عبد الباقي الظافر

عبد الباقي الظافر

صحفي ومحلل سياسي

في ذلك اليوم البارد جدا من عام 2008، نصبت الكاميرات وتأهب الناس ليستمعوا للمرشحة هيلاري كلينتون التي خسرت أولى معاركها في ولاية أيوا في إطار السباق التمهيدي بين المتسابقين الديمقراطيين.. تحدثت السيدة كلينتون بثبات ثم ضغطت على أعينها حتى تفيض دمعا.

المشهد المصنوع بعناية أعاد هيلاري للسباق بعد أن كسبت قلوب النساء، فالتواصل مع الآخرين بات علما في السياسة، يعلمونك متى تخفض صوتك ومتى تستدعي ابتسامة وكيف تصنع دمعة. بعض الساسة هيأ الله لهم القبول عند الناس، وبعضهم تعلّم التسلل خلسة لقلوب الجماهير.

لقد كشفت الصحافة العالمية أن المجلس العسكري أنفق مبلغ 6 ملايين دولار من خزينتنا الخاوية في سبيل تحسين صورته عبر إحدى شركات العلاقات العامة الكندية. وربما من تلك الثمرات كانت زيارة النائب السابق بالكونغرس الأميركي السيد جيم موران للسودان، وحضوره حشدا برفقة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي وقائد قوات الدعم السريع.

التواصل مع الآخرين بات علما في السياسة، يعلمونك متى تخفض صوتك ومتى تستدعي ابتسامة وكيف تصنع دمعة. بعض الساسة هيأ الله لهم القبول عند الناس، وبعضهم تعلم التسلل خلسة لقلوب الجماهير.

ظهور الفريق البرهان في لقاء مفتوح مع الصحفيين استمر ثلاث ساعات دون جدول محدد، كان بعضا من مجهودات تبييض صورة العسكريين، حيث تحدث البرهان ساردا سجله الطويل في القتال على الجبهات العسكرية، ولم ينس أن يذكرنا بأنه من أيقظ الرئيس المعزول عمر البشير من النوم ليبلغه أنه بات رئيسا سابقا، بل نازع عضو المجلس العسكري الفريق ياسر العطا في رواية "وضع القيود في يدي الرئيس".

قمة الدراما كانت في دموع البرهان التي انهمرت مثل الحبر السري ولم يرها أحد من الحضور، لقد نقل عن ذلك اللقاء حديث عن نزول دموع البرهان عندما تحدث عن الأعباء والضغوط على المجلس العسكري.

التاريخ القريب يذكر أن البرهان هو الجنرال العسكري الذي هرع إلى صفوف المعتصمين في اليوم الثاني للثورة، في ذاك الوقت كان كبار الجنرالات ينازعون الفريق بن عوف على رئاسة المجلس الانتقالي. حيث اعترف البرهان بأنه وغيره من الجنرالات رفضوا العمل تحت رئاسة بن عوف. لكن قبل ذلك بـ24 ساعة كان البرهان ورفاقه يلقون التحايا العسكرية لـ"سعادتو" عِوَض بن عوف.

الجديد في ذاك المسرح هو السعي لنيل المنصب الأعلى.. البرهان ذاته الذي تغزل في الثورة، عاد في بيان ما بعد منتصف الليل ليصفها بأنها فقدت سلميتها.. ثم حدث ما حدث (في إشارة لحديث عضو المجلس العسكري الفريق شمس الدين كباشي عن مجزرة فض الاعتصام).

حتى هذه اللحظة ينتهج المجلس العسكري عددا من التكتيكات التي يجيدها الجنرالات وتستخدم ضد العدو. تم تجريد الثوار من الاعتصام الذي يعتبر الورقة الرابحة. في الوقت ذاته يرفض المجلس العسكري الاعتراف بأنه ارتكب ذاك الخطأ الكارثي، ويحمل الأمر لقوة ما جاءت من رحم الغيب قتلت الناس وحرقت الخيام ثم تلاشت ولم يتبق منها سوى "زول" واحد يخضع للتحقيق الآن.

كما استخدم العسكريون تكتيك تشتيت الخصوم عبر بث الفرقة.. لقاء حميدتي في العاصمة التشادية إنجمينا مع رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي وممثل رفيع لحركة العدل والمساواة، إلى جانب فتح خط ساخن مع الإمام الصادق المهدي.

في تقديري، رغم النجاح في الخطط والجمل التكتيكية، فإن المجلس العسكري سيخسر في نهاية المطاف.. في الجانب الآخر لا يجلس العدو..

في تقديري رغم النجاح في الخطط والجمل التكتيكية، فإن المجلس العسكري سيخسر في نهاية المطاف.. في الجانب الآخر لا يجلس العدو.. لهذا تحول حميدتي من مساند للثورة لخصم لدود.. الشعب الذي بهره الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الفريق كباشي بفصاحته وبلاغته، بات الآن لديه مجرد صحاف آخر (وزير الإعلام العراقي إبان الغزو الأميركي محمد سعيد الصحاف).

هذا الحصاد البائس سببه التشخيص الخطأ للحالة الثورية، فما حدث في أبريل/نسان الماضي ثورة شعبية.. لم يكن أمام الجنرالات غير اختيار الذهاب لسجن كوبر أو الانحياز للشعب.. منذ الأيام الأولى حضر حظ النفس بين كبار الجنرالات.

بصراحة.. نحسن الظن إنْ صدقنا تلك الدموع.. نخطئ الحساب إن رأينا أسنان الجنرال بارزة فحسبناها ابتسامة. مكاسب المجلس العسكري التكتيكية خسائر فادحة في البعد الإستراتيجي.

المصدر : الجزيرة