محمد عبد الغني فرج

محمد عبد الغني فرج

​مهندس وعضو سابق في لجنة النقل بمجلس النواب المصري

إن حياة الإنسان غالية عزيزة؛ وبعد حادثة محطة مصر المفجعة كان لا بد أن يستنفر الجميع لدق جرس الإنذار لإصلاح مرفق السكك الحديدية بصورة سريعة وعاجلة، عسى بتضافر الجهود أن يجعل الله لهؤلاء الضعفاء الذين يستخدمون القطارات يوميا فرجا ومخرجا، وعسى أن يدرك من بأيديهم الأمر الآن أن مشروعات المحافظة على حياة الإنسان مشروعات لها الأولوية الأولى عن بقية المشروعات المستقبلية.

توجد مشاكل في مرفق السكك الحديدية بمصر تحتاج إلى حلول جذرية لأن هذا المرفق عانى كثيرا من الإهمال والأداء الأقرب إلى العشوائية منه إلى التخطيط والمتابعة ومعالجة السلبيات أولا بأول، وسأسرد أهم المشاكل التي يواجهها المرفق وسأعرض أيضا رؤية للحلول.

1- فساد الهيكل الإداري للمرفق:
إن قوة العمل بالسكك الحديدية قوامها 52 ألف عامل بينما من يقوم بالتشغيل الفعلي 6 آلاف عامل؛ ولذلك فإن المرفق مليء بالعمالة الزائدة، فضلا عن عدد ضخم من المستشارين وخاصة من المتقاعدين من الجيش الذين يتقاضون مرتبات ضخمة دون عمل منتج.

هذا بالإضافة إلى التفاوت الكبير في الحوافز بين المهندسين من جهة والسائقين والفنيين من جهة أخرى، والفساد المتمثل في شراء قطع غيار غير مطابقة للمواصفات. وآلية تسيير العمل داخل هيئة السكك وإداراتها وشركاتها آلية متسيبة وغير منضبطة، ولا توجد أي آلية للمتابعة والتقييم وهو ما يتسبب في الإسراع بانهيار المرفق.

اقتراح الحل: معالجة هذه المشاكل تتمثل في إعادة هيكلة الهيئة بإداراتها وشركاتها، بحيث يتم التركيز على إدارة للصيانة، وإدارة للإحلال والتجديد للجرارات والعربات والقضبان ومعدات الأمان والسلامة، وإدارة للأمان والسلامة، وإدارة لتشغيل نقل الركاب، وإدارة لتشغيل نقل البضائع، وإدارة لتشغيل واستغلال المحطات.

وبما أن آلية عمل الهيئة آلية متسيبة وغير منضبطة فنيا؛ فإنه تلزمها قوة دافعة خارجية تغير منظومة العمل بالكامل وفق أحدث النظم الإدارية والفنية، ولذا أقترح ندب كفاءات من اليابان أو الصين لإدارة الهيئة فترة زمنية مؤقتة، على أن يعهد لكل كفاءة أجنبية برديف مصري يرافقها ليتعلم ويحتك ويفهم أداء المنظومة الجديدة التي سيتولى تطبيقها لاحقا.

وأرشح الصين لأنها الأقرب لظروفنا، وكان سر التحول الكبير والطفرة التي حدثت في السكك الحديدية فيها حادثة أودت بحياة أربعين صينيا، جعلت الصينيين يفكرون بفكر جديد ويُجرون تحديثا كاملا لمرفق السكك عندهم.

بما أن آلية عمل الهيئة آلية متسيبة وغير منضبطة فنيا؛ فإنه تلزمها قوة دافعة خارجية تغير منظومة العمل بالكامل وفق أحدث النظم الإدارية والفنية، ولذا أقترح ندب كفاءات من اليابان أو الصين لإدارة الهيئة فترة زمنية مؤقتة، على أن يعهد لكل كفاءة أجنبية برديف مصري يرافقها ليتعلم ويحتك ويفهم أداء المنظومة الجديدة التي سيتولى تطبيقها لاحقا


2- انتهاء العمر الافتراضي للجرارات:
يوجد في الهيئة ما يقارب 800 جرار بعضها مضى عليها ما يقارب 45 عاما ولا يتوفر لها قطع غيار، ويضطر العاملون في الورش لاستخدام قطع الغيار من الجرارات التي لا تعمل لتشغيل القطارات التي تعمل على الخطوط.

هذا بالإضافة إلى الجرارات الأميركية (120 جرارا) التي اشترتها الهيئة عام 2009 بمنحة كويتية دون عقود صيانة، وهي الآن لا يعمل منها سوى 40 جرارا في نقل البضائع. ويوجد 460 جراراً مؤهلة للسير، لكن لا يعمل منها حالياً سوى 260 جراراً تقوم بـ900 رحلة يومياً، وهذا ضغط كبير على الجرارات القديمة.

اقتراح الحل: العمل على تأهيل ورشة أو أكثر بأحدث المعدات والأجهزة لإجراء صيانة للمحركات وتجديد كامل للجرارات القديمة، وإلحاق أجهزة جديدة بالجرار ما أمكن ذلك لزيادة معدلات الأمان والسلامة فيه، بالاتفاق مع الشركات المنتجة لهذه الجرارات.

وكذلك توفير قطع الغيار اللازمة لها، وإنشاء صالة اختبار لكل دوائر الجرار والأجهزة الملحقة به قبل خروجه للتشغيل، وذلك حتى يتم الإحلال الكامل لكل الجرارات القديمة.

3- نقص حاد في قطع الغيار:
من الممكن أن تتعطل خطوط فجأة بسبب عدم وجود قطع غيار متوفرة في المخازن حتى البسيطة مثل بعض الدوائر الكهربائية، ويقوم عمال الصيانة أحيانا بنقل قطع من الجرارات الموجودة التي لا تعمل وتركيبها في الجرارات التي يأتي دورها في الانطلاق. وهناك قطع غيار لم تورد منذ سبع سنوات طبقا لرواية فنيّي أحد الورش.

اقتراح الحل: عمل حصر كامل بكل احتياجات الجرارات القابلة للتشغيل والعربات وأجهزة السلامة، بحيث يتم توفيرها لورش الصيانة وتجهيز الورش بالمعدات التي تمكنها من تصنيع قطع الغيار.

4- سوء أوضاع ورش الصيانة:
تعاني العمالة الفنية من عجز في ورش الصيانة نظرا إلى أن الذي يحال إلى التقاعد من موظفيها لا يعيَّن بديل له، كما أن آلية الصيانة غير مضبوطة بضوابط فنية، من إجراء الصيانة الوقائية وإجراءات الاختبار اليومي على كل دوائر الجرارات للتأكد من حسن عملها، ولا تتم إجراءات الصيانة اليومية المتعارف عليها بل إنه يتم تغيير الجرارات في آخر لحظة لعطل بسيط مثل تلف الدوائر الكهربائية.

اقتراح الحل: إعادة تأهيل ورش الصيانة وإمدادها بالمعدات اللازمة، وتمكين الكفاءة الأجنبية من كافة الصلاحيات لتحقيق هذا التأهيل، مع إرسال المهندسين والفنيين الحديثي التخرج -الذين سيتم تعيينهم لسد العجز- للتدرب على المنظومة الجديدة للصيانة في ورش الدولة المعاونة في توريد الكفاءات.

ومن الضروري إنشاء صالة اختبار للجرارات يتم فيها الكشف على كل دوائر الجرار وأجهزته قبل القيام برحلته اليومية، وكذلك الكشف على أجهزة التحميل والفرامل الخاصة بالعربات، وتتبع الحالة الداخلية للعربات يوميا لإصلاح ما يلزم، وعمل آلية سريعة لنظافتها بالمحطات وورش الصيانة.

5- تهالك معدات السلامة بالمحطات والمزلقانات:
تستخدم الهيئة معدات للسلامة والأمان ميكانيكية كثيرة التعطل لقدمها، وقد انتهى استخدام مثل هذه المعدات في معظم دول العالم لكثرة تعطلها وعدم أمانها، وأحِلّت مكانها معدات إلكترونية تحقق مزيدا من الأمان والسلامة للقطارات.

اقتراح الحل: عمل خطة لإلغاء المعدات الميكانيكية وإبدالها بالمعدات الإلكترونية المتصلة بكوابل ممتدة إلى أبراج المراقبة في المحطات والمزلقانات، مع تحديث هذه أبراج.

من الضروري إنشاء صالة اختبار للجرارات يتم فيها الكشف على كل دوائر الجرار وأجهزته قبل القيام برحلته اليومية، وكذلك الكشف على أجهزة التحميل والفرامل الخاصة بالعربات، وتتبع الحالة الداخلية للعربات يوميا لإصلاح ما يلزم، وعمل آلية سريعة لنظافتها بالمحطات وورش الصيانة


6- تعطل أجهزة الأمان والتتبع بالقطارات:
لا تعمل أجهزة الأمان والإنذار (ATC) في الجرارات، بل إنها غير موجودة أصلا في معظم الجرارات؛ وهي بمثابة الصندوق الأسود للجرار الذي يسجل كل ما يحدث في كابينته، كما أنها تعطي إنذارا للسائق في حالة تجاوزه للسرعة.

وقد أدخلت الهيئة جهاز "G.P.S" إلى المرفق عام 2006 بعد كارثة قليوب، من أجل تتبع حركة القطارات وتطوير المرفق. ورغم إنفاق ملايين الجنيهات على تلك الأجهزة فإنها لم تعمل حتى وقتنا هذا، ويبلغ ثمن الجهاز الواحد في كل جرار نحو 250 ألف جنيه.

وقد يوجد الجهاز في الجرار لكنه لا يعمل ولا يتم استخدامه، مع أنه في حالة تشغيل هذا الجهاز فإنه سيقوم بتحديد مكان القطار، وإذا تعطل سيقوم الملاحظ في غرفة التحكم بالاتصال بالقطارات الأخرى على السكة لتفادي وقوع حوادث. ويمكن ربطه–عبر أبراج المراقبة- بلوحة مركزية بالمحطة لبيان مواقف القطارات في نطاق كل محطة.

اقتراح الحل: الالتزام بتركيب أجهزة الأمان في كابينة سائق الجرار، وخاصة جهاز "ATC" وأجهزة التتبع (GPS) التي تربط الموقع الجغرافي للقطار ببرج المراقبة والمحطة، وكذلك الأجهزة الحديثة التي تحقق هذا الأمر.

7- سوء حالة القضبان والفلنكات:
في معظم الخطوط تكون القضبان في حالة سيئة، وتكون وصلات اللحام بين القضبان ليست على النحو المطلوب، كما أن القضبان تكون بحاجة للتغيير وإبدالها بنظام يسمح باستخدام القطارات الفائقة السرعة، وبالنسبة لقطع البازلت -التي تمثل قاعدة الأساس للفلنكات- فإن ما يستخدم منها يكون كبيرا فيسبب حدوث فراغات أسفل الفلنكات وهبوطا في التربة.

اقتراح الحل: استيراد ماكينات تركيب القضبان والفلنكات ودكّ البازلت، واستقدام تكنولوجيا لحام القضبان وفق أعلى معدلات الأمان، وعمل خطة لإحلال وتجديد الخطوط القديمة مع البدء بالخطوط الطويلة لتسمح بمرور القطارات الفائقة السرعة الكهربائية، لتحل محل قطارات الديزل على الخطوط الطويلة.

8- الحالة السيئة لعربات الركاب:
من أسباب حوادث السكك الحديدية بمصر أن أوضاع عرباتها سيئة جدا، وصيانة العربات لا تتم إلا من الخارج فقط، لكن جسم العربة نفسه لا يتم إصلاحه. ولأن أغلبية العربات تجاوزت عمرَها الافتراضي فإنها بحاجة إما إلى "تكهين" أو إحلال وتجديد ما يصلح منها.

اقتراح الحل: رفع الطاقة الاستيعابية لمصنع سيماف لتصنيع عربات السكك الحديدية، وتجهيزه بالمعدات اللازمة لرفع كفاءته لاستيعاب خطة متكاملة للتجديد الكامل لعربات القطارات الصالحة للتشغيل، على أن يُعهد إلى كفاءة أجنبية بوضع خطة الإحلال والتجديد والإشراف عليها ومتابعتها.

9- عدم تطبيق شروط السلامة:
لا توجد إجراءات للأمان والسلامة من الحرائق والحوادث الطارئة داخل القطارات أو المحطات، وقد كُتب كثير من التقارير في هذا الأمر ولكن لم يتم التعامل معها بروح المسؤولية والخوف على أرواح الناس، ونذكر كلنا الذين احترقوا في حادثة محطة مصر وظلوا يهرولون يمينا ويسارا ولا من منقذ ولا مغيث لهم.

اقتراح الحل: تأسيس منظومة للأمان والسلامة في القطارات والمحطات وعلى طول الخطوط تقوم عليها إدارة مختصة، على أن تتولى كفاءات أجنبية تحديد مكونات المنظومة والالتزام بتنفيذ ما تطلبه من تدابير وإمكانيات.

10- التفاوت الكبير في الأجور:
يحصل السائق على حافز شهري لا يتجاوز 70 جنيهاً بينما يتقاضى مهندس التشغيل ستة آلاف جنيه؛ طبقا لأحد كشوف الحوافز التي تم صرفها لعمال ومهندسي الهيئة في ديسمبر/كانون الأول 2017. ويشكو عدد كبير من العمال والفنيين وسائقي الجرارات والإداريين بالسكة الحديدية من وجود تفاوت في الرواتب والحوافز الشهرية.

ويتقاضى بعض القيادات والمستشارين رواتب كبيرة جداً لا تناسب حجم وظيفتهم، مثل ما أثير مؤخرا من أن نائب رئيس الهيئة كانت تصرف له حوافز ومكافآت تعدت 62 ألف جنيه شهريا، بينما يأخذ السائق 45 جنيهاً على مشوار الإسكندرية مع أنه يقود قطاراً ثمنه أكثر من 100 مليون جنيه، وذلك لأنه يحاسب على الكيلو بمعدل قديم لم تتم زيادته.

اقتراح الحل: أقترح أن تقوم كفاءة أجنبية بوضع لائحة المكافآت والحوافز والجزاءات المعتبرة في مثل أعمال الهيئة، وتوجيه العمالة الزائدة إلى أعمال منتجة أو التحويل للمعاش المبكر لمن ليست لديه القدرة على التحويل المهني.

لا توجد إجراءات للأمان والسلامة من الحرائق والحوادث الطارئة داخل القطارات أو المحطات، وقد كُتب كثير من التقارير في هذا الأمر ولكن لم يتم التعامل معها بروح المسؤولية والخوف على أرواح الناس، ونذكر كلنا الذين احترقوا في حادثة محطة مصر وظلوا يهرولون يمينا ويسارا ولا من منقذ ولا مغيث لهم


11- عدم استغلال طاقة الهيئة لنقل البضائع:
تمثل نسبة مشاركة الهيئة في نقل البضائع نسبة لا تتجاوز 1.2% من إجمالي حركة النقل في مصر، وهذه نسبة ضعيفة للغاية مقارنة بالمعدلات العالمية، حيث يصل نقل البضائع في أميركا إلى استخدام 80% من طول السكك الحديدية لنقل البضائع البالغ 250 ألف كيلومتر.

كما أن عدم استغلال هذه الطاقة بمصر فيه إهدار لطاقة الهيئة وإهدار لدخل كبير يمكن أن تحققه الهيئة إذا تم تنظيم نقل البضائع بين المدن، وبين المدن الصناعية والمدن التجارية، وبين المدن الصناعية والموانئ البحرية، وبين الموانئ والمدن المصرية.

ويقلل الاستغلال الأمثل لذلك الضغط على الطرق فيخفف ازدحامها، ويوفر استهلاك الوقود في النقل، ويعظم إيرادات الهيئة بطريقة كبيرة. ويجب كذلك استغلال الأراضي المملوكة للهيئة داخل نطاق المدن لتعظيم إيرادات الهيئة بالمشاركة أو حق الانتفاع.

12- استمرار العمل بآلية التذاكر:
وذلك رغم أن العمل بهذه الآلية انتهى في كثير من الدول لعدم وجود آلية لإحكام الرقابة عليها، وضياع حقوق الهيئة بدرجة كبيرة. ولذلك فإنه يجب تغيير هذه الآلية إلى الكارت المسبوق الدفع، على أن يُراعى أن من يستخدمه يوميا له الحق في تخفيض قيمة الكارت، ومن يستخدمه بصورة غير منتظمة له تسعير آخر.

يجب اتخاذ التدابير اللازمة لإحكام دفع الأجرة وعمل تطبيق لمعرفة حركة القطارات على مستوى الجمهورية، ليكون ذلك دليلا للمسافر ولتعظيم إيرادات الهيئة.

المصدر : الجزيرة