أسعد طه

أسعد طه

كاتب صحفي وصانع أفلام وثائقية - twitter.com/Assaadtaha

(1)

كيف استطعت أن تحافظ على إنسانيتك رغم كل ما مررت به، وكل ما شاهدته من فظاعات ومآسٍ في هذا العالم المظلم كفيلة بأن تنزع الإنسانية من أي شخص في هذه الدنيا؟ أعرف أن سؤالي فظٌّ ولكن هل فعلاً ما زلت قادراً على حب الحياة والاستمتاع بها؟ وكيف؟ وما السر في ذلك؟

(2)

لم أكن قد بلغت الحادية عشرة من العمر عندما اجتاح الكيان الصهيوني البلد، ووصل إلى حافة القناة على الجهة الأخرى من مدينتي السويس، حينها كان يدرك أهالينا أننا أمام عدوّ إما أن يقتلنا أو نقتله، لم نكن نحلم بتعذيبه، أو سلخ فروة رأس جندي من جنوده إذا وقع لدينا أسيراً، ولم تكن قد وصلتنا صور ولا أنباء ما فعله الصهاينة بجنودنا الأسرى.

حين بلغتُ السادسة والثلاثين كنت أقوم بتغطية الحرب في البوسنة والهرسك، أربعة أعوام تقريباً قضيتها هناك، إما شاهدت بنفسي أو وصلتني -بطريقة ما- فظاعات ما ارتكبه الصرب بمسلمي البلاد، قضيتُ وقتاً طويلاً حتى أستوعب الأمر، ليس أمر الحرب فاللافتات الدينية والقومية دائماً جاهزة للتبرير، ولكن أمر الوحشية؛ فالمسلمون والصرب جيران، هذا يسكن فوق ذاك، وذاك يسكن بجوار هذا، ورغم ذلك فإن صنوفاً من التعذيب قد وقعت لم يسلم منها حتى النساء والأطفال والعجائز.

هل تتخيل يا عبد الرحمن -وأنت مَن سألني هذا السؤال- أن العدو الذي يوقع بك هذه الفظاعات ليس غريباً، يحمل وجهاً مختلفاً واسماً لا يشبه اسمك، ولكنه جارك، الحائط لصق الحائط، تدرسان معاً، وتقضيان عطلة نهاية الأسبوع معاً، ربما مرة أو أكثر أقرضته مالاً، وربما مئة مرة دعاك إلى العشاء، لَكَمْ ضحكتُما حتى الثمالة، ولكم تشاركتما الأحزان، تخيل أنه هو نفسه الآن من يفصل رأس أخيك، أو ينتزع بالسكين عضوه وهو حيّ، ويتلذذ وهو يسمع صراخ جارتك التي تُغتصَب، بالله عليك ما هذه الوحشية؟

بعد انتهاء حرب البوسنة وحرب الشيشان توجهت إلى الكونغو، لكن كان عليَّ أن أمرّ برواندا التي كانت في نهايات حربها الأهلية البشعة، هناك سمعت من القصص ما يشيب له الولدان، الحرب هناك لم تكن بالطائرات والمدافع والرشاشات، الحرب هناك -يا عبد الرحمن- كانت بالسكاكين والفؤوس وبها  قُتل نحو مليون إنسان!


مللت حرب البوسنة فقررت السفر إلى الشيشان حيث الحرب دائرة بضراوة، لم يمضِ بعض الوقت عليّ إلا وأنا أصرخ بأن أسبوعاً من الحرب في الشيشان هو بشهر على الأقل من حرب في البوسنة.

هل رأيت الدمار الذي حل بحواضر سوريا؟ كان الأمر على شاكلته في العاصمة الشيشانية غروزني، هياكل من البنايات المدمرة على مرمى البصر، وطرقات مفروشة بالصواريخ التي أسقطتها الطائرات ولم تنفجر، بعد أن أخرجوها من مخازن "الاتحاد السوفياتي" العتيقة منتهيةَ المفعول.

في الدروب الجبلية -التي كنا نسلكها هروباً من الطرق الرئيسية- حافلةٌ دُمِّرت، وأحرِقت تماماً بشحنتها من اللاجئين الفارين من أتون المعارك، نساء وأطفال ليس بينهم رجل سوى السائق.

بعد انتهاء حرب البوسنة وحرب الشيشان توجهت إلى الكونغو، لكن كان عليَّ أن أمرّ برواندا التي كانت في نهايات حربها الأهلية البشعة، هناك سمعت من القصص ما يشيب له الولدان، الحرب هناك لم تكن بالطائرات والمدافع والرشاشات، الحرب هناك -يا عبد الرحمن- كانت بالسكاكين والفؤوس، تخيل نحو مليون من البشر، أكرر: مليون وليس مئة ولا ألفاً، يُقتلون ذبحاً وتعذيباً وتشويهاً بالسيوف والسكاكين والفؤوس.

الكونغو لم تكن أفضل حالاً، لن أنسى الجندي النظامي الذي التفَّ عليه الثائرون في قلب المدينة يرجمونه بالحجارة انتقاماً وهو يصرخ محتضِراً والدم يتفجر من رأسه؛ بالله عليك ما هذه الوحشية؟

هل تحب أن أذكر لك المزيد، حسناً المزيد نراه الآن بثاً مباشراً على شاشات الأخبار، القتل والتعذيب بالجملة.

(3)

في رحلتي المهنية -ومنذ بدايتها- عقدتُ اتفاقاً مع نفسي ألا أمرِّرَ شيئاً دون أن أفكر فيه، لم أدع مشهداً أو موقفاً يمرّ بي خلال عملي إلا وكنت أتفكر فيه ألف ألف مرة.

كل الأسئلة التي يمكن أن تتخيلها تقافزت أمامي، ما كل هذا الظلم؟ أين العدل؟ لماذا يترك الله عز وجل الظالمين يفعلون ما يفعلون دون عقاب؟ ماذا عليَّ أن أفعل؟ هل أترك عملي وأنضم إلى المظلومين أضمِّد جراحهم؟ هل أكتفي بالكراهية؟

لم يكن بوسعي أن أعتبر المشاهد الوحشية مصيبة وقعت وقمت بتغطية أحداثها وانتهى الأمر، بل شغلني ما عاصرته إلى حدٍّ تمنيت معه لو عدت إلى مقاعد الدراسة لأطالع علم النفس، لعلي أفهم كيف يتحول الناس -الذين نراهم في الأسواق والمدارس ودور السينما ومباريات الكرة يضحكون ويتسامرون ويبتسمون- في غمضة عين إلى وحوش ضارية.

كل ما توصلت إليه أن هؤلاء -وقبل أن يَقتلوا خصومهم ويذبحوهم- قتلوا الإنسان الذي بداخلهم، تخلصوا منه بصورة أو بأخرى، فسَهُل أمرهم، إنهم يرتكبون ما يرتكبون ولا يردعهم ضمير ولا يردهم، ومَن منهم بوسعه أن يفعل ذلك إلا إذا كان الإنسان الساكن بداخلهم قد مات؟

لم يكن بوسعي أن أعتبر المشاهد الوحشية مصيبة وقعت وقمت بتغطية أحداثها وانتهى الأمر، بل شغلني ما عاصرته إلى حدٍّ تمنيت معه لو عدت إلى مقاعد الدراسة لأطالع علم النفس، لعلي أفهم كيف يتحول الناس -الذين نراهم في الأسواق والمدارس ودور السينما ومباريات الكرة يضحكون ويتسامرون ويبتسمون- في غمضة عين إلى وحوش ضارية


لذا قررت ألا أكون مثلهم؛ فعمدت إلى الإنسان الذي بداخلي فأحطته بالرعاية وحميته من الأذى، لا أريد أن أنحرف فأصبح مثلهم، أنا أكرههم، وأكره ما ارتكبوه، لذا لن أكون مثلهم، وسأفعل عكس ما فعلوا.

هل تعرف -يا عبد الرحمن- أنني توقفت عن تحديد موقفي في القضايا الجارية بناء على النظريات والمذاهب السياسية؟ لقد قررت أن أكون في الصف المقابل لأي وحش مهما كان زيّه أنيقاً، ومهما كان يحمل من شعارات أؤمن بها، ومهما كانت هوية ضحاياه، أنا ضد الوحش، أنا في الصف المقابل.

ورغم ذلك؛ فإن السؤال الذي يقلقني هو: هل يمكن أن أصبح رغماً عني مثل هذه الوحوش؟ بالطبع لن أقتل الإنسان الذي بداخلي عمدا، لكن هل يمكن أن يموت هو دون أن أدري؟ لقد أصابني الرعب عندما قفز هذا السؤال إلى ذهني: لماذا لم تعد دموعي تجري كما كانت تجري عندما أتابع على شاشات الأخبار مشاهد الحروب المؤلمة؟ هل قتلوا -رغماً عني وبسلاح الاعتياد- الإنسان الذي بداخلي؟

توقفت فترة عن متابعة هذه المشاهد، كنت أتهرب منها كما يتهرب مؤمن تقي من مشهد إباحي فاجأه على التلفزيون، ثم عدت أتابعها من حين لآخر كصدمات كهربائية لمريض قلب، خفت أن أهلك، الصامت هالك يا عبد الرحمن، وإذا لم يكن بوسعك أن تفعل شيئاً، فلا أقل من قلب حيّ.

(4)

في مبنى المسرح الوطني تُعرض المسرحية، يدخل الناس بأرديتهم الشتوية الثقيلة التي يتركونها عادة في غرفة خاصة عند الباب، لكنهم هذه المرة لم يفعلوا لأن التدفئة لا تعمل وقاعة المسرح باردة جداً في شتاء سراييفو الثقيل، والمسرح نفسه مضاء بالشموع من مُخرج فنّان، فالكهرباء مقطوعة، والمدينة تحت الحصار، والحضور أتوا من كل مكان ويعرفون أن الطرق التي يسلكونها وصولاً إلى المسرح إنما تمرّ تحت مرمى بنادق القناصة، وأن كلاً من الحضور له قريب ما قُتل أو جُرح أو هو مجهول المصير، ورغم ذلك أتَوْا.

هذا المثال أضربه مراراً؛ لقد قرر المحاصَرون الاستمتاع بالحياة مهما كان الثمن، طبيعة إنسانية في ظني، هل شاهدت أنت في دور السينما أفلاماً عن الحروب، ألم تلحظ في بعضها المقاتلين وهم يعزفون الموسيقى ويكتبون الشعر والرسائل لحبيباتهم، وهم على مرمى حجر من الموت؟

توقفت عن تحديد موقفي في القضايا الجارية بناء على النظريات والمذاهب السياسية؟ لقد قررت أن أكون في الصف المقابل لأي وحش مهما كان زيّه أنيقاً، ومهما كان يحمل من شعارات أؤمن بها، ومهما كانت هوية ضحاياه، أنا ضد الوحش، أنا في الصف المقابل. ورغم ذلك؛ فإن السؤال الذي يقلقني هو: هل يمكن أن أصبح رغماً عني مثل هذه الوحوش؟ 


إن الوحش يتمنى أن يحيلنا إلى كائنات بائسة حزينة محبَطة متشائمة مخاصمِة للفرح، والحد الأدنى في حربنا معه أن نحرمه هذا الشعور. نعم أحب الحياة، وأحببتها أكثر بعد أن شاهدت كيف يفقدها المرء في لحظة، رجل وامرأته وطفلاهما يتناولون العشاء، تلميذ في الطريق إلى المدرسة، عروس ليلة زفافها.

هل تتذكر -عندما كنا أطفالاً- كيف كنا ندخل في معارك مع أقراننا منافسةً على امتلاك شيء ما، وكيف كان الكبار يهدئون من روعنا، بدعوى أنه لا قيمة لها؛ الآن انظر إلى كل هذه المعارك الطاحنة في هذه الدنيا فإنها على تلك الشاكلة.

عندما تقترب من النهاية يا عزيزي يبدو لك المشهد أوضح، وتنظر للأمور من عَلٍ نظرة استعلاء، إنك ترى بصدق عبث ما يجري، وتدرك ما الذي يبقى وما الذي يفنى، ما الذي له القيمة وما الذي لا قيمة له.

لقد بِتُّ أؤمن -أكثر من أي زمن فات- باليوم الآخر، هذه الحياة لا تستحق أن تعيشها ولو للحظة إن لم يكن هناك يوم آخر، تخيّل عدد المظلومين الذين ينتظرون يوم القصاص، من محكمة عادلة لا مرتشٍ فيها ولا ظالم ولا منافق.

عندما تقترب من النهاية -يا عزيزي- ستؤمن أكثر وتستمتع أكثر بهذا النداء: الله أكبر؛ ليس من قبيل الحماسة والصلاح، ولكن من قبيل الإيمان بأن الجميع سيلقى جزاءه، الذي قَتل الإنسانَ بداخله والذي أحياه؛ وهل من عزاء سوى أن ما تؤمن به هو الأكبر؟

المصدر : الجزيرة