وعاش تجربة سفر ربما لا يتمكن أحد من مضاهاتها على الإطلاق.

في زمن كورونا.. تذكرة الطيران الصالحة لا تضمن إمكانية السفر
استطاع ستيف استرداد قيمة تذكرته عشرات الأضعاف (شترستوك)

تجربة استثنائية

بحلول 13 من ديسمبر/كانون الأول عام 2008، تم سحب التذكرتين المميزتين من ستيف روثستين من دون سابق إنذار.

فبعد عدة سنوات من شرائها، كان قسم الإيرادات في الخطوط الأميركية يراقب العميل لمعرفة مقدار تكلفة تذاكره الذهبية على شركة الطيران، وذلك بعدما لاحظوا كمًا هائلًا من الإيرادات المفقودة سنويًا، قدروها آنذاك بأكثر من مليون دولار سنويًا.

وبعد 20 عامًا، رأوا -على ما يبدو- أن العرض المميز لم يكن فكرة جيدة في المقام الأول. فبالنسبة لعدد المواطنين الأميركيين الذين اشتروا التذكرة، ادعت الشركة أن صلاحية ومدة سريان تذاكرهم قد انتهت لتتملّص من العرض، وقالت إن الشركة ستقوم بإبطال العرض فوريًا.

وبحلول الوقت الذي أبطلت فيه شركة الطيران التذاكر، كان ستيف قد سافر على متن 10 آلاف رحلة، وقطع ملايين الأميال. وبلغت رحلاته إلى بريطانيا وحدها نحو 500 رحلة خلال 20 عامًا.

"الرجل الذي سافر كثيرًا"

تشير صحيفة "نيويورك بوست" (New York Post) الأميركية، إلى أن الجزء المثير للإعجاب حقًا هو أن الرجل لم يستفد من الرحلات بمفرده، بل تبرع بأميال سفره للآخرين.

كذلك في عدة مناسبات كان يتخلى عن مقعد المرافق لغرباء عشوائيين كانوا بحاجة إلى المساعدة، مثل سيدة رغبت في العودة إلى أطفالها لأنها لم تتمكن من الحصول على جليسة أطفال بعد سفرها.

كذلك كثيرًا ما كان يسافر لتناول العشاء في دولة أخرى مع زوجته أو أحد أبنائه، كما احتفلوا بكل مناسبات الأسرة تقريبًا في دول مختلفة من حول العالم.

تقول كارولين، نجلة المسافر ستيف روثستين، في مقال لها بصحيفة  "غارديان" (Guardian) البريطانية، تشرح فيه قصة طفولتها المميزة بسبب تلك التذاكر، إن والدها غالبًا ما كان يغادر كل صباح في رحلة عمل أو للتنزّه، ويعود من دون أن يعرف أفراد أسرته أنه كان قد سافر وغادر الولاية أو القارة بأكملها.

نتيجة لهذا، ظهرت الأسرة بالكامل في برنامج "توداي شو" (Today Show) على شبكة "إن بي سي" (NBC) عام 2003، وتوالت المقابلات التلفزيونية والصحفية مع ستيف، حتى بات أحد أشهر الشخصيات الأميركية وعُرف بلقب "الرجل الذي سافر كثيرًا".

ستيف روثستين لم يستفد من الرحلات بمفرده، بل تبرع بأميال سفره للآخرين (بيكسلز)

الإلغاء بدعوى الاحتيال ووقف للنزيف

وفقًا لشركة الطيران، بلغ إجمالي قيمة رحلات ستيف 21 مليون دولار، لدرجة أنه في عام 2008، عندما قام بتسجيل الدخول في مطار شيكاغو، حصل على رسالة من موظف الشركة تفيد بإلغاء تصريحه، وكان آنذاك قد تجاوز 30 مليون ميل من الرحلات.

وذكرت شركات الطيران في تبريرها أن "النشاط الاحتيالي" هو سبب إلغاء التصريح، مستغلة أنه كان قد سافر في أكثر من مناسبة مع أشخاص عشوائيين.

إذ كان قد بدأ في حجز الرحلات بأسماء وهمية لأنه لم يكن يعرف من سيكون رفيق سفره. وقد أثبت تحقيق أنه في أقل من 4 سنوات، أجرى 3009 حجوزات لمقعدين، لكنه ألغى 2523 من هذه الحجوزات لاحقًا وغيرها إلى أسماء مختلفة.

لقد كانت ضربة للرجل، الذي قال لصحيفة "نيويورك بوست" (New York Post) بعدها "أشعر بالخيانة، لقد سلبوا مني هوايتي وحياتي. لقد دمروا شخصيتي".

ولرغم أنه في السنوات التالية حاول مقاضاة شركة الطيران لاسترداد التذكرة الذهبية، فإن القاضي حكم عليه في القضية المعروفة باسم "ستيف روثستين ضد أميريكان إيرلاينز".

وأخيرًا، بعد النزيف المادي الذي تعرضت له الخطوط الأميركية لسنوات، بسبب خطة غير مدروسة العواقب على المدى البعيد، لا تزال تذكرة السفر الذهبية لمدى الحياة تُعد واحدة من أفشل الأفكار الترويجية في تاريخ الشركات على الإطلاق.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية