ياسين أقطاي

ياسين أقطاي

مستشار الرئيس التركي

خرج فيروس كورونا (كوفيد 19) من مدينة أوهان الصينية، وسُرعانَ ما انتشر في مناطقَ كثيرةٍ من العالم، وقد تأخَّرَ كثيرا في وصوله إلى تركيا؛ حتّى إنّه في وقتٍ من الأوقات عندما كان “كوفيد 19” يتمدَّدُ ويرسُمُ خريطةً حمراءَ في كل الدول المحيطةِ بتركيا، في ذلك الوقت كانت تركيا تبدو كأنّها جزيرةٌ صغيرة بيضاءُ في وسط تلك الخريطة الحمراء.

لم تمتنع المعارضة التركية عن تحويل هذه القضية إلى مصدر قلق جدّيّ، وقالوا: إن هذا الفيروس انتشر في معظم الأماكن ولكن لم يصل إلينا! لماذا؟ وجعلُوها مشكلة جدّيّة. في حين أنَّ السببَ الأساسيَّ لتأخُّر قدوم فيروس “كوفيد 19” إلى تركيا هو أن وزارة الصحة التركية بدأت -في وقت مبكِّر- اتّخاذ التدابير الفعّالة اللازمة، ومن دون ضجّة.

ففي بداية ملاحظة انتشار المرض خارج تركيا؛ اتُّخذ قرارٌ فوري بتعليق جميع الرحلات الجويّة والبرّيّة مع الصين وإيران، وبالنسبة للمسافرين القادمين من خارج تركيا فقد تمّ تطبيق نظامِ مراقبة تلقائيّ لضمان سلامتهم الصحية باستخدام الكاميرات الحرارية المثبَّتة في المطارات.

وبهذه المناسبة؛ فإنه عندما انتقد أحدُ نوّاب المعارضة دخول وزير الصحة العائد من خارج البلاد وهو يلوّح بيديه دون أيّ فحص أو مراقبة، ردّ وزير الصحة بطريقة فكاهية مشيرًا إلى تدابير السلامة المتَّخذة في المطار بقوله: "إذا رغب هذا النائب فيمكنه أن يعرف درجة حرارته من الكاميرات الحرارية المثبّتة وهو يمرّ في مدخل عبور المسافرين، وأن يشاركها مع الرأي العام".

ولكنْ في 11 مارس/آذار شُخِّصت أوّلُ إصابةٍ وظهرت أولُ نتيجةٍ إيجابية لتحليل “كوفيد 19”، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تركيا كباقي بقاع الكرة الأرضية على تعارف مع فيروس “كوفيد 19”، وإن وصل إليها متأخِّرًا.

ليقُل مَن شاء ما شاء؛ لكنّ هذه الحادثة (كوفيد 19) -وقد زاد الطلب على القطاع الصحي- أظهرت واحدةً من أكبر إنجازات تركيا خلال 18 عاما من العمل على تقوية نظام الرعاية الصحية، وقد تم اختبار هذا النظام فأثبت قدرةً وكفاءةً عالية. وأظهرت هذه التجاربُ أن نظام الرعاية الصحية في تركيا واحدٌ من أقوى الأنظمة الصحية في العالَم


ومنذ اليوم الأول، ورغم أنّ سير المرض كان بطيئا؛ فإنّه حصل في تركيا ما حصل في باقي دول العالَم، فبدأنا نرى عددَ الإصابات يتضاعف لا وفق متتالية حسابية، بل وفق متتالية هندسية. فعدد الإصابات الذي كان (5) في اليوم الثالث، أصبح في الأيام اللاحقة 18، 45، 98، 191، وفي مساء 21 مارس/آذار كان الرقم 947 إصابةً.

في الواقع، ورغم هذا السير المتسارع لفيروس “كوفيد 19”؛ فإنّ التدابير الفعّالة والاستثنائية التي اتخذتها وزارةُ الصحة منذ ظهور هذا الفيروس أصبحت الآن مرئيّةً بوضوح أكثر.

ليقُل مَن شاء ما شاء؛ لكنّ هذه الحادثة (كوفيد 19) -وقد زاد الطلب على القطاع الصحي- أظهرت واحدةً من أكبر إنجازات تركيا خلال 18 عاما من العمل على تقوية نظام الرعاية الصحية، وقد تم اختبار هذا النظام فأثبت قدرةً وكفاءةً عالية. وأظهرت هذه التجاربُ أن نظام الرعاية الصحية في تركيا واحدٌ من أقوى الأنظمة الصحية في العالَم.

إن النظام الصحي الذي كان مطبَّقا في تركيا قبل 18 عاما يمكن نسيانه؛ فاليوم كلُّ العالَم يُدرِكُ مدى تقدُّمنا في نظام الرعاية الصحية، وحتّى المعارضة نفسها كان هذا محلَّ تقديرها وإعجابها.

نظام الرعاية الصحية في تركيا يُعَدّ من أكبر المجالات الناجحة في مسيرة حزب العدالة والتنمية الحاكم، فالنظام الصحي في تركيا قبل 18 عاما كان يمثل فاجعة حقيقية. فرغم التكلفة المالية الباهظة التي كان تُخصَّص للنظام الصحي في تركيا؛ فإنّه كان بعيدا جدا عن خدمة المواطنين، لأنّ طريقة الإدارة كانت سيئة للغاية، وكان قطاعا مبعثَرا تسوده الفوضى، فضلا عن قضايا الفساد.

ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة؛ تمّ تجميع النظام الصحي بأكمله تحت سقف واحد، وتم القضاء على الفساد بصرامة، وأُنشئت استثمارات مهمة من الأموال الفائضة بسبب القضاء على الفساد، وخلال مدّة قصيرة أصبحت خدمات النظام الصحي متاحةً لجميع المواطنين، ويمكنهم تلقّي الخدمات بالجودة والسرعة نفسها دون أيّ تمييز بين الأغنياء والفقراء.

اليوم؛ لا يحتاج المواطن التركي لأجل الاستفادة من خدمات نظام الرعاية الصحية في بلاده سوى أن يبرز هويته الشخصيّة، وأصبحت خِدمات الرعاية الصحية التركية الأفضلَ جودةً والأرخصَ في العالم. وعلاوةً على ذلك؛ فإن الرعاية الصحية مع الزمن أصبحت أحدَ بنود التصدير في تركيا.

كما أصبحت السياحة العلاجية الآن مجالا هاما من مجالات قِطاع السياحة في تركيا، لدرجة أن أشخاصا كثيرين في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، أو من المواطنين الأتراك الذين يعيشون في الخارج؛ صاروا يتوجّهون إلى تركيا لأنّهم يجدون الخدمة الصحية التي يتلقَّونها فيها أرخصَ وأكثرَ جودةً من الخِدمات الصحيّة في بُلدانهم.

وفي السنوات الأخيرة؛ توجّه حزب العدالة والتنمية الحاكم في مجال الصحة إلى إنشاء مُدُن طبية ضخمة، وكانت خطوة جادّة نحو تقليل عدد المرضى والأسِرّة لكل طبيب، لكنّ المعارضة رأت أنّ هذه الطاقة الاستيعابية العالية غير ضرورية، بل إنها رأت أن هذه المشاريع إسراف وإضاعة للمال.

في الوقت الحاضر؛ تهدف تركيا إلى محاربة هذا الفيروس المُعْدِي، الذي يتضاعف عددُ الأشخاص المصابين به بمتتالية هندسية، كما حصل في كل مكانٍ شوهِد فيه لأول مرة، وتقوم وزارة الصحة التركية بجهود منظّمة تهدف إلى منع وصول عدد المرضى إلى حدٍّ يتجاوزُ قدراتها العلاجية؛ وذلك باعتماد تدابير تؤدي إلى تخفيض سرعة انتشار الفيروس


ولكن الحقائق التي تبدّت مع فيروس كورونا أظهرت أن تركيا كانت ذات نظرة بعيدة جدًّا في هذا المجال، فالعالم كلّه يعيش حالة عجز تامّ في مواجهة فيروس كورونا “كوفيد 19”؛ حيث ظهر أول مرة في الصين ثم إيران، ثم بدأ ينتشر بسرعة وبشكل يبدو خارجا عن السيطرة.

اتُّخذت في إيطاليا وإسبانيا وهولندا وألمانيا -وفي غيرها من الدول الأوربية- إجراءاتٌ وتدابير لمواجهة الفيروس، ولكن إذا نظرنا إلى تركيا -مع أن السياحة تُشكِّل شطرًا موفورا من اقتصادها- فإننا نجد أنّ الأداء والإجراءات التي اتُّخذت فيها -حتى الآن- تُعدّ ناجحة للغاية. وبفضل هذه التدابير؛ كان دخولُ الفيروس إلى تركيا متأخِّرا، ولكن يبدو أن نموّ انتشاره في تركيا لن يأخذ مسارا مختلفا.

في الوقت الحاضر؛ تهدف تركيا إلى محاربة هذا الفيروس المُعْدِي، الذي يتضاعف عددُ الأشخاص المصابين به بمتتالية هندسية، كما حصل في كل مكانٍ شوهِد فيه لأول مرة، وتقوم وزارة الصحة التركية بجهود منظّمة تهدف إلى منع وصول عدد المرضى إلى حدٍّ يتجاوزُ قدراتها العلاجية؛ وذلك باعتماد تدابير تؤدي إلى تخفيض سرعة انتشار الفيروس.

إنّ خطاب الرئيس أردوغان في هذا الموضوع يمنح الجماهير الروحَ المعنوية العالية، على عكس القادة الأوروبيين الآخرين. وإن الفلسفة المتبعة في السياسات الصحية في تركيا تؤكد مرة أخرى مقولة: اجعل الناس يعيشون كي تعيش الدولة؛ ولذا فإنّ الهدف النهائي للدولة هو إبقاء الناس على قيد الحياة، ومن ثَمّ توفير الحياة الكريمة.

المصدر : الجزيرة