شراء السلع المستعملة.. آخر الحلول للحفاظ على الصورة الاجتماعية

مع ارتفاع الأسعار حول العالم أصبح التسوق عبئا ثقيلا، ولم تعد بعض الأسر قادرة على تحمل نفقات بعض الأشياء التي كانت تستطيع شراءها من قبل.

في ظل ذلك، اتجه الكثيرون إلى السلع المستعملة مما أدى إلى ازدهار أسواق "المستعمل" حول العالم في قطاعات متعددة كالملابس والتليفونات والأثاث والسيارات.

ورغم أن الهدف من التوجه العالمي نحو السلع المستعملة هو تقليل النفقات ومواجهة ارتفاع الأسعار، فإن الحفاظ على البيئة وحماية المناخ كان جزءا آخر من اهتمامات المستهلكين.

ثنائية التضخم والأسعار

يشهد العالم موجة كبيرة من ارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات بدءا من الطعام حتى الملابس مرورا بالأجهزة الكهربائية وغيرها. ويعود سبب ارتفاع الأسعار، حاليا، إلى ارتفاع معدلات التضخم وفقا لمنظمة العمل الدولية، فقد بلغ معدل التضخم السنوي على مستوى العالم أكثر من الضعف خلال الفترة من مارس/آذار 2021 إلى مارس/آذار 2022.

يذكر مركز "بيو" (Pew research) للأبحاث أن وباء "كوفيد-19" الذي أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد ونقص العمالة، والحرب الروسية الأوكرانية التي أسهمت في نقص إنتاج القمح هما السببان الرئيسيان لارتفاع معدلات التضخم، وبالتالي ارتفاع الأسعار حول العالم.

بيع المستعمل- سوق المستعمل
ارتفاع الأسعار كان دافعا رئيسيا لدخول الكثير من الناس سوق السلع المستعملة (شترستوك)

ازدهار مبرر

مع الارتفاع المطرد لأسعار السلع وعدم قدرة معظم الأسر على تلبية احتياجات أفرادها، أصبح سوق السلع المستعملة ملاذا للكثيرين.

في الولايات المتحدة، نما ما يسمى بإعادة البيع بنسبة 15% تقريبا في عام 2021، أسرع بمرتين من سوق التجزئة الأوسع وحقق أعلى معدل نمو في تاريخ الصناعة، وفقا لتقرير إعادة التجارة لعام 2022 بواسطة تطبيق "أوفرأب" (OfferUp) للمعاملات الشخصية والتجارية عبر الإنترنت.

وكشف التقرير أن إعادة بيع الملابس تهيمن على 82% من الأميركيين، أي 272 مليون شخص، يشترون أو يبيعون منتجات مملوكة مسبقا، بما في ذلك الإلكترونيات والأثاث والسلع المنزلية والمعدات الرياضية، فضلا عن الملابس.

ويشير أكثر من 50% من الأميركيين إلى أن ارتفاع الأسعار كان الدافع الرئيسي لدخولهم سوق السلع المستعملة. ومن المتوقع أن يصل حجم سوق "إعادة البيع" في الولايات المتحدة إلى 178 مليار دولار في عام 2022 و289 مليار دولار بحلول عام 2027.

وأصبح الأميركيون يقضون الكثير من الوقت في تصفح أسواق إعادة البيع على وسائل التواصل الاجتماعي حتى أصبحت جزءا من أنماط الحياة اليومية للمستهلكين.

في المقابل، كان شراء السلع المستعملة، للتشيكيين، من المحرمات عادة، وفي حين أن المتاجر المستعملة موجودة هناك، فإن قلة من الناس يعترفون بالتسوق فيها.

ويربط تقرير على "يورونيوز" (Euronews) بين عادات التسوق التشيكية وبين القدرة على إعالة الأسرة، حيث إن عدم ارتداء ملابس جديدة، وذات علامات تجارية، يشير بالنسبة للعديد من التشيكيين، إلى عدم القدرة على إعالة الأسرة.

لكن يبدو أن التأثير الاقتصادي لوباء كورونا من زيادة معدلات التضخم وأسعار الطاقة المتصاعدة، أدى إلى تغيير النظرة النمطية للشعب التشيكي وأسهم في ازدهار تسوق السلع المستعملة، حيث زادت المبيعات المستعملة العام الجاري بـ3 أضعاف العام الماضي، في محاولة من الأسر مواجهة الغلاء.

used market
هناك اتجاه آخر صديق للبيئة يرى في السلع المستعملة حماية للمناخ (شترستوك)

العكس في تونس

في الوقت الذي تزدهر فيه أسواق السلع المستعملة حول العالم في مواجهة الغلاء، تواجه تلك الأسواق أزمة كبيرة في تونس.

ويعد شراء السلع المستعملة عادة محلية نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، حرصا على شراء ملابس ذات جودة عالية بأسعار مخفضة.

ومع مواجهة النمو الاقتصادي التونسي عقبات متتالية منذ الثورة التونسية عام 2011 حتى وباء كورونا، زادت شعبية الأسواق المستعملة هناك.

ومع ذلك، فإن الأسواق التجارية المستعملة في تونس، آخذة في التراجع وسط أزمة العرض، حيث ارتفعت أسعار السلع المستعملة بشكل حاد في ظل ضعف الواردات وارتفاع التضخم إلى 9.2% مسجلا أعلى مستوى في 3 عقود.

ويصل سعر بالة الملابس المستعملة إلى ألف دينار، أي ضعف السعر قبل 10 سنوات. ويرجع السبب في ذلك إلى أن المستهلكين في الغرب، الذين تأثروا أيضا بارتفاع التضخم والانكماش الاقتصادي، يختارون بشكل متزايد الملابس المستعملة الرخيصة، بحسب "نيوز سي إن" (News.cn).

حفاظ على البيئة

بالتزامن مع رغبة الكثيرين في الاتجاه نحو السلع المستعملة ترشيدا للنفقات، ينمو اتجاه آخر صديق للبيئة يرى في السلع المستعملة حماية للمناخ وحفاظا على البيئة.

خلق "كوفيد-19" وعيا بيئيا، جعل محلات "زارا" (Zara) في المملكة المتحدة التي تنتمي إلى المجموعة الإسبانية "إندتكس" (INDITEX) تنضم، الشهر الماضي، إلى عدد من تجار التجزئة الذين يهتمون بالتأجير وإعادة البيع والإصلاح.

وتقدم "زارا" بحسب "الغارديان" (Theguardian) خدمة إعادة بيع الملابس التي تم شراؤها من سلسلة الأزياء الإسبانية أو إصلاحها أو التبرع بها في محاولة للحد من الإهدار في ظل الظروف الاقتصادية الحالية والحد من تأثيرها على البيئة، حيث تواجه الصناعة انتقادات بشأن البصمة الكربونية العالية ويطلب المتسوقون خيارات أكثر استدامة بيئيا تتيح إعادة استخدام الموارد أو إعادة تدويرها.

في قطاع الملابس، لا تعد "زارا" في بريطانيا الشركة الأولى التي تعتمد ثقافة "الملابس المستعملة" أو "إعادة البيع"، فقد قدمتها من قبل "ماركس آند سبينسر" (Marks & Spencer) في إعادة بيع ملابس الأطفال، وتقدم خدمة "فاشون سايكل" (FashionCycle) التابعة لـ"جون لويس" للمتسوقين قسيمة خصم مقابل إعادة 5 قطع من الملابس المستعملة. ومن المتوقع أن يتخطى سوق إعادة البيع والتجديد الموضة السريعة في السنوات المقبلة، مع مشاركة علامات تجارية من "مولبيري" و"هارفي نيكولز" إلى "أسوس" و"أسدا" و"دكتور مارتينز" و"إتش آند إم".

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية