مرقة السبزي.. طبق فارسي على الطريقة الكربلائية

تعد مرقة السبزي من الأطباق التي يشتهر بها المطبخ الإيراني؛ لكنها خرجت من محليتها لتجد لها حيزا في العراق، وصارت من أهم أطباق المطبخ العراقي، ولا سيما في مدينة كربلاء (جنوب بغداد)، حيث اتخذت فيما بعد عدة تسميات منها مرقة السبانخ أو الشبزي، كما يطلق عليها بعض العراقيين.

وما يميز طبق السبزي ( باللهجة الكربلائية وباللغة الفارسية) رخص مكوناته وقيمته الغذائية العالية ومذاقه الحامض، وتدخل أنواع مختلفة من الخضار في تحضير الطبق، الذي يقدم عادة في فصل الشتاء.

الشيف بشير حسون صاحب مطعم بشير في كربلاء
بشير حسون يقول إن المطبخ الكربلائي قريب من المطبخ الإيراني من ناحية الأطباق التي يشتهر بها (الجزيرة)

السبزي الكربلائي

تشترك المحافظات العراقية كافة في تقديم الطبق؛ لكن كربلاء لها خصوصية في طريقة تحضيره، كما يقول بشير حسون صاحب مطعم وسط المدينة.

ويضيف حسون للجزيرة نت أن "المطبخ الكربلائي قريب إلى حد ما من المطبخ الإيراني من ناحية الأطباق التي يشتهر بها، فضلا عن تشابه خصائصها وطريقة تحضيرها، وهو بذلك يختلف عن باقي المطابخ في المدن العراقية".

يقول حسون إن "العائلة الكربلائية تفضل أن تكون مرقة السبزي باللون الأخضر، حسب ما هو معمول به في إيران؛ لكن المطبخ الكربلائي بالإضافة إلى مكوناته الرئيسية يختلف عنه بإضافة اللوبياء والليمون الأبيض المجفف (أو ما يعرف بنومي بصرة) والنعناع والشبت والبقدونس والدهن الحر (السمن البلدي)، ليسلك على هذا النحو طريقته الخاصة بإعداد الطبق، أما في بقية المدن العراقية، فيضاف إليه صلصة الطماطم والليمون الأسود".

يضيف "تجلب السبانخ المطبوخة والمعلبة من منشئها الأصلي، حيث نتعامل مع شركة إيرانية، تقوم بتجهيز المطعم، فيما نقوم بإضافة المكونات الأخرى التي تعطيها طابعها الكربلائي، ونقدمها مع الأرز الأبيض لرواد المطعم".

مرقة الشبزي - تستخدم داخلية فقط بسبب ضعف جودتها
مرقة السبزي مفضلة لدى أهالي كربلاء رغم وجود أطباق مميزة أخرى في مطاعم المدينة (الجزيرة)

المكونات الرئيسية

من المعروف أن المكون الرئيسي للطبق هو السبانخ الغني بالفيتامينات والمعادن، كما يعد الطبق من أكبر مصادر الحديد في سائر الأغذية النباتية، ويكون المرق ذا لون أخضر غامق وكثيفا إلى حد ما.

ويقول محمد علي أحد أقدم الطباخين في كربلاء إن مرق السبزي يتكون من السبانخ والكراث والشبت والبقدونس والكزبرة والنعناع واللوبياء واللحم والتوابل.

ويضيف علي للجزيرة نت أن "الطلب على مرقة السبزي يتزايد رغم أن المطعم، الذي أعمل به يقدم العديد من الأطباق، حيث ينفد بوقت مبكر جدا؛ مما يدفعنا إلى زيادة الكمية المطبوخة".

اللون الأخضر

تعتبر مرقة السبزي على الطريقة الكربلائية واحدة من أشهر الأكلات، وطبقا رئيسيا في موائد العائلات ومطاعم المدينة، والتي يفضل أهل المدينة أن تكون خضراء اللون، لمذاقها المميز، إذ تعرف بطعمها الحامض.

وتقول أم علاء إن "لكربلاء خصوصية من ناحية اسم الطبق، حيث تسمي بالسبزي، وهي بذلك تنفرد بهذا الاسم، وهو مغاير تماما عن بقية المدن العراقية التي تسميه (مرق السبانخ أو الشبزي)".

وتضيف أم علاء (70) سنة للجزيرة نت أن "العوائل الكربلائية تفضلها خضراء اللون، حسب وصفتها الأصلية، وهو عكس ما تذهب إليه بعض المطابخ الأخرى بإضافة صلصة الطماطم، مما يغير طعمها ولونها المائل للخضرة".

وتقول أم علاء إن "المطبخ الكربلائي يمتاز بإضافة اللوبياء سواء كانت بيضاء أم حمراء، في حين تضيف العوائل في المدن العراقية الأخرى العدس أو الحمص، كما يتميز الطبق الكربلائي بكثافته، حيث يكون متماسكا ومياه المرق قليلة جدا قياسا بمكونات الطبق".

الباحث في الفلكلور والتراث العراقي حسين الجبوري
الجبوري أشار إلى أن الفلاحين الإيرانيين أول من ساهم بنشر طبق مرقة السبزي في كربلاء (الجزيرة)

نشأتها

لم يتضح تاريخيا متى بدأ طبق مرق السبزي الفارسي الأصل بالظهور تحديدا في المطبخ الكربلائي؛ لكن يرجح باحثون ومؤرخون، أنه ظهر مع توافد العمال الإيرانيين للعمل في كربلاء في بداية القرن الماضي.

وعلى مر العصور توافدت إلى كربلاء مختلف القوميات والثقافات، منها الفارسية والعربية والهندية والأفغانية والتركية؛ ليكون الطبق نتاج امتزاج الثقافات.

مرقة السبانغ -السبزي
مرقة السبزي طبق فارسي الأصل (الجزيرة)

يقول الباحث في التراث والفلكلور العراقي، حسين الجبوري، إن "كربلاء مقصد لمختلف الجنسيات بغرض زيارة المراقد الدينية فيها، وهناك من يستطيب الإقامة لحين مماته؛ لذلك تصبح المدينة قدرا واسعا تغتلي فيه أنواع الأطعمة، فتبقى تلك الأطعمة في ذائقة الكربلائيين، فيقومون بتطويرها، وتنتشر هذه الأكلات فيما بعد في بقية المدن العراقية".

ويضيف الجبوري للجزيرة نت إن "الفلاحين الإيرانيين أول من ساهم بنشر طبق مرقة السبزي في كربلاء، وكانوا يجلبون معهم البذور من بلدهم عندما يأتون للعمل في الحقول، يزرعونها ويأكلون منها، ومن ثم تبعتهم عوائلهم ليستوطنوا في المدينة".

ويشاطر إياد زيني، والذي تمتلك عائلته أحد البساتين في كربلاء، الجبوري الرأي، ويقول إن أغلب الفلاحين والعاملين في المهن الأخرى في المدينة كانوا إيرانيين قبل عقود خلت.

إياد زيني رسام وخطاط
زيني أكد أن أهالي كربلاء أضافوا لمرقة الشبزي طابع المدينة وثقافتها (الجزيرة)

ويقول زيني (60 عاما)، والذي يعمل خطاطا ورساما في المدينة القديمة في كربلاء، إن "العمال والفلاحين الإيرانيين هم من أدخلوا أطباقا عديدة ومنها مرقة السبزي، حيث أثرت بشكل أو بآخر على المطبخ الكربلائي؛ لكن الكربلائيين عملوا على إجراء بعض التعديلات على تلك الأطباق ليضيفوا عليها طابع المدينة وثقافتها".

ورغم بساطة مكوناتها، يفضل الكربلائيون مرقة السبزي على بقية الأطباق، إذ تحظى بقدر عال من الاهتمام مقارنة بالأكلات الدسمة أو صعبة التحضير؛ بسبب قيمتها الغذائية العالية. ويقدم الطبق في أغلب مطاعم كربلاء كطبق رئيسي.

ويشتهر المطبخ العراقي بالعديد من الأكلات التي تميزه عن مطابخ دول المنطقة، ومن أبرزها الدولمة والباجة والتشريب والسمك المسكوف وغيرها؛ لكن طبق السبزي تمكن من منافسة هذه الأطباق ليحتل مكانا بارزا.

المصدر : الجزيرة