فرحان مجاهد شاك

فرحان مجاهد شاك

أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة قطر

المخيال الاجتماعي الهندوسي
تهور الإعلام الهندي

أدى النمو الاقتصادي السريع للهند، والطفرة التي يشهدها قطاعها التقني وسياسات الخصخصة الهائلة التي قادتها الحكومة، والاستثمار الأجنبي المباشر؛ إلى صورة خادعة ومضللة للازدهار وكأنها حالة شائعة في كل أرجاء البلاد. 

لطالما كان الازدهار الاقتصادي في الهند مبالغا فيه، رغم تجليه في مناطق محصورة من البلاد. على أن هذا الحال لا يُستدل عليه بوجود طبقة الأثرياء الجدد أو مُحْدَثِي النعمة، بل هو نتاج تدبير سياسي للثروة والسلطة لخدمة أهداف حزبية.

ويطعن الاقتصاديون أكثر فأكثر في النجاح الاقتصادي المزعوم للهند ويركزون في حجتهم على استشراء الفقر، وزيادة الهجرة من الريف إلى المدينة، وانهيار الأعراف والنواميس العائلية والاجتماعية القائمة.

وقد بيَّن مفكرون هنود شجعان -من أمثال بانكاج ميشرا وأرونداتي روي وغاوتام نافلاكا- وآخرون كُثُرٌ -بشكل مؤثر- الحاجةَ إلى الشفافية بغية الكف عن المباهاة الزائفة، ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المحدقة بالبلاد، وإبطال الأسطورة الهندية.

ويأسف ميهير شارما لما يصفه بـوجود "أزمة في المصداقية"، أو ثقافة تحجب معدلات البطالة الحقيقية وتتباهى بتحقيق نمو شامل زائف. ثم إن هناك ظاهرة أخرى ذات علاقة بما نقوله، تتجلى في حبك الأخبار الملفقة، والتضخيم واختلاق أسطورة واصطناع وهم اقتصادي. وبعبارة أخرى؛ هذه هي الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام.

يأسف ميهير شارما لما يصفه بـوجود "أزمة في المصداقية"، أو ثقافة تحجب معدلات البطالة الحقيقية وتتباهى بتحقيق نمو شامل زائف. ثم إن هناك ظاهرة أخرى ذات علاقة بما نقوله، تتجلى في حبك الأخبار الملفقة، والتضخيم واختلاق أسطورة واصطناع وهم اقتصادي. وبعبارة أخرى؛ هذه هي الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام


ففي أوقات التدهور الاقتصادي؛ يميل الزعماء الفاشيون إلى ركوب موجة الغلوّ القومي الديني الذي يستغل الآخر أداة لكسب سلطة أو تمدد نفوذ، وتبرير الفقر على حساب شرائح المجتمع المهمشة.

وإدراكا منهما لتلك الحقائق؛ قدمت باولا تومسون وروندا إيتاوي –تحت رعاية د. حاتم بازيان مدير مركز بيركلي للدراسات والتوثيق حول الإسلاموفوبيا بجامعة كاليفورنيا- مجموعة من الأدلة تسلط الضوء على تنامي ظاهرة الخوف من الإسلام في الهند.

وبحسب د. حاتم بازيان؛ فإنه ليست هنالك أدلة أو علاقة أكاديمية أو تقارير علمية موثوقة أو مثبتة توّثق لهذا المد المتنامي لظاهرة الإسلاموفوبيا في الحالة الهندية. و"غياب التوثيق هذا من شأنه تعقيد وإعاقة قدرة أولئك الذين ينافحون ويتصدون للإسلاموفوبيا". ويُعد تقرير بيركلي رائدا في أصالته وصرامته العلمية ودقته المنهجية.

ويوضح التقرير -على نحو مقنع- كيف أن "الفئات التي يستهدفها التطرف القومي الديني في الهند هم المسلمون والمسيحيون والسيخ والطبقات الدنيا من المجتمع الهندي...". وبوضوح أكثر؛ فقد أفضت أعمال العنف المدفوعة بنزعة الأصولية الهندوسية إلى انتهاكات جسيمة لحقوق المسلمين في الهند وكشمير.

المخيال الاجتماعي الهندوسي
بنظرة عن كثب؛ يربط تقرير بيركلي كل تلك الممارسات والسياسات التمييزية بالمخيال الاجتماعي الهندوسي، الذي يعمد إلى شيطن الأقلية المسلمة في الهند. ويستشهد تقرير بيركلي بالرواية الفاشية التي "تخلع على المسلمين صفة ’الغرباء‘ و’غزاة‘ الهند، بدلا من اعتبارهم منتمين إليها؛ رغم أن وجودهم فيها تزامن مع وجودها أو سبق تأسيس دولتها".

وتعمل العقيدة الهندوسية على تطهير الدولة من كل ما هو غير هندوسي وبصفة خاصة المسلمين، وذلك من أجل إقامة نظام الحكم الهندوسي الخالص (الهندو راشترا) أو الهند للهندوس وحدهم. ويجادل القوميون الهندوس بأن المسلمين أيام الإمبراطورية المغولية فتحوا الهند واستعبدوا شعبها، وأجبروا جزءاً كبيرا من سكانها على الدخول في الإسلام.

ومن ثم؛ فإن غلاة القوميين الهندوس يجدون في هذا الماضي مبررا لما يقومون به حاليا من عمليات قسرية لإجبار المسلمين على اعتناق الديانة الهندوسية. وبنفس الطريقة؛ تُستخدم هذه الرواية لهدم المواقع الدينية الإسلامية التي يُزعم أنها هندوسية تاريخيا.

وقد كان هذا هو الوضع في مدينة أيوديا التي ارتبط اسمها بمسجد بابري الشهير. ولعل هذا المخيال الزائف يُستغل أيضا في تبرير الوحشية والقهر المرتكَبيْن بحق الشعب الكشميري في تقرير مصيره، باعتباره "علة أخرى من علل المسلمين".

وبالطبع؛ لا شيء في هذا المخيال الهندوسي يتسم بالدقة التاريخية. فكل النصوص القديمة المكتوبة بلغات عديدة تبيّن أن كشمير رقعة منفصلة جغرافياً، ومصطلح "إنديا" لا يعدو أن يكون تحويرا بريطانيا لكلمة "هند" باللغة العربية. ثم إن لفظة "هنود" لم تشر قط إلى الهندوس إلا بعد الوجود الإسلامي في تلك البلاد.

المغول المسلمون هم من وحدوا على نحو فضفاض تلك الشعوب -رغم تباينها وفرادتها الثقافية- في اتحاد كونفدرالي من نوع ما. وإذا تحدثنا بشيء من المنطق؛ فليست هناك قواسم ثقافية مشتركة كثيرة تربط البلوشي أو البشتوني أو الكشميري أو السندي بالماراتي أو التاميلي أو الأديفاسي أو الدرافيدياني. فالمزاعم التي تدعي أن تاريخ الهند العظمى شوّهه المسلمون يتعين التصدي لها بحزم


وعلى أية حال؛ فإن المغول (المسلمين) هم من وحدوا على نحو فضفاض تلك الشعوب -رغم تباينها وفرادتها الثقافية- في اتحاد كونفدرالي من نوع ما. وإذا تحدثنا بشيء من المنطق؛ فليست هناك قواسم ثقافية مشتركة كثيرة تربط البلوشي أو البشتوني أو الكشميري أو السندي بالماراتي أو التاميلي أو الأديفاسي أو الدرافيدياني. فالمزاعم التي تدعي أن تاريخ الهند العظمى شوّهه المسلمون يتعين التصدي لها بحزم.

ويُلقي تقرير بيركلي الضوء على دور حزب بهاراتيا جاناتا القومي في استفحال التوترات الطائفية وتفاقم العنف ضد المسلمين والأقليات الأخرى. وللدقة؛ فإن الأعضاء البارزين في حزب بهاراتيا جاناتا كانوا ضالعين بصفاتهم الشخصية في "العنف الطائفي" وخطاب الكراهية. وفي حقيقة الأمر؛ فإن حزب بهاراتيا جاناتا لديه العدد الأكبر من المشرعين في البلاد الذين رُفعت ضدهم دعاوى تتهم بالتحريض على الكراهية.

فعلى سبيل المثال؛ يقول سوبرامانيان سوامي المشرعُ المنتمي إلى حزب بهاراتيا جاناتا: "إذا أراد المسلمون أن يُثبتوا أنهم مواطنون فعليهم أن يحلفوا اليمين أن أسلافهم كانوا هندوساً". والأنكى من ذلك ما أعلنه وزير التعاونيات جيريراج سينغ من أن "أعدادا متزايدة من سكان هذا البلد يشكلون تهديدا لنسيجها وتناغمها الاجتماعي وللنهوض بالوطن".

على أن التهديد الأكبر تضمنته التصريحات التي أدلى بها -بشكل يدعو للاشمئزاز- يوغي أديتيانات زعيم حزب بهاراتيا جاناتا، حول اغتصاب جثث النساء المسلمات الموتى. وتتسم تصريحات قادة بهاراتيا جاناتا في مجملها بالغرابة لأنها تشيطن الطائفة المسلمة المهمشة أصلا.

تهور الإعلام الهندي
لا يوجد مكان في العالم للتأثيرات البشعة للإعلام غير المنظم كما يوجد في الهند. فليس هناك كيان مسؤول ومحايد يراقب على مدار الساعة مئات القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الرئيسية المصابة بهوس الحروب.

ويؤكد تقرير بيركلي أن كبريات المؤسسات الإعلامية تتعمد "حشد الناخبين حسب انتماءاتهم الطائفية"، بالترويج لخطاب المتطرفين الهندوس الذي يحض على الكراهية إلى حد القتل.

ومنذ عام 2012 قُتل 12 مراسلا صحفيا. وفي 2017؛ لقي أربعة مراسلين مصرعهم، كما قُتل أربعة آخرون في 2018. وتقف تلك الحوادث شاهدا على ارتفاع مستوى العنف الموجه ضد الصحفيين، ممن لا يتبنّوْن الرواية الرسمية لحزب بهاراتيا جاناتا.

خذ مثلاً حادثة مقتل المراسلة الصحفية غاوري لانكيش بتلك الصورة البشعة في 2017، والتي كانت مدبرة قبل ذلك بعام. وكان قاتلها ببرشورام واغميري أحد المنتمين إلى منظمة هندوتوفا المتطرفة؛ حسب عدة مصادر هندية رسمية. 

ويشرح تقرير بيركلي بالتفصيل الكيفية التي أصبحت بها العقيدة القومية الهندوسية وأيديولوجية "راشتريا سوايام سيفاك سانغ" -المعروفة اختصارا باسم "آر أس أس" (أي جمعية المتطوع الوطني)- راسخة في "غرف الأخبار ومجالس إدارات المؤسسات الإعلامية الهندية".

وقد أوضح تقرير بيركلي ارتفاعا في الهجمات وجرائم القتل السنوية التي تستهدف البقر منذ تولي ناريندرا مودي رئاسة الحكومة في 2014. ويرتبط سَنّ التشريع الذي يمنع ذبح الأبقار ارتباطا مباشرا بالهجمات الفتاكة التي يشنها حراس البقر.

يعتبر تقرير بيركلي عن الإسلاموفوبيا في الهند لحظة فارقة لأنه يوثق بدقة شديدة استفحال التطرف والتعصب تحت حكم حزب بهاراتيا جاناتا. ويعرض التقرير في نهايته العديد من المقترحات المتعلقة بالسياسات. ويمكن تجزئة تلك الأفكار إلى ثلاثة عناصر: أولها؛ أنه من الضروري أن تولي سفارات الدول ومنظمات المجتمع المدني اهتماما بقضايا الحريات الدينية وحقوق الإنسان


ومن العبث بمكان أن ذلك يحدث رغم أن الهند تعد إحدى أكبر الدول المصدرة للأبقار في العالم. وإلى جانب ذلك؛ فإن هذه القوانين الظالمة تشجع الناس على أخذ القانون بأيديهم، ليضفوا بذلك شرعية على العنف وقتل المسلمين الأبرياء بدون محاكمة.

وقد أدى ذلك إلى أجواء من الخوف تلوح في الأفق تجعل المسلمين يعيشون تحت تهديد دائم، في ظل زيادة حوادث القتل بدون محاكمة يصعب التنبؤ بها، والمرتبطة بذبح الأبقار في مناطق عديدة من الهند. وفي كثير من الأحيان؛ يكون مسؤولون حكوميون وأفراد من الشرطة متورطين في هجمات تتعلق بقتل وذبح الأبقار.

إن أولئك المهاجمين -بمن فيهم الذين يرتكبون القتل- لا تُوجّه لهم تهم على جرائمهم. وليس ذلك فحسب؛ بل إن السياسيين في حزب بهاراتيا جانتا يكرمونهم ويكافئونهم في بعض الحالات، كما حدث في قضية مقتل الرجل المسلم بيهلو خان.

خاتمة: يعتبر تقرير بيركلي عن الإسلاموفوبيا في الهند لحظة فارقة لأنه يوثق بدقة شديدة استفحال التطرف والتعصب تحت حكم حزب بهاراتيا جاناتا. ويعرض التقرير في نهايته العديد من المقترحات المتعلقة بالسياسات.

ويمكن تجزئة تلك الأفكار إلى ثلاثة عناصر: أولها؛ أنه من الضروري أن تولي سفارات الدول ومنظمات المجتمع المدني اهتماما بقضايا الحريات الدينية وحقوق الإنسان المرتبطة بها، بما في ذلك التركيز على المناطق التي تواجه أو عرضة لمواجهة العنف الذي تُذكي أوّارَه دوافعُ سياسية.

وينبغي ممارسة الضغوط على الحكومة الهندية الحالية لحملها على التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وتنفيذ التدابير الفعالة لدرء العنف الديني ومعاقبة مرتكبيه.

وثانيها؛ بث الوعي وتشجيع الحوارات المفتوحة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأقليات في الهند وكشمير، لا سيما استفحال ظاهرة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا). ويجب مواصلة السير في هذا الاتجاه عبر البحوث الرصينة والتوثيق مثل الذي فعله تقرير بيركلي.

وثالث تلك العناصر يتمثل في حث الحكومة الهندية على اتخاذ إجراء قانوني عاجل ضد الأفراد والجماعات المسؤولة عن ارتكاب أعمال عنف ضد الأقليات.

وإذا ما تسنى تطبيق تلك الخطوات مجتمعة في جو من الصراحة والصدق والشفافية؛ فإن ذلك سيعني البدء بشكل فعال في التصدي للأسباب والدوافع الكامنة وراء ظاهرة الإسلاموفوبيا في الهند.

المصدر : الجزيرة