خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

يمثّل قرار مجلس شورى "حركة النهضة" التونسية ترشيح عبد الفتاح مورو نائب رئيس الحركة ونائب رئيس البرلمان لخوض الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها منتصف سبتمبر/أيلول المقبل؛ نقلةً نوعية في الأداء السياسي للحركة سيكون لها ما بعدها، سواء وصل مورو للرئاسة أم لم يصل. ولعل اللافت في هذا القرار أنه حظي بإجماع أعضاء مجلس الشورى الذين حضروا الاجتماع وعددهم 98 من أصل 150 عضوا بالمجلس.

ورغم اختلاف بعض قيادات النهضة مع قرار خوض الانتخابات الرئاسية بمرشح من الحركة؛ فإن ثمة قبولا بالقرار واحتراما له عملاً بمبدأ المؤسسية. وذلك على نحو ما أشار إليه رفيق عبد السلام عضو المجلس التنفيذي للحركة، الذي وإن رأى في الترشح للرئاسة مخاطرة ستكون لها تبعاتها الداخلية والخارجية، فإنه يؤمن بأن حركة النهضة "حركة مؤسسات ولديها تقاليد في العمل المؤسسي، ولديها طبقة قيادية لا تستند إلى زعيم أو شيخ ومريدين"؛ حسب قوله.

ومنذ الإعلان عن ترشيح مورو لخوض الانتخابات الرئاسية تفاوتت ردود الأفعال بين الترحيب الحذر والخوف والاستنكار. وهي مشاعر متضاربة تعكس حالة الضبابية وعدم اليقين التي تمرّ بها التجربة التونسية، وهي إحدى سمات تجارب الانتقال الديمقراطي بوجه عام. فكما يقول فيليب شميتر –وهو أحد أهم منظّري الانتقال الديمقراطي في العالم- فإن "الانتقال الديمقراطي هو عملية ذات نتائج غير مضمونة".

منذ الإعلان عن ترشيح مورو لخوض الانتخابات الرئاسية تفاوتت ردود الأفعال بين الترحيب الحذر والخوف والاستنكار. وهي مشاعر متضاربة تعكس حالة الضبابية وعدم اليقين التي تمرّ بها التجربة التونسية، وهي إحدى سمات تجارب الانتقال الديمقراطي بوجه عام. فكما يقول فيليب شميتر –وهو أحد أهم منظّري الانتقال الديمقراطي في العالم- فإن "الانتقال الديمقراطي هو عملية ذات نتائج غير مضمونة"


وفي الوقت الذي اعتبر فيه البعض أن حركة النهضة تجاوزت "الخط الأحمر" الذي وضعته لنفسها بعدم المنافسة على السلطة، وذلك من خلال ترشيح أحد قياديها للرئاسة؛ فإن البعض الآخر اعتبر الأمر فرصة للحكم على الإسلاميين ومدى نجاعتهم في إدارة شؤن الحكم، وذلك من أجل الحكم عليهم بشكل واقعي وليس أيديولوجي. في حين ذهب البعض الثالث إلى الرهان على فشل مورو ومن خلفه النهضة والإسلاميين في اختبار الحكم، وذلك حتى قبل أن يبدأ السباق الانتخابي.

وأيا ما كانت المواقف وردود الأفعال؛ فإنها كلها تصب في عنوان واحد هو: القلق على التجربة التونسية من السقوط في فخ الاستقطابات والانقسامات السياسية والأيديولوجية، التي أصابت بقية التجارب العربية في مقتل وأودت بتجربتها الانتقالية. وهو خوف له ما يبرره في ظل انتكاسات الربيع العربي التي حدثت خلال السنوات الماضية، وقلّلت الآمال بإمكانية تجاوزها والمضي نحو ترسيخ الديمقراطية في تونس.

في نفس الوقت انقسم الإسلاميون العرب ما بين فصيل رحّب بقرار حركة النهضة، واعتبره خطوة جديدة تدفع باتجاه تطبيع علاقة الإسلاميين بالسياسة وبمسألة السلطة تحديداً، ويمثل خروجاً من دائرة الخوف والتردد التاريخي من المنافسة على السلطة. وآخر يرى في الأمر مجازفة قد تودي ليس فقط بالإسلاميين في تونس، وإنما بالتجربة الديمقراطية الوليدة برّمتها.

ويقبع في خلفية مخاوف هذا الفصيل ما يمكن أن تؤدي إليه تجربة النهضة -خاصة إذا ما فاز مرشحها- من تداعيات داخلية وخارجية، خاصة في ظل الحرب الضروس التي تقودها بلدان الثورة المضادة (مصر والإمارات والسعودية) على الإسلام السياسي شرقاً وغرباً.

وهو انقسام له ما يبرره في ظل التجارب السلبية للإسلاميين فيما يخص مسألة السلطة، والخوف من الإقدام على اختبارها حتى لا تتأثر الحركة بتداعياتها. فالأمثلة القادمة من السودان والجزائر ومصر وفلسطين والمغرب وتركيا لا تبشّر بخير، ولا تشجّع على خوض الإسلاميين لمعركة السلطة التي قد تفوق تكلفتها مكاسبها.

ولكن إذا كان للإسلاميين أن يقلقوا من إقدام حركة النهضة على خطوة ترشيح أحد قيادييها للرئاسة في تونس، خاصة وأن شبح التجربة المصرية لا يزال حاضراً، حيث انقلبت الدولة العميقة والنخب "المدنية" على وصول "الإخوان المسلمين" للسلطة، وقامت بقمعهم وسحقهم بشكل لم يحدث منذ مصر الناصرية؛ فإن هذه الخطوة تمثل تحدياً واختباراً جدياً للقوى والنخب الديمقراطية (أو التي تدّعي أنها كذلك) سواء في تونس أو خارجها، ولمدى استعدادها لتحمّل أعباء هذه الخطوة، والعمل على إنجاحها، سواء فاز مورو أم خسر!

ترشح مورو للانتخابات الرئاسية في تونس يمثل نقطة فاصلة وكاشفة لمدى التزام النخب التونسية بقواعد اللعبة الديمقراطية والاحتكام إليها، وذلك دون الانجرار إلى سيناريو الشيطنة والتعويق والإفشال. وهو تحدٍّ سوف يكشف مدى صلابة التجربة الديمقراطية في تونس، وانتقالها إلى مرحلة الرسوخ الديمقراطي التي تصبح فيها الديمقراطية هي "اللعبة الوحيدة في المدينة"؛ كما يقول شميتر


وأعني بذلك استعداد النخب والأحزاب العلمانية للقبول أولاً بترشح رئيس من خلفية إسلامية، وعدم الوقوع في فخ التخويف والتشويه والإقصاء له، وثانياً التعاطي معه بإيجابية في حال فاز بالانتخابات ووصل للسلطة، وعدم الانقلاب عليه كما حدث في مصر.

وبكلمات أخرى؛ فإن ترشح مورو للانتخابات الرئاسية في تونس يمثل نقطة فاصلة وكاشفة لمدى التزام النخب التونسية بقواعد اللعبة الديمقراطية والاحتكام إليها، وذلك دون الانجرار إلى سيناريو الشيطنة والتعويق والإفشال. وهو تحدٍّ سوف يكشف مدى صلابة التجربة الديمقراطية في تونس، وانتقالها إلى مرحلة الرسوخ الديمقراطي التي تصبح فيها الديمقراطية هي "اللعبة الوحيدة في المدينة"؛ كما يقول شميتر.

ولذا فإن السؤال المهم الآن لا يدور حول إمكانية نجاح مورو أو فشله في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكن حول استعداد واستطاعة النخب غير الإسلامية في تونس التغلب على "رُهاب" الإسلاميين، الذي ظل ملازماً لها أثناء فترة حكم زين العابدين بن علي وظهرت بعض تمثُّلاته بعد الثورة التونسية، ومدى قبولها بمرشح -وربما رئيس- من خلفية إسلامية.

فهل ستحترم هذه النخبُ خيارَ الشعب التونسي وتنحاز لشرعية الصندوق وما يفرزه، أم سيغلب عليها خوفها ورُهابها فتضحّي بنتيجة الصندوق وبالتجربة الديمقراطية، وتكتب نهايتها بيديها؛ كما فعل أقرانها في مصر؟

المصدر : الجزيرة