لماذا حددت الأبحاث 150 صديقا حدًّا أقصى للعلاقات؟

افترض عالم الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوري في جامعة أكسفورد روبن دنبار أن البشر لا يمكن أن يكون لديهم أكثر من 150 علاقة ذات مغزى، وذلك بناء على دراسة أجراها عام 1993، وهو مقياس أصبح يُعرف لاحقا باسم "رقم دنبار".

ويعرّف دنبار العلاقات ذات المغزى بأنها "أولئك الأشخاص الذين تعرفهم جيدا، بما يكفي لتحيتهم من دون الشعور بالحرج إذا صادفتهم في مكان ما". وقال إن هذا الرقم يتراوح عادة بين 100 و250، بمتوسط ​​يبلغ 150 شخصا.

ويقترح دنبار أن هذه العلاقات الـ150 ليست متساوية في الأهمية أو درجة العلاقة؛ فنحن قد لا نحب جميع الأفراد البالغ عددهم 150 فردا، لكننا نحافظ على العلاقة معهم لأنها تساعدنا بطريقة ما، أو لأننا بحاجة إلى مواصلة التفاعل معهم.

هل يصمد "رقم دنبار"؟

على الرغم من كون "رقم دنبار" يعد نظرية مؤثرة، فإن باحثين كثر يختلفون حول هذا العدد، خاصة الطريقة التي توصل بها الباحث البريطاني إلى نظريته، بالإضافة إلى تغيّر العالم جذريا منذ نشأة الإنترنت وانغماس البشر في التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن "لرقم دنبار" أن يصمد في وجه النظريات الأحدث وعلاقات الإنترنت المتشعبة؟

في إجابته عن سؤال موقع "لايف ساينس" العلمي (Live Science)، يقول دنبار إنه لا يزال متمسكا برقمه، وإنه "لم يطرأ أي تغيير على عدد العلاقات".

في المقابل، يقول صامويل روبرتس أستاذ علم النفس في جامعة ليفربول جون مورس في المملكة المتحدة "للايف ساينس" إن "هناك الكثير من الاختلاف في حجم الشبكات الاجتماعية للأشخاص"، وكما هي الحال مع أي نظرية أخرى فإنه يوجد نقد "لعدد دنبار".

وتعتقد الباحثة في الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة "كنت" في المملكة المتحدة سارة جونز أنه على الرغم من أن "رقم دنبار" دقيق على نطاق واسع، فإنه يجب الأخذ في الاعتبار عددا من العوامل، مثل أن عدد العلاقات يعتمد على عوامل فردية، مثل مدى انفتاح أو انطواء الشخص على سبيل المثال".

ويقول روبرتس -في هذا السياق- إن هناك أمرا مهما يجب مراعاته عندما يتعلق الأمر بقدرتنا على الحفاظ على علاقات تتجاوز حدودنا المعرفية، وهو الوقت والجهد اللازمين للقيام بذلك. "إذا أخبرك شخص ما بأن لديه 50 صديقا مقربا فمن المحتمل ألا تصدقه، وذلك لأن هناك شعورا بديهيا بأن الحفاظ على هؤلاء الأصدقاء المقرّبين يتطلب درجة من الجهد في التواصل والاجتماع بشكل مستمر".

وعلى الرغم من ذلك، توجد نظريات أخرى تقترح أن الرقم أعلى بكثير، فقد خلصت ورقة بحثية نُشرت عام 1978 إلى أن عدد الأصدقاء قد يصل إلى 291 شخصا.

حسب نظرية دنبار، فقد لا نحب جميع الأفراد البالغ عددهم 150 فردا لكننا نحافظ على العلاقات معهم (بيكسابي)

لماذا 150 صديقا فقط؟

في بحثه الأصلي، درس الدكتور دنبار القردة، وقرر أن حجم القشرة المخية الحديثة (الجزء من الدماغ المسؤول عن التفكير الواعي الموجود لدى الثدييات عموما) يرتبط بحجم المجموعات التي يعيشون فيها. ولأن حجم القشرة المخية الحديثة لدى البشر أكبر، فقد استنتج دنبار أن حجم مجموعتهم المثالي كان في المتوسط 150 شخصا.

يقول دنبار إن "هناك رابطا بين حجم المجموعة الاجتماعية وحجم القشرة المخية الحديثة، وهو الجزء من الدماغ المشارك في الوظائف عالية المستوى مثل الإدراك الحسي والعاطفة واللغة، وهي المرتبطة بالسلوك الاجتماعي".

وتقول جونز إن عدد الأشخاص الذين يمكننا تكوين علاقات معهم هو إلى حد كبير نتيجة الكيفية التي أُجبر بها جنسنا البشري على العمل منذ فترة طويلة. 150 هو العدد المتوقع للأشخاص الذين يمكننا تتبعهم باستمرار والحصول على معلومات محدثة عنهم.

نقد نظرية دنبار

ثمة دراسات عدة قدمت دعما لأفكار دنبار، غير أن دراسة جديدة نشرت عام 2021 في مجلة "بيولوجي ليترز" (Biology Letters) أثارت أسئلة حول دقة "رقم دنبار"، وشككت في حقيقة أن حجم القشرة المخية الحديثة التي تحدث عنها العالم البريطاني مرتبط بمعايير التنشئة الاجتماعية لدى البشر.

وفقاً لموقع "ساينس أليرت" (Science Alert) العلمي، فقد استخدم الباحثون في الدراسة الحديثة بعض الطرق الإحصائية المتطورة، وأشارت نتائجهم إلى أن أحجام المجموعات البشرية المستقرة قد تكون أصغر بكثير من 150 فردا. وتوصلت إحدى نتائج الدراسة إلى أن 42 فردا يمكن أن يكون الحد المتوسط،​ مع تقدير آخر يتراوح بين 70 و107 أشخاص.

يقول أستاذ مساعد في علم البيئة الحيوانية في جامعة ستوكهولم ومعهد دراسات المستقبل باتريك ليندنفورز إنه وفريقه وجدوا أن حجم القشرة المخيّة الحديثة لا يحد من عدد الاتصالات التي يمكن للأشخاص الحفاظ عليها، كما وجدوا أنه لا يمكن إنشاء حدٍ أقصى لعدد الصداقات بأي دقة.

حجم العلاقات البشرية المستقرة قد تكون أصغر بكثير من 150 فردا، وقد يكون الحد المتوسط 42 فردا (بيكسابي)

شبكات التواصل الاجتماعي و"رقم دنبار"

وذكر موقع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أن الدكتور دنبار طرح نظريته منذ عقود في الأيام الأولى للإنترنت، وقبل وقت طويل من تغيير مواقع التواصل الاجتماعي طريقة تواصل الناس في ما بينهم. فأصبح من الممكن زيادة عدد الاتصالات التي يمكننا الحفاظ عليها. إلا أن دنبار يؤكد أن نظريته لا تزال قابلة للتطبيق، حتى في عالم اليوم، وذلك لأن جودة الاتصالات على الشبكات الاجتماعية غالبا تكون منخفضة، ولا يمكن اعتبار هذا النوع من العلاقات "علاقات شخصية".

وفي كتابه "ما عدد الأصدقاء الذي يحتاجه شخص واحد"، قدم الدكتور دنبار أمثلة تاريخية وحديثة لدعم بحثه؛ فقد كان حجم قرى العصر الحجري الحديث في الشرق الأوسط (نحو 6000 سنة قبل الميلاد) يتراوح بين 120 و150 شخصا. وفي عام 1086 كان متوسط ​​حجم معظم القرى الإنجليزية المسجلة في الكتب هو 160 شخصا. وأشار إلى أن الوحدات القتالية في الجيوش الحديثة تضم ما معدله 130 إلى 150 فردا.

وفي عام 2007، عندما كانت وكالة الضرائب السويدية تعيد الهيكلة، اقترح أحد الخبراء الإستراتيجيين للوكالة أن يضم كل مكتب من المكاتب الجديدة بين 100 و150 موظفا، إلا أن الموظفين رفضوا مقارنتهم بالقردة في بحث دنبار.

في النهاية، تقول أستاذة علم النفس في جامعة "ليثبريدج" في كندا لويز باريت "على الرغم من بساطة الاعتقاد بأن هناك عددا مثاليا من الأشخاص الذين يجب أن نحيط أنفسنا بهم، ففي الواقع لا توجد قاعدة واحدة تنطبق علينا جميعا، فحياة الإنسان أكثر تعقيدا من ذلك".

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية