خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

يفوق عدد ضحايا القمع والاستبداد في العالم العربي كل ضحايا الحروب الخارجية التي خاضتها الدول العربية منذ نشأتها الحديثة منتصف القرن الماضي وحتى الآن. وأي إحصاء سريع لضحايا الأنظمة العربية التي وصلت إلى السلطة في مرحلة ما بعد الاستقلال، سيكشف حجم العنف الذي مارسته الدولة العربية على شعوبها، فتحولت من "جهاز بيروقراطي" في خدمة الشعوب إلى "آلة قتل" تحتكر العنف بغطاء الشرعية الشكلية.

ولا يحتاج الأمر إلى إحصاءات رقمية من هنا أو هناك؛ إذ عليك فقط أن تراجع سجّل القمع والقتل خلال السنوات الماضية كي تعرف حجم المأساة التي تعيشها البلدان العربية.

ففي سوريا وحدها، وخلال مدة لا تزيد على سبعة أعوام؛ سقط ما يقرب من حوالي نصف مليون قتيل، معظمهم قُتل بقصف البراميل المتفجرة التي كانت تلقيها -ولا تزال- طائرات النظام السوري ومليشياته على قرى وأحياء بكاملها، وذلك قبل أن يدخل الطيران الروسي على الخط أواخر عام 2015، ويشارك في عملية القتل والإبادة بحق السوريين التي راح ضحيتها آلاف المدنيين.

ناهيك عن إصابة ما يقرب من مليونيْ شخص بجروح وإعاقات مختلفة، وتشريد ما يقرب من حوالي 12 مليون شخص داخل وخارج سوريا، وذلك بحسب أرقام جهات عديدة مثل البنك الدولي ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية. فضلاً عن آلاف المختفين قسريا في سجون النظام السوري منذ الثمانينيات وحتى الآن، والذين لا يُعرف ما إن كان قد تم قتلهم أم لا يزالون على قيد الحياة!

أي إحصاء سريع لضحايا الأنظمة العربية التي وصلت إلى السلطة في مرحلة ما بعد الاستقلال، سيكشف حجم العنف الذي مارسته الدولة العربية على شعوبها، فتحولت من "جهاز بيروقراطي" في خدمة الشعوب إلى "آلة قتل" تحتكر العنف بغطاء الشرعية الشكلية


وقد فاق إرهاب بشار الأسد ما فعله أبوه حافظ الأسد وعمّه رفعت الأسد اللذين دكّا مدينة حماة بالمدفعية الثقيلة أوائل الثمانينيات، وذلك من أجل التخلص من جماعة "الإخوان المسلمين".

وبالمثل فعل صدام حسين في العراق في مجازره ضد الشيعة والأكراد أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، والتي راح ضحيتها آلاف الأشخاص وتم استخدام الأسلحة الكيمياوية فيها كما حدث في مذبحة "حلبجة" عام 1988.

أيضا مارس العقيد الليبي معمر القذافي كل أنواع القتل والتنكيل بمعارضيه، وتظل مذبحة "سجن أبو سليم" الشهيرة -والتي راح ضحيتها ما يقرب من 1200 شخص في يوم واحد منتصف عام 1996- واحدة من أسوأ المذابح في تاريخ ليبيا الحديث. ناهيك عن قتل واستهداف العشرات من المعارضين السياسيين في العواصم العربية والغربية الذين كان يسميّهم "الكلاب الضالة".

وفي الجزائر؛ راح ضحية القمع والاستبداد عشرات الآلاف من الأشخاص نتيجة للصراع السياسي خلال التسعينيات، الذي أججّه انقلاب الدولة ومؤسستها العسكرية على تجربة الانتقال الديمقراطي الوليدة، والتي فازت فيها "الجبهة الإسلامية للإنقاذ". وهو مما تسبب في عقد كامل من الدم والقتل، لم يتوقف إلا بعقد مصالحة وطنية من خلال "ميثاق العفو والمصالحة" الذي أطلقه الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وفي السودان؛ ارتكب نظام الرئيس السابق عمر البشير مجازر مروّعة في دارفور وغيرها من المناطق، وتسبب في انقسام البلاد وضياع ثرواتها. وفي تونس؛ تم اعتقال وتعذيب الآلاف في عهد الحبيب بورقيبة منتصف الخمسينيات، واستكمل المسيرة نظام زين العابدين بن علي حتى سقوطه في 14 يناير/كانون الثاني 2011. وفي المغرب؛ تم قمع الحراك والاحتجاجات في مناطق الريف ومدن أخرى منذ الخمسينيات.

أما في مصر؛ فقد قتلت السلطوية آلاف الأشخاص تحت وطأة القمع والتعذيب منذ عهد عبد الناصر وحتى الآن. وتظل مجازر ما بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 -وخاصة مجزرتيْ "رابعة" و"النهضة" اللتين وقعتا في 14 أغسطس/آب 2013- أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث، وذلك حسبما وصفتها به منظمة "هيومان رايتس ووتش".

وكذلك فعل -ولا يزال- النظام السعودي الذي يمارس القتل والتصفية الجسدية بحق النشطاء والمعارضين السياسيين، سواء في القطيف أو في مناطق أخرى من المملكة وخارجها، كما حدث مع الصحفي الراحل جمال خاشقجي.

أضف إلى ما سبق عمليات القتل البطيء التي تجري في السجون والمعتقلات العربية بعيداً عن الرقابة وعن أعين الإعلام نتيجة للإهمال الطبي، وحالات التصفية الجسدية التي ترتكبها قوات الأمن والجيش في أكثر من بلد عربي بذريعة "الحرب على الإرهاب"، وذلك على نحو ما تفعله مليشيات خليفة حفتر حالياً.

جرائم الاستبداد والسلطوية قديمة قدم الإنسان، ولكن ادعاء الدولة العربية –ومعها نخبتها الحاكمة ومن يدور في فلكها- أنها الأحق بالاستحواذ على السلطة في مرحلة ما بعد الاستقلال، بل والأقدر على ممارستها، يتنافى كلياً مع جرائمها في حق شعوبها. وهي هنا لا تختلف كثيراً عن الجماعات الراديكالية العنيفة التي تخوض هذه الدولة حرباً معها منذ عدة عقود


وإذا ما أضفنا حالات الموت التي يتسبب فيها فشل السياسات الرسمية للدول، سواء في المجال الصحي والتي يذهب ضحيتها الآلاف من المواطنين العرب، أو من خلال الإهمال المؤسسي كما يحدث في المرافق العامة كالمواصلات على سبيل المثال؛ فسوف يصل العدد إلى ملايين القتلى.

هذه الجرائم وغيرها حوّلت الدولة العربية من جهاز إداري وبيروقراطي وظيفته الرئيسية خدمة المواطنين إلى "آلة قتل" فتّاكة تتغذى على الدم. وحوّلها من مؤسسة شرعية إلى مجرد "جهاز عصابوي" (من عصابة) متخصص في نهب وسرقة أموال وثروات الشعوب، ومن يعترض على ذلك يتم نفيه أو قتله أو إخفاؤه قسرياً! وقد زادت هذه الدولة وحشية بعد الربيع العربي خوفاً من أن يتم تفكيك استبدادها وتقليم أظافر حكامها.

وقد لا يكون العرب استثناءً في هذا الصدد؛ فجرائم الاستبداد والسلطوية قديمة قدم الإنسان، ولكن ادعاء الدولة العربية –ومعها نخبتها الحاكمة ومن يدور في فلكها- أنها الأحق بالاستحواذ على السلطة في مرحلة ما بعد الاستقلال، بل والأقدر على ممارستها، يتنافى كلياً مع جرائمها في حق شعوبها.

وهي هنا لا تختلف كثيراً عن الجماعات الراديكالية العنيفة التي تخوض هذه الدولة حرباً معها منذ عدة عقود. وإذا كانت هذه الجماعات تقتل باسم "الدين"؛ فإن الدولة العربية (مجازاً!) تقتل باسم حماية الأمن والاستقرار والحفاظ على "هيبتها". وإذا كان إرهاب الجماعات الراديكالية عابرا ومؤقتا؛ فإن إرهاب الدولة العربية باقٍ ويتمدد، وقد بات جزءاً أصيلاً من الروتين اليومي للمواطن العربي.

المصدر : الجزيرة