دينيز باران

دينيز باران

محام وباحث ومدرس مساعد للقانون الدولي في جامعة إسطنبول

شكّل قيام الشرطة التركية بزيادة عدد دورياتها وغاراتها في الأحياء التي يعيش فيها السوريون واحتجازها نحو ستة آلاف لاجئ في إسطنبول الأسبوع الماضي أحد أهم القضايا التي تناولتها وسائل الإعلام الدولية.
 
ويعود السبب الرئيسي وراء هذه الخطوة إلى كون تصاريح إقامة السوريين المحتجزين -والتي مُنحت لهم لأنهم يتمتعون بالحماية المؤقتة- كانت مسجلة في مدن أخرى، وبالتالي لم يكن لهم من الناحية القانونية الحق في الإقامة بإسطنبول.
 
وقد نشرت لقطات على وسائل التواصل تُظهر بعض السوريين مقيدين بأصفاد بلاستيكية حيث يجري نقلهم إلى مراكز ترحيل. وأكد وزير الداخلية سليمان صويلو هذه الأحداث من على شاشة التلفزيون بقوله إنه "عندما نلقي القبض على سوريين غير مسجلين فإننا نرسلهم إلى مخيمات اللاجئين".
 
وبالإضافة إلى هذا، فيُزعم أنه جرى ترحيل نحو ألف سوري -ممن عبروا الحدود بشكل غير قانوني إلى البلاد أو أنهم كانوا متهمين بارتكاب جرائم- إلى محافظة إدلب السورية منذ الأسبوع الماضي.
 
ورغم أنه من الصعب للغاية التحقق من كل هذه الادعاءات، فإنني كمحام، شاهدت بعض حالات من الترحيل.
 
ففي 18 من الشهر الجاري صرحت مديرية إدارة الهجرة بوزارة الداخلية في بيان أنه من غير القانوني للاجئين الذين يحملون تصاريح حماية مؤقتة البقاء في مقاطعات غير تلك التي تم تسجيلهم فيها.

وبالإضافة إلى ذلك، ففي 22 من الشهر الجاري أصدرت محافظة إسطنبول بيانا يأمر السوريين الذين تم تسجيلهم في مدن أخرى بمغادرة المدينة والعودة إلى تلك المدن بحلول 20 أغسطس/آب 2019.

وبعد أن مضت أيام قليلة على هذه الحملات التعسفية والإجراءات غير المتوقعة، فإن هذه البيانات كشفت عن بعض الوضوح إزاء هذه السياسة الحالية التي تبنتها السلطات، وإزاء الخطوات التالية التي تستعد لاتخاذها.

تحول كبير بالسياسة تجاه السوريين
إن الغرض من مقال الرأي هذا ليس إجراء تحليل سياسي أو نقد سياسات الحكومة، ولكن الهدف هو تسليط الضوء على البعد القانوني للتدابير المستمرة التي يتم اتخاذها بحق السوريين.

وبالتالي، فإن المقال يهدف أيضا إلى تقديم بعض النصائح القانونية للسوريين في تركيا الذين يشعرون الآن بالضغط، والتذكير بمسؤوليات الحكومة في سياق القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

قد يكون صحيحا أن هزيمة الحزب الحاكم بالانتخابات المحلية الأخيرة وخاصة خسارته إسطنبول، قد تم تفسيرها على أنها تعتبر نتيجة مباشرة لتزايد القلق بين السكان إزاء سياسات الحكومة المفتوحة تجاه اللاجئين السوريين

ومع ذلك، فبالإضافة إلى ملاحظاتي حول الجوانب القانونية، فسيكون من الأدق تقديم بعض المعلومات الأساسية:
 
- أولاً وقبل كل شيء، ففي مواجهة بعض الحجج الخاطئة، فإنه من المهم الإشارة إلى أن الحكومة نفسها هي التي تقرر وتتخذ التدابير الحالية، وليس البلديات المحلية. وبرغم ذلك، فإنه صحيح أيضا أن بعض رؤساء هذه البلديات لم يترددوا في تبني بعض الخطابات المناهضة للاجئين بعد الانتخابات مباشرة (كما هو الحال مع رئيس بلدية إسطنبول الجديد) أو أنهم اتخذوا بعض التدابير القسرية الفورية ضد المتاجر التي يملكها السوريون (كما فعل رئيس بلدية أنقرة الجديد).

- من ناحية أخرى، فقد يكون صحيحا أن هزيمة الحزب الحاكم في الانتخابات المحلية الأخيرة -وخاصة خسارته لإسطنبول، أكبر مدينة- قد تم تفسيرها على أنها تعتبر نتيجة مباشرة لتزايد القلق بين السكان إزاء سياسات الحكومة المفتوحة تجاه اللاجئين السوريين.

ولذلك، فإن الحكومة ترى أنه يعد من الضروري ومما لا مفر منه القيام ببعض التحولات الرئيسية في هذه السياسات. وفي الواقع، فإن هذه المقاربة تتمتع ببعض المزايا، فبينما تظهر بعض الدراسات الاستقصائية العامة التي أجرتها مؤسسات أكاديمية وبحثية مختلفة مستوى عاليا للغاية من المعارضة (تتراوح بين 70-87%) تجاه سياسات الهجرة الحكومية، تظهر نفس الاستطلاعات أن الجمهور التركي يعتبر اللاجئين السوريين ثاني أهم مشكلة في البلاد.

- وعلى وجه الخصوص، ففي مواجهة الأزمة الاقتصادية المتزايدة في تركيا، فإن الانتقادات ضد سياسات الهجرة المرنة للغاية قد وصلت ذروتها، آخذين بعين الاعتبار حقيقة أن تركيا قد استضافت أكبر عدد من اللاجئين، وذلك على الرغم من ظروفها الاقتصادية غير الكافية، وأنها تقوم بذلك دون اتخاذها إستراتيجيات جيدة الإعداد، وذلك في ظل الطبيعة الملحة للأزمة السورية، وإنه يجب النظر إلى هذا الاتجاه السلبي المتزايد ضد السوريين باعتباره الاتجاه الطبيعي من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية.

هذا كله يعني أنه لا يوجد أي فائدة في الحفاظ على التفاؤل والتفكير بالتمني إزاء الوضع في تركيا. وبشكل عام، فإن موقف الجمهور التركي يعد رد فعل مفهوم يمكن مشاهدته في أي جزء من العالم في ظل نفس الظروف. وبالتالي، فإنه يعد من المعقول أيضا أن تحاول الحكومة معالجة مخاوف المجتمع. وفي الواقع، فبالنسبة للكثيرين، فإن الحكومة تأخرت كثيرا في هذا السياق.

ولذلك، فإنه لا ينبغي انتقاد جميع التدابير التي تتخذها الحكومة إزاء "القضية السورية" بل إنه لا يمكن إدارة عواقب "سياسة الحدود المفتوحة" جيدا، وذلك بسبب عدم وجود سياسة أو إستراتيجية للهجرة متماسكة ومخطط لها بشكل جيد.

كما يمكن أن يكون لدى تركيا العذر في هذا السياق، وذلك لأنها واجهت فجأة موجات كبيرة من اللاجئين يصعب على أي حكومة التعامل معها. وإنه على أي حال، فإن السيطرة الآن في يد الحكومة. وإن خطأ كهذا يجب ألا يتكرر، وعلى الحكومة اعتماد إستراتيجيات بشأن الترحيل أو الإعادة تكون متماسكة ومعقولة وجيدة التخطيط، من أجل الحد من معاناة السوريين والحفاظ على حقوقهم الأساسية.

وعليه، يجب أن تستند الحجج الصحيحة -والطلبات الواقعية- على توقع أن تطبق السلطات سياساتها الجديدة بطريقة أفضل بكثير، بحيث لا تعرض حياة الناس للخطر وتُعمّق أحزانهم.

يمكن أن يكون لدى تركيا العذر لأنها واجهت فجأة موجات كبيرة من اللاجئين يصعب على أي حكومة التعامل معها. وعلى أي حال فإن السيطرة الآن في يد الحكومة، وإن خطأ كهذا يجب ألا يتكرر، ويجب اعتماد إستراتيجيات متماسكة ومعقولة بشأن الترحيل أو الإعادة

وإنه يجب اتخاذ الإجراءات مع احترام الحقوق الأساسية للاجئين السوريين، ولا ينبغي للحكومة أن تنجر إلى الشعوبية المطلقة، وأن تبتعد عن التعسف في تطبيق القانون. ويمكن لمعظم السوريين التنقل بحرية في البلاد وتسوية حياتهم، بفضل السياسات المتسامحة للحكومة حتى الآن، وليس عن طريق تحدي السلطات. لذلك، فإنه لا يبدو من العدل إنشاء العديد من نقاط التفتيش الأمنية فجأة وإطلاق حملة "مطاردة السوريين" ولن تكون سياسات التجريم مفيدة في حل المشاكل الحالية.

جوانب قانونية.. نصائح
يوجد حاليا أكثر من نصف مليون لاجئ سوري مسجل في إسطنبول يتمتعون بوضع الحماية المؤقتة. ومن الناحية النظرية، فإنه لا بد من وجود سياسة دائمة لتوزيع العبء على المدن المختلفة بدلا من تحميل العبء لمدينة واحدة.

ومع ذلك، فلا ينبغي أن ننسى أن الحمل الزائد الحالي على إسطنبول نتيجة للسياسات غير الخاضعة للرقابة من جانب السلطات لسنوات خلت.

ولذا، فإن محاولة تغيير الوضع المتراكم على مدار سنوات فقط في غضون شهور، واستعجال هذا الكم الهائل من الناس لمغادرة إسطنبول فجأة لن يكون سياسة معقولة وواقعية.

وعلى سبيل المثال، فإن منح وقت قصير للغاية لطلب الحصول على تصاريح عمل للسوريين الذين يتم توظيفهم بشكل غير رسمي لسنوات يعني توقعا مستحيلا تقريبا، لأن هذه الطلبات تعود إلى الموظفين الذين عادة ما يظهرون عجزا كبيرا - إن لم يكن عدم رغبة – في استكمال الإجراءات في الوقت المحدد.

ومثال آخر مشابه يتمثل بضرورة مغادرة السوريين غير المسجلين حتى 20 أغسطس/آب يعد أمرا غير معقول، بالنظر إلى حقيقة أن هؤلاء الأشخاص قد استقروا بحياتهم في إسطنبول، وأنه من الصعب جدا عليهم جميعا إعادة ترتيب كل شيء في مدينة أخرى.

وأيضا، وحتى عندما يتعلق الأمر بالسوريين الذين يمكنهم دخول البلاد بطريقة غير شرعية، فإنه يجب ألا تقوم تركيا بترحيلهم إلى بلادهم الأصلية ما لم تكن متأكدة من أمنهم وسلامة حياتهم وأن تكون حقوق الإنسان الأساسية ليست مهددة.

ووفقا لقواعد القانون الدولي -وعلى وجه الخصوص وفقا لقوانين حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي- فإن تركيا مجبرة على الالتزام بالاهتمام بهذه القضية.

ويقول بعض النشطاء على وسائل التواصل إن السلطات تجبر اللاجئين على توقيع "أوراق ترحيل طوعية" لتجنب أي تداعيات قانونية دولية لعدم الوفاء بهذا الالتزام.

وإذا وضعنا جانبا حقيقة أن هذا الإجراء الذي تقوم به الحكومة غير مناسب، فإنه إذا ثبت أن أوراق الترحيل قد تم توقيعها بالقوة، فإن هذه الأوراق يمكن أن تكون باطلة في أي قضية قانونية في المستقبل.

إذا كان هناك سوريون أو أجانب يعتقدون أنهم يعامَلون أو يعاقبون من جانب السلطات بما لا يتفق مع وضعهم القانوني وحقوقهم، فإنه لا ينبغي لهم أن يترددوا في طلب الدعم القانوني من محام
"

والآن، حان الوقت لنختتم قصتنا ببعض التوصيات للسوريين:

- جميع السلطات ووحدات إنفاذ القانون ممنوعون تماما من أي شكل من أشكال التعذيب أو سوء المعاملة. إذا تم تنفيذ أي إجراءات على هذا النحو في مراكز الاحتجاز أو الترحيل وما إلى ذلك، بغض النظر عن الوضع القانوني للاجئ الذي يتعرض لسوء المعاملة، فسيكون ذلك انتهاكا خطيرا للقانون. ويجب أو يمكن إبلاغ المحامين بهذه الحوادث.

- من الواضح أن الحملة الحالية تستهدف هؤلاء السوريين وغيرهم من اللاجئين الذين يعيشون في إسطنبول دون تصريح للبقاء في المدينة. ومع ذلك، فمن الناحية النظرية، تنطبق نفس القواعد على جميع المدن، ويجب أن يكون السوريون الذين يعيشون في مدن أخرى دون تسجيلهم حذرين وأن يعدوا أنفسهم في حالة بدء نفس الحملة.

ومن الناحية القانونية، فللسلطات الحق في اتخاذ إجراءات وليس هناك أساس قانوني لمقاومة مثل هذه القرارات.

- يتعين على أولئك الذين ما زالوا يعملون بدون تصريح عمل الضغط على أرباب عملهم حتى يتمكنوا من إنهاء الإجراءات في أقرب وقت ممكن، إذا كانوا قادرين على القيام بذلك، وإذا ثبت أن هناك من يتم توظيفهم دون تصريح عمل، فإن ذلك سيتسبب أيضا بعواقب قانونية على صاحب العمل ومكان العمل.

- من الآن فصاعدا، يجب أن يكون جميع الأجانب حذرين جدا في حمل بطاقات الهوية معهم دائمًا.

- نشهد بعض التدابير التعسفية التي تتخذها بعض البلديات ضد أصحاب المتاجر السورية. وعلى الرغم من أن لافتات المحلات باللغة العربية قد سُمح بها في بعض الأحياء لسنوات، فإن موظفي البلديات قد يفاجئون هذه المتاجر بفرض غرامات أو طلب إزالة تلك اللافتات.

ولسوء الحظ، يتأثر اليقين القانوني في مثل هذه القضايا. ولذا، فيُنصح أصحاب المتاجر الأجانبَ بتجنب استخدام اللافتات بالعربية فقط في الوقت الحالي.

- وقبل كل شيء، إذا كان هناك سوريون أو أجانب يعتقدون أنهم يعامَلون أو يعاقبون من جانب السلطات بما لا يتفق مع وضعهم القانوني وحقوقهم، فإنه لا ينبغي لهم أن يترددوا في طلب الدعم القانوني من محام. وإنه من الممكن دائما رفع دعوى ضد السلطات بسبب تصرفاتها غير القانونية.

المصدر : الجزيرة