حسن أبو هنية

حسن أبو هنية

كاتب أردني خبير في الحركات الإسلامية

استبق تنظيم "الدولة الإسلامية" الإعلان الرسمي عن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في المنطقة -المعروفة بـ"صفقة القرن"- بإعلانه بدء "مرحلة جديدة" من الجهاد تضع تحرير فلسطين في صلب أولوياته المقبلة، وتستهدف مهاجمة المستعمرة الاستيطانية المدعوة "إسرائيل"، وكافة اليهود في أنحاء العالم.

ورغم ضعف القدرة العملياتية والتشغيلية العسكرية لتنظيم الدولة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفشله في تأسيس كيانات وشبكات وخلايا فاعلة هناك؛ فإن التحول الأيديولوجي والإستراتيجي في توجهات التنظيم من أولوية قتال "العدو القريب"، إلى دمج الأبعاد الجهادية والمباشرة بقتال "العدو البعيد"؛ يشير إلى بداية "مرحلة جديدة" ومرتكزات مختلفة في رؤية القيادة الجديدة لتنظيم الدولة بعد مقتل زعيمه أبو بكر البغدادي.  

على مدى سنوات؛ كشف تنظيم "الدولة الإسلامية" عن مرونة كبيرة بالتكيّف مع المتغيرات، وعن قدرة لافتة في مجال الدعاية والحشد والتعبئة والاستقطاب والتجنيد، وسرعة التعامل مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة؛ إذ يرتكز خطاب التنظيم الإعلامي على قضايا "ما قبل الدعاية"، حسب مصطلح الفيلسوف والمنظر الفرنسي جاك إيلول.

فتنظيم الدولة يعزز الأفكار والمفاهيم الشائعة أصلا ولا يخلقها، بل يتبناها ويوجهها؛ فقد ركز على مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق و"الإمبريالية" العالمية في مرحلة مبكرة، ثم على مواجهة النفوذ الإيراني "الشيعي" والطائفية الإقليمية، وبعدها على مناهضة "الدكتاتورية" المحلية واستعادة "الخلافة" السنيّة.

في زمن "صفقة القرن" -التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية- أعلن تنظيم "الدولة الإسلامية" (يوم 27 يناير/كانون الثاني 2020) بدء "مرحلة جديدة" تستهدف المستعمرة الإسرائيلية، وذلك في تسجيل صوتي صدر عن مؤسسته الإعلامية "الفرقان" بعنوان: "دَمَّرَ اللهُ عليهم وللكافرين أمثالُها"، ودعا فيه المتحدث باسم التنظيم أبو حمزة القرشي إلى إفشال "الصفقة".

على مدى سنوات؛ كشف تنظيم "الدولة الإسلامية" عن مرونة كبيرة بالتكيّف مع المتغيرات، وعن قدرة لافتة في مجال الدعاية والحشد والتعبئة والاستقطاب والتجنيد، وسرعة التعامل مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة؛ إذ يرتكز خطاب التنظيم الإعلامي على قضايا "ما قبل الدعاية"، حسب مصطلح الفيلسوف والمنظر الفرنسي جاك إيلول. فتنظيم الدولة يعزز الأفكار والمفاهيم الشائعة أصلا ولا يخلقها، بل يتبناها ويوجهها


وقال القرشي: إن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية الجديد أبو إبراهيم الهاشمي القرشي "عزم على نفسه وإخوانه المجاهدين... على مرحلة جديدة، ألا وهي قتال اليهود واسترداد ما سلبوه من المسلمين"، وأضاف أنه "ما زالت عيون أجناد الخلافة في كل مكان على بيت المقدس"، متعهداً بتنفيذ هجمات كبيرة "في قادم الأيام".

ودعا "المسلمين في فلسطين وكافة البلدان (إلى أن يكونوا) رأس حربة في قتال اليهود وإفشال مخططاتهم كصفقة قرنهم"، واتهم حركة حماس بـ"الردة والعمالة"، وطلب من "أجناد الخلافة في كل مكان ونخص فيهم أبناء سيناء والشام المباركة" إلى استهداف المستوطنات. وقال "اجعلوها أرضاً لتجربة أسلحتكم وصواريخكم الكيماوية".

لم يكن توقيت إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" بدء مرحلة جديدة عنوانها القضية الفلسطينية عشوائيا؛ فقد عمد إلى بث رسالته قبل موعد الإعلان الرسمي الأميركي عن "صفقة القرن" بأربع وعشرين ساعة، وهي صفقة باتت بنودها معروفة منذ قدوم الرئيس ترامب، ولم يأت الإعلان عن بنودها في 28 يناير/كانون الثاني 2020 بأي جديد.

فهي خطة تستند إلى إعادة بناء الشرق الأوسط عبر مدخل "الإرهاب"، وتقوم على تصفية القضية الفلسطينية، وإدماج المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية في نسيج المنطقة العربية الإسلامية، من خلال تأسيس تحالف أميركي عربي إسرائيلي (ناتو عربي) تحت ذريعة مواجهة خطر مشترك اختزل في المنظمات الإسلامية "الإرهابية" والجمهورية "الإيرانية".

وقد انطلقت مسارات تنفيذ الخطة الأميركية الإسرائيلية مبكرا، من خلال التخلي عن قضايا الوضع النهائي (القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين والمياه) مسبقًا ومن دون مفاوضات، وتمكين حكومة نتنياهو من ضم أجزاء من الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، وقد حضر بعض الدول العربية المنخرطة في "صفقة القرن" حفل الإعلان عن الخطة، وهي: الإمارات والبحرين وسلطنة عُمان، حيث أعرب ترامب عن شكره لها على دعمها للخطة، واكتفت مصر والسعودية بتثمين الدور الأميركي.

إن المرحلة الجديدة التي أعلنها تنظيم "الدولة الإسلامية" -بالتركيز على القضية الفلسطينية- تشير إلى أن القيادة الجديدة -التي عُيّنت بعد مقتل زعيمه أبو بكر البغدادي والمتحدث الرسمي أبو الحسن المهاجر في 26 أكتوبر/تشرين أول 2019- تتمتع برؤية أكثر شمولية على صعيد الأهداف، في إطار من البراغماتية والمرونة الأشد راديكالية وخطورة.

فالقيادة الجديدة -التي كشف عنها التنظيم في 31 أكتوبر/تشرين أول 2019 عبر رسالة صوتية بثها جناحه الإعلامي "مؤسسة الفرقان" للمتحدث الجديد باسمه أبو حمزة القرشي تعلن تعيين أبو إبراهيم الهاشمي القرشي "أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين"- تؤكد أن تنظيم الدولة استكمل عملية إعادة الهيكلة التنظيمية بعد أن خسر كافة مناطق سيطرته المكانية، وعاد للعمل كمنظمة سرية تمتاز بمرونة شديدة بالتحول من نهج المركزية إلى حالة اللامركزية.

فقد أعاد بناء هيكليته العسكرية والأمنية والإدارية والمالية والشرعية والإعلامية، وشرع في إقرار الخطط العسكرية وفق مقتضيات "حرب استنزاف" وتكتيكات "حرب العصابات"، ليس في العراق وسوريا فقط بل وفي بلدان عديدة أنشأ فيها فروعا عاملة كولايات في كل من: ليبيا ومصر واليمن والسعودية والجزائر وخراسان (منطقة أفغانستان وباكستان) و"القوقاز" و"شرق آسيا"، وينشط غالبا في الفلبين والصومال، و"غرب أفريقيا" وينشط غالبا في نيجيريا.

يعتبر إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" بدء "مرحلة جديدة" بمباشرة القتال لتحرير فلسطين واستهداف "إسرائيل" تحولا كبيرا في تكتيكات وإستراتيجيات التنظيم، التي كانت تقوم على أولوية قتال "العدو القريب" بهدف السيطرة المكانية وتأسيس دولة "الخلافة"، كخطوة تأسيسية قبل الدخول في مواجهة "العدو البعيد" المحتل لفلسطين


يتماهى خطاب تنظيم "الدولة الإسلامية" –المعلن لبدء "مرحلة جديدة" عنوانها "فلسطين"- مع تنامي المعتقدات والمشاعر في العالمين العربي والإسلامي بوجود "مؤامرة" أميركية/صهيونية، تشارك فيها أطراف عربية لتصفية القضية الفلسطينية، ويسعى تنظيم الدولة -بإعلانه عزمه إفشالَ الصفقة- إلى إعادة تقديم نفسه مرة أخرى للجماهير الغاضبة في المنطقة.

كما يسعى بذلك -في ذات الوقت- إلى مخاطبة خصومه في الجهادية العالمية وخصوصا "تنظيم القاعدة"، الذي تشكِّل فلسطين إحدى أهم أولوياته على الصعيد الخطابي منذ بدايات نشأته الأولى في أفغانستان، وبعد إعلانه تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" في فبراير/شباط 1998، ثم في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 عندما أطلق أسامة بن لادن -في قَسَمه الشهير- أنه "لن تنعم أميركا ولا من يعيش في أميركا بالأمن حتى نعيشه واقعا في فلسطين"، وقد تشكل القضية الفلسطينية مدخلا لإنهاء الخلافات بين تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة، وتفتح المجال لعودتهما للتعاون وصولا إلى الاندماج مرة أخرى.

يعتبر إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" بدء "مرحلة جديدة" بمباشرة القتال لتحرير فلسطين واستهداف "إسرائيل" تحولا كبيرا في تكتيكات وإستراتيجيات التنظيم، التي كانت تقوم على أولوية قتال "العدو القريب" بهدف السيطرة المكانية وتأسيس دولة "الخلافة"، كخطوة تأسيسية قبل الدخول في مواجهة "العدو البعيد" المحتل لفلسطين.

وتشير عبارة أبو مصعب الزرقاوي المعروفة -عقب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003-  في خطابه المرئي الأول "هذا بلاغ للناس"، والتي قال فيها: "نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس"، واستشهد بها المتحدث الجديد أبو حمزة القرشي؛ إلى تحوّل في ترتيب الأولويات؛ إذ لم تعد المراحل متعاقبة بل صارت متتابعة ومتزامنة، في حالة من اندماج الأبعاد الجهادية كافة: المحلية والإقليمية والدولية، والنكاية والتمكين والتضامن، حيث تصبح الحرب مفتوحة في الزمان والمكان حسب القدرة والإمكان.

لا جدال في أن المرحلة الجديدة التي أعلنها تنظيم الدولة تشكل تحولا كبيرا على صعيد التفكير الإيديولوجي والإستراتيجي، وقد نرى آثارها المادية على المدى المتوسط والبعيد؛ لكنها على الصعيد العملياتي لا تتمتع بقدرات تشغيلية كافية على المدى القريب، فالتنظيم يتوافر على قدرات متواضعة نسبيا في سيناء وسوريا، وهما المنطقتان اللتان تتوافران على حدود مع "إسرائيل"، والتي أشار إليهما المتحدث باسمه.

فـ"ولاية سيناء" -التي تتبع تنظيم الدولة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2014، والتي كانت تحمل اسم جماعة "أنصار بيت المقدس" منذ ظهورها في فبراير/شباط 2011- مرشحة لتنفيذ هجمات صاروخية، وهو ما كانت تقوم به بين حين وآخر، لكن قدراتها الحالية ضعفت كثيرا. وفي سوريا يتركز وجود تنظيم الدولة على الشمال الشرقي وفي منطقة البادية، وهي بعيدة عن الحدود مع "إسرائيل"، وقد يتمكن من التسلل وإطلاق بعض الصواريخ المحدودة الأثر.

أما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فلم يتمكن تنظيم الدولة من تأسيس هياكل تنظيمية واضحة، رغم وجود مجموعات أعلنت ولاءها للتنظيم خصوصا في غزة، لكنها دخلت في صدام مع حركة حماس التي تُحكم سيطرتها على القطاع، وهي تطلق بعض الصواريخ على فترات متباعدة.

إن إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" بدء "مرحلة جديدة" عنوانها تحرير فلسطين، واستهداف المستعمرة الاستيطانية المسماة "إسرائيل"، يشكل تحولا كبيرا في أيديولوجية التنظيم وإستراتيجيته، لكن أثره العملياتي الميداني على المدى القريب محدود؛ إذ لا يمتلك التنظيم هياكل تنظيمية قوية في المجال الجغرافي الفلسطيني، ولا يتوافر على قدرة تشغيلية كبيرة لتنفيذ هجمات منسقة، وإن كنا قد نشهد عمليات من "ذئاب منفردة" وخلايا فردية


وكانت هذه المجموعات أعلنت تأسيس "مجلس شورى المجاهدين" في 18 يونيو/حزيران 2012، وهو عبارة عن ائتلافٍ أهمُّ مكوناته: "جيش الإسلام" و"جيش الأمة" و"جماعة التوحيد والجهاد" و"جند أنصار الله"، إضافة لوجود منظمتين قريبتين من الجهادية العالمية، وهما: "لواء التوحيد" التابع لألوية الناصر صلاح الدين، وكتائب عبد الله عزام، ولذلك فإن إمكاناتها وقدراتها محدودة.

وفي الضفة الغربية نجحت السلطة الفلسطينية نسبيا في تفكيك البنية التحتية العسكرية لحركة "حماس"، وفشلت الجهادية العالمية في إنشاء هياكل تنظيمية واضحة، رغم ظهور بعض الخلايا الفردية التي أعلنت قربها من "تنظيم الدولة"، وفي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة 48 ثمة عدة قضايا في المحاكم "الإسرائيلية" بتهمة الانتماء ومحاولة الالتحاق بـ"تنظيم الدولة"، لكن دون وجود مجاميع واضحة.

وخلاصة القول هي أن إعلان تنظيم "الدولة الإسلامية" بدء "مرحلة جديدة" عنوانها تحرير فلسطين، واستهداف المستعمرة الاستيطانية المسماة "إسرائيل"، يشكل تحولا كبيرا في أيديولوجية التنظيم وإستراتيجيته، لكن أثره العملياتي الميداني على المدى القريب محدود؛ إذ لا يمتلك التنظيم هياكل تنظيمية قوية في المجال الجغرافي الفلسطيني، ولا يتوافر على قدرة تشغيلية كبيرة لتنفيذ هجمات منسقة، وإن كنا قد نشهد عمليات من "ذئاب منفردة" وخلايا فردية.

لكن آثار الإعلان على المدى المتوسط والبعيد قد تكون عميقة، فهي تمهد لإعادة توحيد الجهادية العالمية التي شهدت انقسامات حول الأولويات خلال السنوات الماضية. وفي ظل أطروحات "صفقة القرن" الأميركية/الإسرائيلية التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية بتواطؤ ومشاركة دول عربية وإسلامية؛ فإن تنظيم "الدولة الإسلامية" يعيد تأسيس جاذبيته، ويجدد أسسه في التجنيد والاستقطاب.

المصدر : الجزيرة