الحمام في حياة الأتراك.. طقوس اجتماعية واستحمام يمر بـ5 مراحل

طقوس الحمام التركي تطورت عبر القرون، فالعثمانيون والسلاجقة فور فتحهم أي مدينة كانوا حريصين على بناء الحمام إلى جانب المسجد والمدرسة لأهميته في حياتهم.

حمام قره جا بيك التاريخي الذي يقع على أطراف المدينة القديمة في أنقرة تم افتتاحه عام 1440 من الميلاد (الجزيرة)

أنقرة- الحمّام في حياة الأتراك ليس مجرد مكان للاستحمام والنظافة فحسب، بل لممارسة الطقوس الاجتماعية والثقافية والاسترخاء والراحة النفسية أيضا، فهو من المزايا التي تميز طريقة عيشهم عن سواهم، وله أصول تاريخية.

وتضم تركيا الكثير من الحمامات الرومانية والتركية التي انتشرت بشكل كبير في زمن الدولة العثمانية، وما زالت حاضرة إلى يومنا هذا ويرتادها المواطنون والسائحون والمثقفون، ويحيون فيها المناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس ويوم الـ40 للمولود والختان وغيرها.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وكان الحمام في تركيا لفترة طويلة مؤسسة بحد ذاتها مع طابع اجتماعي عميق الجذور، وهذا يفسر وجود الحمام التركي في الكثير من البلدان التي حكمتها الدولة العثمانية.

وطقوس الحمام التركي تطورت عبر القرون، فالعثمانيون والسلاجقة فور فتحهم أي مدينة كانوا حريصين على بناء الحمام إلى جانب المسجد والمدرسة لأهميته في حياتهم.

"حمّام قره جا بيك" التاريخي الذي يقع على أطراف المدينة القديمة في أنقرة حيث تم افتتاحه عام 1440 من الميلاد (الجزيرة)

استحمام وطقوس

مراسل الجزيرة نت زار "حمام قره جا بيك" (Karacabey Hamam) التاريخي الذي يقع على أطراف المدينة القديمة في أنقرة، حيث بدأ البناء فيه عام 1427 من الميلاد بأمر من القاضي العسكري في الجيش العثماني جلال الدين قره جا بيك بن عبد الله، وتم افتتاحه عام 1440 من الميلاد. ويعتبر تحفة فنية وأحد أقدم المعالم التاريخية في أنقرة، وقد تم تسمية المنطقة المحيطة به "حمام أونو" (Hamamönü) نسبة له.

وبُني حمام قره جا بيك على الطراز المعماري العثماني من قبب زجاجية وأجراس، ويتكون من 9 حجرات ومطبخ و3 ساحات داخلية وخارجية، وتصل مساحته لنحو ألفي متر مربع، ويتألف من قسمين واحد للرجال وآخر للنساء، ويتسع لـ94 فردا.

حمام قره جا بيك التاريخي في أنقرة مساحته ألفي متر مربع، وفيه قسم للرجال وآخر للنساء (الجزيرة)

ووفقا للوحة مكتوبة باللغة العثمانية ومترجمة للغة التركية، فإنه تم جلب الرخام المستخدم في أرضية الحمام من مدن إلازيغ وآفيون قره حصار، وجرى معالجة المقاطع الخشبية فيه بتفان كبير، وما زال نظام التسخين فيه وفيا للأصل، حيث توفر العشرات من الأنفاق الموجودة أسفل الحمام الماء الساخن باستخدام حطب خاص يجري حرقه، كما لا تتطلب المقاطع المضيئة في القباب استخدام الكهرباء خلال النهار.

إعلان

وفي أثناء تمدده على مسطبة ساخنة في الحمام، يقول السيد إرسين جيفك -للجزيرة نت- "أعاني من شد عضلي وآلام في ظهري وضغط نفسي ناتج عن ضغط العمل وجلوسي لفترات طويلة أمام مكتبي؛ لذلك أتيت للحمام من أجل الاستحمام والترويح عن نفسي وتبادل أطراف الحديث مع الناس".

حمام قره جا بيك التاريخي من الداخل (الجزيرة)

ويضيف جيفك "الحمام ليس للاستحمام فقط؛ ففي تقاليدنا للحمام 5 مراحل: أولاها التعرق بالبخار، ومن ثم فرك الجسم بقماش حريري خشن للتخلص من طبقة الجلد الميت، وبعد أن يدلك الجسم بصلصال معدني مفيد للجلد ومساعد في تقشيره، يتمدد مرتاد الحمام على مسطبة ساخنة جدا لإخراج ما تبقى من عرق مع ما رافقه من سموم، حيث يغطى الجسم رغوة كثيفة من الصابون لفتح مسامات الجلد، لينتهي الطقس بالاستحمام، ومن بعده الدلك بزيت زهر الخزام".

ويقول المشرف على حمام قره جا بيك "العديد من العرسان يزفون انطلاقا من الحمام"، مضيفا "لم تكن الحمامات بغرض النظافة فقط، بل أماكن اجتماعية أيضا، لذلك أجدادنا بنوا الحمام في مركز المدينة التاريخية"، مشيرا إلى أن الحمامات تبقى مفتوحة حتى الصباح بسبب كثافة الإقبال عليها، خاصة عشية العيد.

وشدد على أهمية الحمامات القديمة في تعزيز القطاع السياحي بتركيا التي تشتهر بمطبخها المميز، إلى جانب عراقتها التاريخية.

متحف حمام الباشا، الذي افتتحته بلدية غازي عنتاب للتعريف بثقافة الحمامات (الجزيرة)

موروث شعبي

وتبذل البلديات التركية جهودا مهمة للمحافظة على ثقافة الحمامات، والموروث الشعبي المرتبط بها، فقبل حوالي 3 سنوات افتتحت بلدية غازي عنتاب متحفًا في "حمام الباشا"، الذي أسسه "لالا مصطفى باشا" عام 1557، للتعريف بثقافة الحمامات، واستقبال الزوار والسياح الشاعرين بالحنين لهذه الثقافة.

و"لالا قره مصطفى باشا" (1500-1580) هو قائد عسكري عثماني من أصل ألباني، شغل منصب قائمقام إقْلِيم مصر عام 1549، وكان قائد القوات العثمانية في فتح قبرص عام 1570، والقوقاز عام 1578.

ويعرض المتحف أنواعا مختلفة من المآزر، والقباقيب الخشبية، والأمشاط الخشبية والفضية، وأنواع الصابون العثماني، والأختام المصنوعة من الصابون.

متحف حمام الباشا يجذب اهتمام السياح المحليين والأجانب (الجزيرة)

يجذب المتحف اهتمام السياح المحليين والأجانب؛ لا سيما الأقسام المتعلقة بالمنحوتات المصنوعة من الشمع والصابون.

ويقول مؤرخون إن الأتراك الذين وصلوا الأناضول جلبوا معهم تقاليد الاستحمام بالإضافة إلى بعض عادات الرومان والبيزنطيين التي كانت موجودة في المنطقة، فاندمجت تلك التقاليد لتكون نظاما فريدا.

وتمثل الحمامات قيمة ثقافية مهمة في عموم تركيا، حيث شغلت مكانة مهمة في الأدب والأغاني الشعبية.

المصدر: الجزيرة

إعلان