3 ملايين طفل خارج المدارس في العراق.. ما المعوقات التي تواجه القطاع التعليمي؟

عقود من الصراع وغياب الاستثمارات في العراق دمّرت نظامه التعليمي الذي كان يُعدّ في ما مضى أفضل نظام تعليمي في المنطقة.

الصفوف المدرسية بالعراق تعاني من تكدس طلابي كبير (الجزيرة نت)

الموصل – "الفقر وتكاليف الدراسة وجائحة كورونا أسباب أجبرتني على عدم إرسال طفليّ الاثنين إلى المدرسة". بهذه الكلمات يتحدث محمد عاصم للجزيرة نت عن الظروف المعيشية الصعبة التي تمنعه من إدخال طفليه المدرسة.

عاصم يعمل في مقهى شعبي في مدينة الموصل (شمالا) ويتقاضى ما قيمته 7 دولارات في اليوم وهي لا تكفيه لإعالة عائلته المكونة من 5 أشخاص، ويؤكد للجزيرة نت أن ما يتقاضاه يوميا لا يكفيه لسد رمق الحياة، ومع انتشار جائحة كورونا وتوقف الأعمال وتحول الدراسة للتلقي عن بعد بالوسائل الإلكترونية اضطر إلى عدم إرسال طفليه إلى المدرسة لعجزه عن توفير جهاز حاسوب وخدمة الإنترنت.

وبعد أن عاد الأطفال إلى مقاعد الدراسة مطلع الشهر الماضي، يؤكد عاصم أن رفع سعر صرف الدولار وتراجع دخله يجعلانه عاجزا عن توفير احتياجات طفليه المدرسية.

وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عاد أكثر من 11 مليون طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة في أرجاء العراق بعد شبه انقطاع دام نحو سنتين جراء القيود التي فرضتها السلطات للحد من تفشي فيروس كورونا.

تلاميذ الموصل بمخيمات النزوح يعانون أوضاعا مزرية
صورة تلاميذ في أحد المخيمات في الموصل التقطت قبل عامين (الجزيرة نت)

النظام التعليمي

حال محمد هو حال كثير من العراقيين الذين يشهدون أوضاعا معيشية صعبة. وفي أحدث تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) كشفت الاثنين الماضي عن وجود 3.2 ملايين طفل عراقي في سن الدراسة خارج المدارس.

وأفاد التقرير بأن عقودا من الصراع وغياب الاستثمارات في العراق دمرت نظامه التعليمي الذي كان يُعدّ في ما مضى أفضل نظام تعليمي في المنطقة، وأن ذلك أعاق بشدّة وصول الأطفال إلى التعليم الجيد.

وكانت تحذيرات عدة قد أشارت إلى أن النظام التعليمي بالعراق يعاني بشدة، إذ حذر البنك الدولي في وقت سابق من أن مستويات التعليم بالعراق هي من بين أدنى المستويات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فاروق شكك في صحة الأرقام التي تحدثت عن أن أكثر من 3 ملايين طفل عراقي خارج المدارس (الجزيرة نت)

نفي حكومي

من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة التربية العراقية حيدر فاروق أنه لا يمكن الجزم بصحة الأرقام التي تحدثت بها اليونيسيف عن أن 3 ملايين طفل عراقي خارج المدارس، لا سيما أن البلاد لم تشهد حتى الآن تعدادا سكانيا، ومن ثم لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الأطفال ممن هم خارج المدارس.

وتابع فاروق في حديثه للجزيرة نت أن التعليم الابتدائي في العراق يعدّ إلزاميا، ومن ثم هناك كثير من التسهيلات التي تقدمها وزارة التربية لأجل تذليل جميع العقبات التي تحول دون تسجيل الأطفال في المدارس وفي مختلف المناطق العراقية.

وبيّن أن وزارة التربية وفرت التعليم داخل مخيمات النازحين حتى دون توفر المستمسكات الثبوتية لهم، خاصة في المناطق المستعادة من تنظيم الدولة الإسلامية.

هدى رأت أن جائحة كورونا والتعليم الإلكتروني زادا عدد الأطفال خارج المدارس (مواقع التواصل)

معوقات

وعن أبزر المعوقات التي تواجهها وزارة التربية في البلاد، أوضح فاروق أن الوضع الاقتصادي العراقي أدى إلى أن يكون تخصيص وزارة التربية في الموازنة العامة لا يتناسب مع متطلبات الوزارة، لافتا إلى أن أهم ما يواجهه العراق يتمثل في نقص أعداد الأبنية المدرسية.

وكشف فاروق عن أن العراق بحاجة ملحّة لما لا يقل عن 10 آلاف مدرسة لفك الدوام المزدوج في المدارس وبمعدل عدد طلاب يرواح بين 50-70 تلميذا في المدرسة الواحدة، مشيرا إلى أن العراق بحاجة لـ15 ألف مبنى مدرسي جديد لجعل الصفوف الدراسية مثالية من حيث عدد الطلاب ووفق المقاييس العالمية.

في غضون ذلك، تقول عضوة لجنة التربية في البرلمان السابق هدى جار الله إنه رغم ما تسببت به الأوضاع الأمنية والاقتصادية من تسرب للأطفال من المدارس، فإن جائحة كورونا والتحول إلى التعليم الإلكتروني مع عدم توفر مستلزمات ذلك أسهما في زيادة عدد الأطفال خارج المدارس.

وأضافت هدى جار الله -في حديثها للجزيرة نت- أن العراق الذي كان يمتلك واحدا من أفضل النظم التعليمية بالعالم في سبعينيات القرن الماضي بات نظامه التعليمي اليوم من أسوئها، لافتة إلى أن استشراء الفساد في الوزارة والمديريات تسبب بصورة مباشرة في تراجع النظام التعليمي.

وأوضحت أن التسرب المدرسي يظهر بصورة واضحة في مناطق القرى والأرياف التي تعاني بصورة أشد نظرا لقلة عدد الملاكات التربوية وتكدسها في المدارس داخل مراكز المدن نتيجة المحاباة وعدم القدرة على إجراء الوزارة للتنقلات البينية.

أما مدير التعليم الأهلي والأجنبي العام في وزارة التربية العراقية محمود القبسي فيرى أن النقص الحاد في الأبنية المدرسية وازدواج دوام المدارس الثنائي والثلاثي واكتظاظ الطلاب في الصف الدراسي، كلها عوامل أدت إلى التسرب المدرسي.

القيسي بيّن العديد من المعوقات التي تحول دون توجه الأطفال في العراق للمدارس (الجزيرة نت)

الأسباب

كثيرة هي الأسباب التي أدت إلى تراجع النظام التعليمي بالعراق، إذ يضيف القيسي في حديثه للجزيرة نت أن الوضع الاقتصادي لكثير من العائلات العراقية وعدم قدرتها على تحمل أعباء مصاريف أبنائها الدراسية أسهم بالتسرب المدرسي ليتجه الطلاب في سن مبكرة إلى سوق العمل لمساعدة عائلاتهم.

كما يشير القيسي إلى أن عدم استقرار الوضع الأمني والسياسي للعراق وسيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من المحافظات الشمالية والغربية أدى إلى توقف الدراسة فيها ما يقرب من 3 سنوات، حسب قوله.

ليس هذا فحسب، إذ يرى المشرف التربوي المتقاعد محمد نبيل أن اتجاه الوزارة لتطوير المناهج الدراسية قبل 5 سنوات وما تضمنته من صعوبة لم يكن ملائما لوضع العراق، لا سيما أن البلاد تعاني من عدد كبير في العطل الرسمية التي تعطل المسيرة التعليمية، بما يؤدي في المحصلة إلى تكثيف المادة الدراسية تجنبا للمساءلة الحكومية عند عدم إكمال الكوادر التدريسية للمناهج المقررة، وهو ما أدى إلى تسرب الطلاب من المدارس.

ويتابع في حديثه للجزيرة نت أن تطوير المناهج التربوية وعدم استقرارها في السنوات الماضية لم يكن متوازيا مع المتطلبات التي كان على وزارة التربية تنفيذها، ومن أهمها تطوير الكوادر التعليمية وتأهيلها للمناهج الدراسية الجديدة.

التميمي بيّن أن دستور العراق نص على حماية الطفولة وتكفل الدولة بالتعليم ومحو الأمية (الجزيرة نت)

إلزامية التعليم

يتبنّى العراق منذ عقود سياسة إلزامية التعليم الابتدائي لكن دون تنفيذها في السنوات السابقة، وهو ما يشير إليه القيسي معلقا "إن سيادة الطابع العشائري في حل مشاكل المجتمع جعلت كثيرا من الطلبة وأولياء الأمور يتمردون على الأنظمة التربوية، وذلك أدى إلى تراجع أداء المعلم في دوره التربوي الإرشادي والتعليمي، يضاف إلى كل ذلك عدم تطبيق قانون التعليم الإلزامي رقم 118 لعام 1976 بحق أولياء الأمور الذين لم يلحقوا أبناءهم بالمدارس".

ويذهب في هذا المنحى الخبير القانوني علي التميمي الذي أوضح أن الدستور العراقي  في مادته 34 نصّ على حماية الطفولة وتكفل الدولة بالتعليم ومحو الأمية، مبينا أن المشكلة تكمن في التطبيق.

وفي ما يتعلق بعمالة الأطفال، يعلق التميمي في حديثه للجزيرة نت قائلا "إن قانون العمل النافذ يمنع عمل الأطفال دون سن 18 عاما، إلا أن الواقع خلاف ذلك من خلال مشاركة مئات آلاف الأطفال في سوق العمل في المناطق الصناعية والتجارية دون أي رادع قانوني".

قصي رأى أن الوضع الاقتصادي يعد العامل الأول في التسرب المدرسي (الجزيرة نت)

ومن الناحية الاقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي صفوان قصي أن الوضع الاقتصادي يعدّ العامل الأول في التسرب المدرسي لا سيما أن الإحصائيات تؤكد أن ما يقرب من 12 مليون عراقي ضمن خط الفقر، وذلك أدى إلى ترك آلاف الأطفال للمدارس في العامين الأخيرين.

وفي حديثه للجزيرة نت، يتابع قصي أن عدم قدرة العائلات على تحمل أعباء التعليم وتوفير القرطاسية ووسائل النقل أسهم في تضخم أعداد المتسربين من المدارس، منوّها إلى ضرورة تبنّي الدولة العراقية سياسات جديدة لاستهداف الأطفال خارج المدارس، مقترحا إعادة هيكلة وزارة التربية والاستعانة بالكوادر التعليمية التخصصية من الوزارات الأخرى لسد الحاجة الملحّة لدى وزارة التربية لآلاف المدرّسين والمعلمين.

المصدر : الجزيرة