ياسين أقطاي

ياسين أقطاي

مستشار الرئيس التركي

نقول نهاية الإسلام السياسي "مرة أخرى"، لأنه لم يعد هناك أحد يتذكر عدد المرات التي تم فيها إعلان نهاية “الإسلاموية”. لقد أصبح هذا شيئًا يجب أن نعتاد عليه. وفي الواقع؛ فإن ما اعتدنا عليه فعلا هو مناقشة “الإسلاموية” (أو الإسلام السياسي) في فترات معينة، وإعلان نهايتها في هذا النقاش.

وفي الحقيقة؛ فإن إعلان مثل هذا النعي الدوري يؤدي -بشكل كبير- إلى حدوث نزاعات. وإلى جانب هذا الإعلان؛ فإن روتين هذه المناقشات يكمن في أن العديد من الأشخاص يحاولون إثبات أنهم إما ماتوا حقًا أو لم يموتوا بالفعل.

ومن الأمور الروتينية الأخرى الاعتراضاتُ على تعبير “إسلامي” من قبل أولئك الذين يعرفهم الجميع بالإسلاميين، أو المعروفين بالإسلاميين في الاستقطابات أو الانفصالات السياسية. ومن خلال هذه الاعتراضات؛ فإنهم ربما اعترضوا على أولئك الذين أعلنوا نهاية “الإسلاموية” بطريقة ما.

إذن؛ لماذا نشهد الحديث عن هذا الموت –أو هذه النهاية- بين الفينة والأخرى؟ هذا الحدث له جانب ساخر أيضاً؛ فأولئك الذين يعلنون نهاية “الإسلاموية” ينسحبون من المسرح بعد فترة -إذا جاز التعبير- ويموتون فوراً، أو يَنفَدُ خطابهم السياسي وما سيعبرون به سياسياً، ولكن -بطريقة ما- تستمر “الإسلاموية” في العيش وقتا آخر رغم إعلانهم موتها.

وبعد ذلك تبقى مهمة الإعلان التالي عن هذا الموت للآخرين. في إحدى المناسبات؛ شبهنا ما يحدث في هذا السياق بكلام نيتشه الذي أعلن "موت الله" حين كتب على الجدران: "مات الله، التوقيع: نيتشه"، ثم كتب في السطر التالي: "مات نيتشه، التوقيع: الله".

لماذا نشهد الحديث عن موت الإسلام السياسي بين الفينة والأخرى؟ هذا الحدث له جانب ساخر أيضاً؛ فأولئك الذين يعلنون نهاية “الإسلاموية” ينسحبون من المسرح بعد فترة -إذا جاز التعبير- ويموتون فوراً، أو يَنفَدُ خطابهم السياسي وما سيعبرون به سياسياً، ولكن -بطريقة ما- تستمر “الإسلاموية” في العيش وقتا آخر رغم إعلانهم موتها


ليغفر الله له؛ أما بالنسبة لمن يقول إن “الإسلاموية” ماتت، فقد كنتُ قلقاً دائماً بشأن شرح أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن “الإسلاموية” هي إرادة وجودية متأصلة في عمل كل مسلم. بينما لاحظتُ -مع مرور الوقت- كم كنت عقيماً بعد أن أدركتُ الترتيب الذي يخضع له هذا العمل، آمل ألا يحسبني أحد نادما على “الإسلاموية”.

أرى هذا بوضوح؛ أولئك الذين قدموا هذه التشخيصات -أو الادعاء بالتشخيص- ليست لديهم معرفة بطبيعة الإسلام أو بطبيعة السياسة، ولا بتحليل فكر الحركات السياسية التي تميل عموماً إلى “الإسلاموية”، ولا الوقوف على تأويلاتها السياسية.

هل يعتقد هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بأنهم مسلمون مطلقون، والذين لم يختلطوا بالسياسة بسبب محاولتهم عزل السياسة عن الدين؛ أنهم يفهمون الإسلام الذي يتضمن الإيمانُ به جملةً تمهيدية هي "لا إله إلا الله" (أي رفض عبودية العباد بعضهم بعضا وتخصيصها لله)؟

وهل يرون أنه من الممكن أن يكونوا مسلمين دون أن يناضلوا ضد أشباه الآلهة الذين يحاولون استخدام الناس -كل يوم وفي كل مكان- كعِبادٍ لهم، والذين أفسدوا العالم من أجل هذا الغرض، ووضعوا نظامهم من أجل خلق الاضطرابات ودون أن يناضلوا ضد هؤلاء وخدامهم المتعصبين والمتهورين؟

وكما قلنا من قبلُ؛ فإن “الإسلاموية” طاقة لا يمكن استهلاكها لأنها تكشف نفسها كل يوم في الأعمال الأساسية، مثل الصلاة والصوم والحج والتضحية والاستشهاد والزكاة. وحتى لو لم يتم تطوير خطاب سياسي حول هذه الأعمال؛ فإن فلسفتها العفوية تكفي دائماً لإعادة إنتاج المشاعر والإرادة والمواقف الإسلامية.

السياسة هي أحد أسس مستويات الوجود البشري، وهي شكل من أشكال النشاط يدركه الإنسان نفسه، هذا الوجود البشري الذي يتميز بإرادة التدخل في العالم بما يتماشى مع قيمه ومبادئه. إن إنكار العبودية للعباد هو قبل كل شيء موقف وعملية نضال، ومجموعها يملأ أيضاً محتوى “الإسلاموية”.

وبالمناسبة؛ فإنه يمكنك عدم تسميتها بـ”الإسلاموية”، لكن “الإسلاموية” هي التسمية في النهاية، وإن كان يمكن القول إن اسم المسلم يحتوي على الكثير مما يقصد بها. قد يكون هناك من يعترض على مفهوم “الإسلاموية” دون أن يرفض مضمونها، معتبراً أن الإسلام كافٍ للتعبير عنها.

هنا تتدخل الحساسيات، وهي حساسيات يمكن تفهمها؛ ومع ذلك فإن الاعتراض على المفهوم يمكن أن يتحول تدريجياً إلى اعتراض على المضمون. وبالعودة إلى التعريف الضحل للسياسة؛ يمكن أن يؤدي هذا إلى فقدان الاتجاه الذي يشل التمييز بين الصديق والعدو في مكافحة العبودية للعباد.

نعم؛ التمييز بين الصديق والعدو هو أيضاً من أكثر التعريفات الصحيحة للسياسة، وأحد أكثر الفروق التأسيسية للمسلم. من هم أولياء المسلمين وأصدقاؤهم ومن هم أعداؤهم؟ أليس غير المسلمين أولياء وأصدقاء لبعضهم البعض؟ وما لم تخضع لدينهم وتدخل في معسكراتهم السياسية وتَبِعْ إخوانك؛ فإنهم لن يرضوا عنك.

السؤال الحاسم هو: المسلمون الذين احتُلت أراضيهم في جميع أنحاء العالم، والذين تعرضوا للانقلابات ولجميع أنواع الاضطهاد في بلادهم، والذين هم كابوس المتكبرين في العالم وبنفس الوقت فإنهم مظلومون وضحايا بسبب هذا الخوف منهم؛ بأي معايير منصفة يمكن أن يُنسب إلى موقف هؤلاء المسلمين النجاح أو الفشل؟


من يستطيع إنهاء الإسلام السياسي طالما أن هذا الموقف السياسي هو المحور الأساسي في الخطاب التأسيسي للإسلام؟ وكيف يمكن رؤية نهاية الإسلام السياسي دون أن يفقد هذا الموقف؟ إن ما تجب رؤيته ومشاهدته مرات -للذين ربطوا نهاية الإسلام السياسي بفشل معيَّن- هو حقيقة أن هذه السياسة ليست حقيقة يمكن أن تثبت نفسها بالنجاح أو الفشل.

فعلى سبيل المثال؛ لا يمكن لأحد اليوم التحدث عن نهاية المسيحية السياسية أو اليهودية أو البوذية، فهل سبب هذا كون هذه السياسات الدينية قادرة على تقديم علاجات عظيمة للبشرية؟ لا أبداً.

على العكس من ذلك تماماً؛ لا توجد سياسة بالضرورة من خلال إيجاد حلول للبشرية جمعاء أو تحقيق نجاح معين. يتحقق وجود السياسة من خلال نضال جميع أولئك الذين يؤمنون بها، حيث يحددون من خلالها هويتهم وأصدقاءهم وأعداءهم. فما هو نوع النجاح الذي توقعه أولئك الذين ربطوا نهاية الإسلام السياسي بفشل معين؟

وفي الواقع؛ فإن السؤال الحاسم هو: المسلمون الذين احتُلت أراضيهم في جميع أنحاء العالم، والذين تعرضوا للانقلابات ولجميع أنواع الاضطهاد في بلادهم، والذين هم كابوس المتكبرين في العالم وبنفس الوقت فإنهم مظلومون وضحايا بسبب هذا الخوف منهم؛ بأي معايير منصفة يمكن أن يُنسب إلى موقف هؤلاء المسلمين النجاح أو الفشل؟

المصدر : الجزيرة