محمد يتيم

محمد يتيم

مفكر وقيادي إسلامي مغربي

إن التأمل في معطيات مرجعيتنا وفي البَدَهِيات والحقائق التي توصل إليها الفكر الإنساني يفيد بأن الشراكة في الإصلاح ضرورية، ولا يستغني عنها العقلاء أو يرفضونها بدعوى الاختلاف السياسي أو الأيديولوجي مع الشركاء المحتملين، مهما يكن هذا الاختلاف أو مهما يكن ضلوع الشركاء في مستوى معين من الممارسات التي تقتضي أن تكون موضوعا للإصلاح.

ولمزيد من التأكيد والتوضيح لهذه البَدَهِية؛ نعرض لمجموعة من المؤيدات لهذا النهج المطرد في تاريخ الحركات الإصلاحية بما في ذلك دعوات الأنبياء، وفي تاريخ الحركات السياسية بما في ذلك الحركات التي كانت تعتنق فكرا ثوريا جذريا.

إن الإصلاح عملية تراكمية في مواجهة الطبيعة المركَّبة للفساد، ولا يمكن أن يدعي فرد حتى ولو كان نبيا مرسلا أنه قادر لوحده أن يحيط بكل جوانبها، ولا يستطيع "تنظيم" أو "جماعة" أو "حركة" مهما كانت كبيرة أو متجذرة أن تدعي قدرتها وحدها على الاستجابة لكل متطلباتها.

ذلك أن الزمن عامل أساسي في التحولات الاجتماعية وخاصة في عملية الإصلاح، ولكل فترة "ممكناتها التاريخية" على مستوى توقعات الإصلاح؛ فالإصلاح وما يحتاجه من جهد ينوء بقدرات وإمكانات أي فرد أو مجموعة من المجموعات أو حزب أو حركة من الحركات في سياقنا المعاصر.

لم تسلم من هذه القاعدة دعوات الأنبياء بَلْهَ أن تسلم منها الحركات الاجتماعية، فبعض الأنبياء لبثوا في قومهم عدة قرون فلم يستجب لهم إلا قليل منهم، كما يحكي القرآن الكريم مثلا عن سيدنا نوح عليه السلام.

كما أن سيدنا شعيبا -عليه السلام- نقل القرآن على لسانه قولا يكشف -بتواضع الأنبياء والمرسلين- الطابعَ المعقّد لعملية الإصلاح، ويبين أن زمانها قد يتجاوز الأعمار الفردية بل عمر جيل أو أجيال بكاملها، وذلك في قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)؛ (سورة هود/ آية: 88).

الشراكة في الإصلاه هي تعاون على تحقيقه بين أجيال وأمم وجماعات مختلفة المشارب العقدية والثقافية، وبين أبناء جيل واحد توجد بينهم مثل تلك التفاوتات بل والتناقضات؛ فإنه قد تختلف مرجعياتهم ومنطلقاتهم لكنهم قد يلتقون على هدف واحد هو الإصلاح، أو على جانب من جوانبه وقضية من قضاياه. توجد عدة أدلة تاريخية -في مرجعيات مختلفة- تبين أن الشراكة في الإصلاح وقواعد الترجيح التي تستند إليها هي قواعد عقلية وقوانين اجتماعية عابرة للمنظومات العقدية


ومحمد خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- لم يدّع أنه جاء ليمسح الطاولة، بل أوضح أنه إنما جاء كي يضع لبنة في صرح بناء تناوبت على إقامته أجيال من دعوات الأنبياء والمرسلين. ذلك أن الإصلاح عملية تقوم على شراكة تاريخية، أي بين أجيال وأمم يسلم بعضها لبعض المشعل كي تبقى شعلة الإصلاح متقدة، فيكمل كل جيل من الأجيال ما بناه الجيل أو الأجيال السابقة، وربما يصلح ما أفسدوه.

وهي تقتضي -تبعا لذلك أيضا- شراكة بين أبناء المجتمع الواحد والجيل الواحد، وهو ما يعني أنه لا يمكن لفصيل سياسي أو حزبي أن يتصدى وحده لعملية الإصلاح السياسي، سواء اختار نهج المشاركة السياسية من داخل المؤسسات، أو اختار النضال من خارجها لتحقيق "برنامجه" السياسي.

وحيث إن هذه الشراكة هي تعاون على تحقيق الإصلاح بين أجيال وأمم وجماعات مختلفة المشارب العقدية والثقافية، وبين أبناء جيل واحد توجد بينهم مثل تلك التفاوتات بل والتناقضات؛ فإنه قد تختلف مرجعياتهم ومنطلقاتهم لكنهم قد يلتقون على هدف واحد هو الإصلاح، أو على جانب من جوانبه وقضية من قضاياه. توجد عدة أدلة تاريخية في مرجعيات مختلفة، سنورد بعضها كي نبين أن الشراكة في الإصلاح وقواعد الترجيح التي تستند إليها هي قواعد عقلية وقوانين اجتماعية عابرة للمنظومات العقدية والمرجعيات الفكرية المختلفة، ويلجأ إليها الإنسان في تدبير أموره اليومية وعلاقاته الأسرية.

وقد يكون هناك من يصف بعض هذه القواعد بـ"التنازلات" تارة وبـ"الانبطاح" تارة، وأحيانا أخرى بقائمة من التوصيفات القدحية الطويلة والعريضة، ولا يجد غضاضة في العمل بها حين يتعلق الأمر بشأنه الشخصي ومصلحته الفردية، بينما تجده قاسيا معنِّفا حين يتعلق الأمر باجتهاد جماعي.

ولأنها كذلك؛ فإن الاستدلال على صواب اعتمادها منهجا والعمل بها نهجا وسلوكا لا يقتصر على الأدلة الفقهية والأصولية المعروفة لدى علماء المسلمين، بل نجد لها نظائرها في الفكر والتجارب الإنسانية الأخرى. وبعبارة أخرى فهي من مقتضيات "العمران البشري"؛ بلغة ابن خلدون.

ثم إن الإصلاح المستطاع هو المأمور به دينا وشرعا، وهذه قاعدة قرآنية وردت على لسان نبي الله شعيب حين قال: (إن أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي باللهِ). وهي قاعدة تشهد لها آيات أخرى أكثر عموما من حيث دلالتها، حيث تشمل التكليف الديني في عمومه؛ فقد قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؛ (سورة التغابن/ الآية: 16).

وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)؛ (سورة البقرة/ الآية: 286). وهي مسألة حظيت باهتمام عدد من علماء المسلمين، ورتبوا عليها عددا من الأحكام ذات الصلة بالمشاركة والمخالطة والتعاون مع ولاة وحكام لا يسيرون على نهج العدل والقسط.

فابن تيمية مثلا "سُئل عن رجل مُتَولٍّ ولايات، ومُقْطَع إقطاعات وعليها مِن الكُلَف السلطانيَّة ما جرت به العادة، وهو يختار أن يُسقط الظلمَ كلَّه ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنَّه إن ترك ذلك وأقطعها غيره وولى غيره فإنَّ الظلم لا يُترك منه شيءٌ بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه فيُسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنَّه يُطلب منه لتلك المصارف عوضها وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها؛ فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه وقد عرفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه؟".

فأجاب ابن تيمية: "الحمد لله؛ نَعم، إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه وولايته خيرٌ وأصلح للمسلمين مِن ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خيرٌ مِن استيلاء غيره، كما قد ذكر؛ فإنَّه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل مِن تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه".

تُقدم السيرة النبوية تجسيدا عمليا لمبدأ الشراكة في الإصلاح بما يؤكد أنه نهْجُ النبي صلى الله عليه وسلم، كما تدل على ذلك شواهد كثيرة ومتعددة نذكر منها تأكيده صلى عليه وسلم أن دعوته جاءت كي تتمم مكارم الأخلاق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأنها ليست منقطعة عن سِيَر الأنبياء والمرسلين


وأضاف "وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيره قادراً عليه. فنشر العدل -بحسب الإمكان- ورفع الظلم -بحسب الإمكان- فرضٌ على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه مِن ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب -والحالة هذه- بما يعجز عنه مِن رفع الظلم".

وفي نفس السياق؛ لاحظ ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (ج20/ 56ـ61) أن نبي الله يوسف –عليه السلام- تولى خزائن الأرض لملك مصر، بل وسأله أن يجعله على خزائن الأرض، رغم كون أهل مصر آنذاك لا بد أن تكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها ليست "جارية على سنة الأنبياء وعدلهم (يقول ابن تيمية) ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم)".

وتقدم السيرة النبوية تجسيدا عمليا لمبدأ الشراكة في الإصلاح بما يؤكد أنه نهْجُ النبي صلى الله عليه وسلم، كما تدل على ذلك شواهد كثيرة ومتعددة نذكر منها تأكيده صلى عليه وسلم أن دعوته جاءت كي تتمم مكارم الأخلاق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأنها ليست منقطعة عن سِيَر الأنبياء والمرسلين.

ومكارم الأخلاق شيء تعرفه الفِطَرُ السليمة التي تنكر الرذائل، كما أن العمل على إتمام هذه المكارم أمر تميل إليه تلك الفِطَرُ في الأصل حتى قبل أن تعتنق عقيدة التوحيد؛ وبالتالي فإن اعتناق الإسلام ليس سوى مرحلة تتوافق فيها مقتضيات الفطرة السليمة مع الموقف الفكري والتصور العقدي.

وهو ما يفسر انخراط النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول، وفيه قال صلى الله عليه وسلم "لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ"، وكانَ سَبَبُ الْحِلْفِ كما جاء في بعض كُتب السيرة: "أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَظَالَمُ بِالْحَرَمِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَعَوهمْ إِلَى التَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَالأَخْذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، فَأَجَابَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَعْضُ الْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّوْا ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ تَشَبُّهًا لَهُ بِحِلْفٍ كَانَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ جُرْهُمٍ عَلَى التَّنَاصُفِ وَالأَخْذِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، وَلِلْغَرِيبِ مِنَ الْقَاطِنِ؛ قَامَ بِهِ رِجَالٌ مِنْ جُرْهُمٍ".

والشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر مبدأ التعاون والشراكة في الإصلاح مع غيره، وأن الاعتبار الديني لم يكن مانعا من ذلك التعاون، حيث قال: "ولو دعيتُ به في الإسلام لأجبت".

وهناك أيضا وثيقة المدينة التي تعتبر أقدم وثيقة دستورية تاريخية تضع قواعد العيش المشترك بين مكونات المجتمع المدني ومنهم اليهود، على قاعدة الانتماء للوطن ككيان مدني معرَّف دستوريا وليس على أساس ديني، مما يقدم دليلا قويا على أن الاختلاف العقدي أو الأيديولوجي ليس مانعا من التوافق على الانخراط الجماعي في الإصلاح.

وفي صلح الحديبية دخلت خزاعة في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من بنود هذا الصلح أن من أراد الدخول في حلف الرسول (ص) وعهده دخل فيه، ومن أراد الدخول في حلف قريش وعهدهم دخل فيه؛ فدخلت قبيلة "خزاعة" في عهد الرسول الأمين (ص) ودخلت "بنو بكر" في عهد قريش.

التحالف أو الشراكة الوطنية لا تعني أن تذوب الأطراف في كيان تنظيمي واحد، أو في مشروع سياسي واحد؛ بل الشراكة تعني الالتقاء على برنامج مرحلي متقاسَم والتعاهد على العمل المشترك من أجل إنجازه، بما قد يرتبط بذلك من توافقات وتنازلات مشتركة. والأكثر من ذلك؛ فإن من شروط هذه الشراكة وضع الأمور المختلَف فيها في الدرجة الثانية،


وكانت بين هاتين القبيلتين حروب مستمرة فأراد "بنو بكر" أن ينالوا من "خزاعة" ثأرا قديما لهم فأغاروا عليهم ليلا وقتلوا منهم جماعة، وأعانت قريش في الخفاء "بني بكر" بالسلاح والرجال، خارقة بذلك بنود الصلح مع الرسول الأمين (ص)، فأرسلت "خزاعة" إليه تخبره بالأمر وأن قريشا غدرت بحلفائه، فأمر الرسول المسلمين بالاستعداد للخروج إلى مكة نصرة لحلفائهم خزاعة، وأوصى بكتم الأمر عن قريش حتى يباغتها جيش المسلمين.

ويتوهم البعض أن التحالف أو الشراكة في الإصلاح تفترض التطابق التام في المرجعيات، أو المنطلقات الفكرية والتوجهات السياسية. ومن السذاجة أن يتم استغراب وجود اختلافات وتباينات عند وجود تأسيس تحالفات سياسية بناء على برنامج متوافَق عليه، سواء كان الشركاء في المعارضة أو عند السعي لبناء أغلبية من أجل المشاركة في تدبير الشأن العام، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.

إن التحالف أو الشراكة الوطنية لا تعني أن تذوب الأطراف في كيان تنظيمي واحد، أو في مشروع سياسي واحد؛ بل الشراكة تعني الالتقاء على برنامج مرحلي متقاسَم والتعاهد على العمل المشترك من أجل إنجازه، بما قد يرتبط بذلك من توافقات وتنازلات مشتركة.

والأكثر من ذلك؛ فإن من شروط هذه الشراكة وضع الأمور المختلَف فيها في الدرجة الثانية، وهو ما يُعرف -في الأدبيات المعاصرة- باعتبار سلم الأولويات في التناقضات، وتصنيفها بين تناقضات ثانوية وتناقضات رئيسية؛ كما سنبين ذلك عند الحديث عن "قواعد الترجيح في النظرية الماركسية".

وهي القواعد التي سبق إليها الفكر السياسي الإسلامي، مثلما نجد ذلك عند العز بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" (الجزء الأول)، في كلامه عن التعاون على دفع المفاسد؛ فعندما سُئل عن جواز التعاون مع ظالم للتصدي لمن هو أظلم منه أجاب:

"نَعَمْ؛ [يجوز] دَفْعًا لِمَا بَيْنَ مَفْسَدَتَيْ الْفُسُوقَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ وَدَرْءًا لِلْأَفْسَدِ فَالْأَفْسَدِ، وَفِي هَذَا وَقْفَةٌ وَإِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّا نُعِينُ الظَّالِمَ عَلَى فَسَادِ الْأَمْوَالِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْأَبْضَاعِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ، وَكَذَلِكَ نُعِينُ الْآخَرَ عَلَى إفْسَادِ الْأَبْضَاعِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الدِّمَاءِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً بَلْ لِكَوْنِهَا وَسِيلَةً إلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ بِالْإِعَانَةِ مَصْلَحَةٌ تَرْبُو عَلَى مَصْلَحَةِ تَفْوِيتِ الْمَفْسَدَةِ، كَمَا تُبْذَلُ الْأَمْوَالُ فِي فِدَى الْأَسْرَى الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَالْفَجَرَةِ".

المصدر : الجزيرة