عبد الباقي الظافر

عبد الباقي الظافر

صحفي ومحلل سياسي

قبل أيام؛ خاطبت السيدة إلهان عمر زملاءها في الكونغرس الأميركي مُبديةً بعض الخوف مما يحدث في بلدنا الحبيب السودان، ووفقا للسيدة -التي تضع غطاء الرأس في إشارة لإيمانها- فإن الخطر يكمن في السلاح الأميركي الذي يمكن أن ينتهي في أيدي قوات الجنجويد، على حد وصفها؛ وبالتالي يوظف في قمع الثورة الشعبية في السودان.

ربما لم تطلع وقتها السيدة إلهان على بعض مقاطع الفيديو التي كانت تشير إلى مدرعات إماراتية تجوب شوارع الخرطوم ضمن تشكيلات الدعم السريع، في إطار إبراز القوة لإرهاب الشعب السوداني؛ حيث جاءت حصيلة فضّ الاعتصام السلمي في 29 رمضان المعظم صادمة للضمير الإنساني، بسقوط أكثر من مئة قتيل والمئات من الجرحى والمفقودين الذين تم إغراقهم في ماء النيل.

في 3 مايو/أيار الماضي؛ زارت الدكتورة مريم الصادق المهدي -نائب رئيس حزب الأمة القومي في السودان- دولة الإمارات العربية المتحدة، في زيارة غير معلنة على غير العادة.

مريم -المعروفة بـ"الأميرة المنصورة" في أواسط حزبها بسبب سجلها النضالي ضد حكومة الإنقاذ- زعمت أن زيارتها جاءت في سبيل إسداء الشكر لدولة الإمارات، التي وفرت محطة "ترانزيت" سياسية للإمام الصادق المهدي؛ بعد أن أغلقت القاهرة الأجواء في وجه الإمام في إطار التقارب مع حكومة المشير البشير وقتذاك.

مريم -المعروفة بـ"الأميرة المنصورة" في أواسط حزبها بسبب سجلها النضالي ضد حكومة الإنقاذ- زعمت أن زيارتها للإمارات جاءت في سبيل إسداء الشكر لدولة الإمارات، التي وفرت محطة "ترانزيت" سياسية للإمام الصادق المهدي؛ بعد أن أغلقت القاهرة الأجواء في وجه الإمام في إطار التقارب مع حكومة المشير البشير وقتذاك


الآن عرَّت أقلام صحفية هذه الزيارة وصوّبت لها نقدا، حيث أشار الصحفي عطاف عبد الوهاب إلى أجندة غير معلنة في الزيارة.

اضطرت وقتها السيدة مريم إلى النفي القاطع لإشارات الدعم المالي، أو أنها التقت -في تلك الزيارة- بمحمد دحلان المستشار المريب لولي العهد الإماراتي محمد بن زايد.

صحيح أن مريم قدمت إيضاحات بأن ذاك الاجتماع كان حصرا مع قيادات إماراتية، وجاء لتحقيق "علاقة مكسبية للطرفين". لاحقا نُشرت تسريبات عن أن محمد دحلان كان قد زار الخرطوم ضمن وفد إماراتي سعودي مشترك، غابت كاميرات الإعلام عن توثيقه كَرها.

دحلان من ذلك الصنف الذي يجعلك تراجع عدد أصابع يدك عقب مصافحته مباشرة؛ لأن ملف دحلان مثقل بالتآمر منذ أن كان صبيا في السلطة الفلسطينية، وحتى بات خبيرا يسوّق خدماته في كامل الإقليم.

اللافت للانتباه أن دحلان زار الخرطوم بعد مغادرة مريم للإمارات بيوم واحد. وفي 12 مايو/أيار الماضي بادر السفير الإماراتي بالخرطوم -مصطحبا السفير السعودي لدى السودان- بزيارة الإمام الصادق في منزله، في سابقة ذات دلالات سياسية توحي باتساق الرؤية الدبلوماسية حول ملف السودان بين الرياض وأبو ظبي. وكانت المنصورة مريم واحدة من قيادات قليلة حضرت اللقاء.

كل ذلك الجدول الزمني المرتب بعناية يضع أسئلة على الطاولة مثل: كيف فات على السيدة مريم أن الإمارات لم يُعرف لها انحياز للتحول الديمقراطي الذي ينشده حزبها؟ بل إن أيادي الإمارات ما حلت ببلد إلا وجعلت أهله شيعا وطوائف تقاتل بعضها بعضا.

في يمن الحكمة؛ تحاول الإمارات تشجيع التيارات الانفصالية في جنوب اليمن، بعد أن صعبت عليها السيطرة على كامل التراب اليمني بمعاونة السعودية. وفي الصومال؛ تعاقدت أبو ظبي مع حكومات غير معترف بها لإحكام السيطرة على الموانئ الإستراتيجية.

أما في ليبيا؛ فقد تبدد حلم الديمقراطية إلى دولة فاشلة وممزقة بعد أن تولى "محور سام" (المكون من السعودية والإمارات ومصر) تمويل حرب الجنرال خليفة حفتر، من أجل الوصول إلى السلطة. إصابة السلطان بعض من أوهام العقيد حفتر منذ أن كان أحد رفاق العقيد القذافي وبنادقه في تحقيق حلم الدولة الأممية.

شعرت ببعض الراحة عقب مداخلة هاتفية مع قيادي شاب في الحركة الشعبية التي يتزعمها مالك عقار؛ الشاب كان جزءا من المجموعة التي تم نفيها من الخرطوم مؤخرا.

في تلك المكالمة التي جعلتني أعود لزيارة مريم لأبو ظبي؛ أفادني ذاك الشاب بأن رهانهم على الإمارات والعسكريين الجدد في تصفية الإسلام السياسي بالخرطوم كان خاطئا. بل إنه حذرني من أن ذاك الرهان ربما يجعل السودان يتسرب من بين يدينا بميلاد دولة عشائرية تحظى بدعم الإمارات.

إبعاد الإمام الصادق المهدي من مصر في العام الماضي كان بسبب رفضه للهيمنة المصرية على حركة المعارضة السودانية. وقد بات الآن مطلوبا من حزب الأمة تحديد موقف واضح من التدخل الإقليمي في الشأن السوداني؛ حيث بلغت المهانة أن تتفاوض أميركا مع الرياض وأبو ظبي في تفاصيل التسوية السياسية بالسودان، بينما يتم استبعاد أهل المصلحة من السودانيين من بحث هذه التفاصيل


لكن ما زال التساؤل عن إيمان حزب الأمة بالتدخل الإقليمي في تشكيل مستقبل السودان قائما؛ حيث من المعروف تاريخيا أن هذا الحزب حساس جدا من أي تدخل في الشأن السوداني، حتى إن شرعيته تقوم على مناهضة الإمام المهدي للاحتلال التركي.

في الأربعينيات؛ رفع مؤسسه عبد الرحمن المهدي شعار "السودان للسودانيين"، بينما كانت موجة الوحدة مع مصر في أعلى زخمها. ويحسب للإمام الصادق المهدي أنه كان ضمن قلائل من زعماء المنطقة حذّروا من حرب اليمن التي انغمس فيها محور الإمارات والسعودية، وبدعم ميداني من حكومة الرئيس البشير. وإبعاد الإمام الصادق المهدي من مصر في العام الماضي كان بسبب رفضه للهيمنة المصرية على حركة المعارضة السودانية.

بات الآن مطلوبا من حزب الأمة تحديد موقف واضح من التدخل الإقليمي في الشأن السوداني؛ حيث بلغت المهانة أن تتفاوض أميركا مع الرياض وأبو ظبي في تفاصيل التسوية السياسية بالسودان، بينما يتم استبعاد أهل المصلحة من السودانيين من بحث هذه التفاصيل.

هكذا تعود بلادنا إلى أيام الحكم الثنائي الإنجليزي/المصري، بل وبصورة أشد قتامة فيما يشبه الاستعمار الثلاثي، في حين يقدم السودانيون نموذجا باهرا في الثورة من أجل الحرية والكرامة. ويبقى السؤال بعد كل هذا: ما زالت السيدة مريم على رهانها القديم؟

المصدر : الجزيرة