محمد ياسين نجار

محمد ياسين نجار

وزير سابق في الحكومة المؤقتة التابعة لائتلاف المعارضة السورية

استطاع الاتحاد الأفريقي أن يضع السودان على سكة التحول الديمقراطي عندما ضغط على المجلس العسكري السوداني للقبول بوساطته، ووضع خطة تنفيذية توافق عليها قوى الحرية والتغيير، وإلا فإن تجميد عضويته في المجلس باقٍ؛ لا بل ستكون هناك خطوات تصعيدية لاحقة.

هذه الخطوة المباركة تسجل للاتحاد الأفريقي الذي يتجه -بخطى رصينة وثابتة- نحو عدم القبول بالانقلابات العسكرية داخل القارة الأفريقية التي أنهكتها خلال القرن الماضي، بالإضافة إلى الاستعمار الذي استغل ثرواتها الطبيعية، وأيضاً الاضطهاد العنصري لغالبية مواطنيها، والذي تراجع بشدة بعد هزيمته في معقله بجنوب أفريقيا على يد حزب المؤتمر الأفريقي وزعيمه التاريخي نيلسون مانديلا.

إن نجاح هذه الخطوة سوف يضع ديناميات جديدة سواء على صعيد القارة الأفريقية أو في الدول العربية المنتمية إليها، والتي تتطلع شعوبها لبناء دول ديمقراطية فاعلة في المجتمع الدولي.

إن ملاحظة الحراك الشعبي المستمر في الجزائر وعدم إجراء انتخابات رئاسية في موعدها بسبب الضغط الشعبي، ونجاح المساعي الأفريقية في السودان؛ ستكون له تداعيات إيجابية في انتقال بلد المليون شهيد إلى ركب الدول الديمقراطية فعلا لا لفظاً.

إن الديمقراطية قادمة إلى الدول العربية التي فشلت جامعتها في أن تكون السباقة إلى ذلك، من خلال دعم الشعوب العربية وأمانيها المتقدة بالحرية والعدالة؛ فوجود عدة نماذج ديمقراطية لدول عربية سوف يجعل الجامعة أمام تحدٍّ لن يكون من السهل عليها ألا تستوعبه فتقوم بمراجعة حقيقية في دولها.

الديمقراطية قادمة إلى الدول العربية التي فشلت جامعتها في أن تكون السباقة إلى ذلك، من خلال دعم الشعوب العربية وأمانيها المتقدة بالحرية والعدالة؛ فوجود عدة نماذج ديمقراطية لدول عربية سوف يجعل الجامعة أمام تحدٍّ لن يكون من السهل عليها ألا تستوعبه فتقوم بمراجعة حقيقية في دولها


وإلا فإن عقد الجامعة سوف ينفرط ويتم بناء تجمعات سياسية جديدة لدولٍ تتشابه أنظمتها سياسياً واقتصادياً، مما يؤدي إلى ضغوطٍ شديدة على الدول الممانعة لهذا المنحى، أو أن تدخل الجامعة في سبات شتوي شبيه بالكثير من المنظمات.

وإذا ما قمنا بعملية مقارنة بين مساعي الاتحاد الأفريقي الحميدة في الملف السوداني وأداء دولتين بحجم روسيا وإيران على صعيد الملف السوري فسنلاحظ:
أولاً- ما قامت به روسيا من انحياز سافر إلى نظام الأسد بكل ما يمارسه من قمع واستبداد ومجازر، لا بل وقيادة ذلك الإجرام بشكل مباشر على السوريين منذ قرارها بالتدخل العسكري في سبتمبر/أيلول 2015.

كان بإمكان روسيا أن تقوم بخطوة رائدة عالمياً تجعلها أكثر قرباً من الشعوب، من خلال الضغط على نظام الأسد في مطلع الثورة عام 2011، وأن تطرح مخرجاً متوازنا يراعي مصالحها في المنطقة، بالإضافة إلى تحقيق تطلعات السوريين الذين لا يزالون يحنّون إلى تجربتهم الديمقراطية قبل انقلاب حزب البعث 1963، وتلك الخطوة الانقلابية هي التي مهدت لمجيء عائلة الأسد إلى الحكم وسيطرتهم عليه لمدة نصف قرن.

لقد انحازت روسيا إلى نموذجها الشيوعي الدكتاتوري القمعي الذي أدى إلى تفكك الاتحاد السوفياتي غير مأسوفاً عليه، وإلى تكرار تجربتها الفاشلة في أفغانستان التي ما زال العالم يدفع ثمنها، وهي تجربة استعمارية جعلت الشعوب بشكل عام تكره نموذجها الذي فشل فشلا ذريعاً، لا بل كانت المسبب الرئيس لانطلاق الأفكار المتطرفة، وها هي الآن تعيد سيرتها الأولى بدون أدنى مراجعة نقدية أو اتعاظ لبناء جسور تجعلها نموذجاً إيجابياً يحتذى به.

كان بإمكان روسيا أن تكون وسيطاً نزيهاً بين النظام والشعب على أقل تقدير، وأن تجعل سوريا تخطو خطوات إيجابية متزنة نحو دولة حضارية غير منحازة دولياً، يختار شعبها من يحكمه بدون تدخل من أية قوى عالمية.

ثانياً- أما إيران فإنها استثمرت في الشعوب طيلة العقود الثلاثة الماضية، وروّجت أن ثورتها هي ثورة الشعوب الفقيرة المضطهدة ضد المستبدين وأيضاً الاستكبار العالمي.

لقد كانت الثورة الإيرانية تقول إنها جزء من ثورة الحسين (رضي الله عنه) على الظلم، لكن ما إن حانت الفرصة في سوريا ودول أخرى -لتظهر تلك الأخلاقية الإسلامية في العدل والمساواة- حتى أسفرت إيران عن وجه آخر، غير الذي كانت تروج له بكافة الوسائل الناعمة والخشنة.

لقد شاهد الجميع وجها طائفياً قمعياً راغباً في سفك الدماء وارتكاب المجازر بدون أدنى خجل، حيث استدعت محاربيها ومليشياتهم من باكستان وأفغانستان والعراق ولبنان وإيران؛ فقوّضوا ونسفوا كافة المبادئ التي نادى بها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسين رضي الله عنه وجعفر الصادق رحمه الله.

وإذا قمنا بمقارنة بين مبادرة الاتحاد الأفريقي وأداء روسيا وإيران وحتى الجامعة العربية، فسنرى تفوقا كاسحا لصالح الاتحاد الأفريقي الذي يتم تصويره على كافة الصُّعُد بأنه مجتمع ما بعد ثالثي، لكنه عند الامتحان سارع إلى نجدة السودانيين وثورتهم وأرسل وفدا عالي المستوى ممثلا برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وبعث رسالة حازمة بضرورة الانحياز لرغبات السودانيين بإنشاء دولة ديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته.

انحازت أفريقيا للسودانيين الذين عانوا من نظام فاسد أهلك الحرث والنسل، كما انحاز النجاشي لأتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فرفضت تسليمهم لجور المجلس العسكري واستبداده، وقالت كلمتها بوجوب محاصرة الأنظمة العسكرية الساعية للتسلط على شعوبها، عوضاً عن الدفاع عنهم بردّ كيد المعتدين وتربص المتربصين


وفي المقابل؛ نرى أن روسيا وإيران تجاهلتا كل ذلك بل إنهما لا تزالان تقاومان تلك القيم لصالح الدكتاتورية والفساد؛ فالعودة الروسية لممارسة دور فاعل على الصعيد الدولي -بعد انحسارٍ لأي دور دولي فاعل فاق العقدين- كانت من بوابة الانحياز إلى نظام استخدم السلاح الكيمياوي ضد شعبه، وتجريب أسلحتها الحديثة في شعب أعزل وقصفها له بسلاح الطيران نيابة عن نظام الأسد.

وكذلك الأمر بالنسبة لإيران التي نراها فشلت في امتحان تطبيق المبادئ الإسلامية لصالح نموذج فرعون وهامان وكسرى، الذين كانوا يضطهدون الشعوب ويسومونهم سوء العذاب، وكذلك الأمر بالنسبة للمنظمات عندما نقارن الاتحاد الأفريقي بالجامعة العربية التي أصبحت مجرد منظمة ورقية ليس لها حول أو قوة في الملف السوري، بل قامت هي وبعض الدول بدور سلبي لإعادة النظام للجامعة في قمة تونس لولا الضغط الأميركي عليهم.

أما أفريقيا فانحازت للسودانيين الذين عانوا من نظام فاسد أهلك الحرث والنسل، كما انحاز النجاشي لأتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فرفضت تسليمهم لجور المجلس العسكري واستبداده، وقالت كلمتها بوجوب محاصرة الأنظمة العسكرية الساعية للتسلط على شعوبها، عوضاً عن الدفاع عنهم بردّ كيد المعتدين وتربص المتربصين.

لقد سجل الأفارقة موقفاً سوف يسجلهم التاريخ بسببه في لائحة الأخلاقيين والمنتصرين للشعوب قولاً وعملاً، وليس نفاقاً وزوراً. وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

وإنَّما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

المصدر : الجزيرة