دعاء الشامي

دعاء الشامي

كاتبة وصحفية

لا أخاف الموت لكنه يخافني
لأنه ما إن يلمس قلبي
سيغادر لونه الأسود
ويصير جميلًا
كما يليق بالمحبة..

هكذا وصفت "حنة" الموت.. خبرته هي جيدًا في كل المرات التي عركته فيها وانتصرت، تدرك كيف تراقص شبحه بسلاسة غير عابئة بتصورات البشر ومخاوفهم المفزعة منه.. تختصر رحلتها الطويلة في المحبة..

تلك التي كانت تطل من نظراتها على طول الطريق غير عابئة بكل من حولها؛ فهي بارعة جدًا في استخلاص عبق الحب ممن حولها بسلاسة ساحرة طيبة، قادرة على منح البشر فرصًا عديدة لإظهار جمالهم الداخلي المخفي خلف أقنعة الحياة..

أعرف الموت

التقيته هذا الصباح

فأخبرني أن أمي هناك

ستطهو لي وجبتي المفضلة

وأراني حقل الفراشات الذي

سيسحر عيني حتى أنسى ألم العبور

قليلون هم من يعرفون الموت على طريقتها.. بمثل هذا السلام وتلك السكينة، وفي الوقت ذاته تعرف الحياة جيدًا بل وتعشقها.. كانت تدرك أن كل ثانية في حياتها تعني فرحًا غامرًا.. فرصة للاستمتاع بنعم الله الكثيرة وحكاية جديدة تخطها بحماسِ صحفيةٍ مشاغبةٍ لا تستسلم أمام عقباتها.. وعبر الألم استطاعت أن تروّض الموت ليكون عذبًا..

قليلون هم من يعرفون الموت على طريقة "حنة".. بمثل هذا السلام وتلك السكينة، وفي الوقت ذاته تعرف الحياة جيدًا بل وتعشقها.. كانت تدرك أن كل ثانية في حياتها تعني فرحًا غامرًا.. فرصة للاستمتاع بنعم الله الكثيرة وحكاية جديدة تخطها بحماسِ صحفيةٍ مشاغبةٍ لا تستسلم أمام عقباتها.. وعبر الألم استطاعت أن تروّض الموت ليكون عذبًا


أنا طفلة هذا الكون المدللة بمحبة الله

رسالتي البراءة والمحبة والمرح

فأما البراءة فإن هذا الكون يلمع في عيني

نظيفًا وبراقا كلحظة الخلق الأولى

وأما المحبة فهي خلاصة قلبي تجاه الكون

أحب كل ما فيه حتى اللحظات التعيسة

والمرح هو رقصتي الأثيرة في مواجهة النوائب

في صباح أول أيامها بعيدًا عن عالمنا الصاخب تراقبنا "حنة" من عليائها في سماوات ربها الواسعة.. تطل علينا ببهاء سمرتها المصرية الصرفة.. بينما يفترّ فمها بابتسامة واسعة عذبة تليق بمن صبر طويلًا ووصل أخيرًا إلى مبتغاه.. في ثوب ملون وسيع ينافس اتساع قلبها تحلّق منتشية خفيفة، بروح تخلصت على مدى سنوات من كل أثقالها كعارفة بمدى بساطة هذه الدنيا وتعقيدها في آنٍ..

تحمل مِسبحتها وتغمسها في زجاجة مسك ينافس لونُها بياضَ قلبها، وتمسح ما بقي من رحيق العطر في سجادة صلاتها المزركشة التي تجلس عليها بهدوء.. هكذا أتذكرها كما كانت تقضي ليالي كثيرة تناجي ربها..

لا أريد أن أنجو من المعركة

فالناجون يشيخون مبكرًا

من هول ما يرونه

أما الذين يستسلمون

فتبقى صورهم كملائكة صغار

محفورة على العملات التذكارية

مطبوعة في قلب الرب

يحبهم الجميع

لأنهم لا يخلقون عداوات مع أحد

كطفلة مشاكسة تطلّ برأسها.. أراها الآن تشير إلى كل منا وترثي لحاله بعد رحيلها.. فكل من عرفها يحزن لفراقها ويأسى على حاله بعدها.. في سكينة العارفين تجلس بين أهل السماء.. تحثنا على الانخراط في الحياة بطريقة أبسط من كل تلك المساحات البائسة التي نمنحها لها..

تترك عالمنا جانبا وتراقب حبلها المربوط بالحياة: حمزة ونور وسارة..  تتألم لحزنهم على فراقها.. تقلق عليهم.. تمد يدها قليلا لتمسِّد شعر سارة.. تلك الصغيرة التي ورثت شقاوة أمها وقلبها الوسيع الطيب، بينما تنظر في وجه نور متأملة ملامح حبيب عمرها النابض عبر صغيرتها التي تكبر سريعًا..

وتربّت بحنو على كتف حمزة.. ذلك الفتى الذي يحتل قلبها ويملك مزيجًا من روحها وروح أبيه.. تنظر حول النعيم حولها وتتذكر رحمة ربها فتطمئن.. تدير حبات مسبحتها المغمورة بالمسك بينما تسقط حبات العطر حولها تاركة رحيقًا يليق ببهائها.. لتبدأ في نثر محبتها الغامرة وسط أهل السماء..

في قلبي شجرة وعصفور

تحدثني الشجرة عن سر البقاء

ويخبرني العصفور بسر الرحيل

تخبرني الشجرة عن امتداد الزمن إلى ما لا نهاية

ويخبرني العصفور عن اتساع المكان إلى ما لا نهاية

وأنا أصغي وأبتسم

"مع رحيل كل عزيز يرحل جزء منا".. كم هي صادقة تلك العبارة.. للمرة الثانية يكسرني الموت يا صديقتي بل يا أمي الصغيرة.. عندما حطم سفينتي وأشرعتي قبل ثلاث سنوات كنتِ هنا حولي.. تربّتين على كتفي وتخبرينني ما الذي يجب علي أن أفعله.. أنا الآن ضعيفة جدًا من دونك.. غارقة في بحور الخوف والعجز.. يعصف بي ألم فراقك وتعزيني راحتك من ألم قاس ورغبتك الملحة في لقاء أحبتك..

قبل أن ترحل؛ نشرت كتابها الشعري الأول.. ولا عجب أنها جعلت تلك القصيدة تحتل آخر صفحة من كتابها وكأنها تعرف جيدًا أنها النهاية.. تقول لنا:

كطفلة مشاكسة تطلّ برأسها.. أراها الآن تشير إلى كل منا وترثي لحاله بعد رحيلها.. فكل من عرفها يحزن لفراقها ويأسى على حاله بعدها.. في سكينة العارفين تجلس بين أهل السماء.. تحثنا على الانخراط في الحياة بطريقة أبسط من كل تلك المساحات البائسة التي نمنحها لها.. تترك عالمنا جانبا وتراقب حبلها المربوط بالحياة: حمزة ونور وسارة.. تتألم لحزنهم على فراقها.. تقلق عليهم..


كل شيء سينتهي ذات يوم

الألم والأمنيات

الوحدة والرفقة

سيختفيان معا

حتى نصير كأجرام معلقة في الفضاء

وسينضب البكاء تماما

حتى يبدو وكأنه بئر جافة في مدينة مهجورة

سينتهي الدفء الذي تخلفه الأصابع

والبرودة التي تجعل القلب يرتجف ساعة الأمل

سينتهي الخوف

وستنتهي الطمأنينة

ستلتقي صفحتا البداية والنهاية

وينغلق الكتاب

ساعتها لن تكون سوى السكينة...

علمتني "حنة" كثير من الأشياء.. جميعها جميل.. علمتني الذكر والاستئناس بمسبحتي المعطرة بالمسك دومًا.. كانت هي نافذتي إلى عالم جديد قوامه المحبة الخالصة، والتسامح الواسع الذي يشمل كل الأخطاء أصغرها وأكبرها..

بل إن الحياة ذاتها لا تستحق منا سوى الاهتمام بعبورها في سلام.. وعلمتني تجربتها كيف أن الله قريب جدًا أكثر مما نتصور.. اسكني يا صاحبة الروح النقية في مكان يستحقك وابعثي بسلامنا لكل الأحبة هناك.. وليمنحنا الله طاقة احتمال العالم من دونك..

المصدر : الجزيرة