محمد يتيم

محمد يتيم

مفكر وقيادي إسلامي مغربي

أي بشاعة أكبر من أن ترى جثة الأبرياء الآمنين الراكعين الساجدين في المساجد، أو الذين يتلون صلواتهم وترانيمهم في الكنائس؟ وأي بشاعة أكبر من أن ينسب ذلك إلى "الجهاد"؟ وأي إمعان عن جهل أو سابق إصرار وترصد من خصوم الإسلام -ممن اصطنعوا أو مكنوا لتنظيمات تنسب نفسها إلى الجهاد- أفظع من الإمعان في تنفير الناس من الإسلام ومن الجهاد الحق باعتباره مقاومة للعدوان؟

أصبح من اللازم تحرير مفهوم "الجهاد" الذي خضع لعملية اختطاف وتشويه ممن يُسمَّوْن "الجهاديين"، تماما كما يتعين تحرير مفهوم "الدولة الإسلامية" التي خضعت لعملية اختطاف من قِبل تنظيم "داعش". وكذلك أصبحت الحاجة ماسة إلى إبراز جمالية الجهاد في الإسلام بتخليصه من الصورة القبيحة التي أصبح يقدَّم بها إلى العالم.

لقد واجه عدد من علماء الإسلام ومفكريه المعاصرين -في إطار تأكيد جمالية الجهاد- شبهات روجها المستشرقون الذين حاولوا تقديم الإسلام على أنه قد انتشر بالسيف.

ونحن اليوم أمام ممارسات تختطف مفهوم "الجهاد" وتصور "الدولة الإسلامية" و"مجاهديها" في شكل مجموعات متعطشة للدم، تتباهى بقطع رؤوس الأسرى، وتُثخِن قتلا في الأبرياء المسالمين بعمليات انتحارية، سُمِّيت زورا وبهتانا عمليات "جهادية"، استنادا إلى فتاوى لا محل لتطبيقها في السياق المعاصر، من قبيل جواز قتل المتمترس ولو أدى ذلك إلى قتل غير المحاربين!

ومن المؤكد أن الفقهاء الذين قالوا بمثل هذه الفتاوى لو تيسر لهم أن يعاينوا كيف أصبحت فتاواهم تُستخدَم لترويع الأبرياء وأخذهم رهائن، وتفجير القنابل البشرية في الأسواق والتجمعات العامة، بل وفي أماكن العبادة -بما فيها المساجد على اعتبار أنها مساجد "للروافض" أو العكس- وكيف تستخدم تلك الفتاوى لتبرير مهاجمة الأبرياء في الفنادق والساحات العامة في بلاد الغرب؛ فإنهم -دون شك- سيعيدون النظر في تلك الفتاوى وهم يَرَوْن كيف أصبحت تبرَّر بها أعمال تتنافى مع روح الإسلام، وتتناقض مع مفهوم الجهاد وضوابطه وأخلاقه.

وبالرجوع إلى فقه الجهاد في كتب الفقه الإسلامي؛ نجد أن الفقهاء قد ميزوا بين نوعين من أنواع الجهاد: جهاد الدفع وجهاد الطلب. والمقصود بالأول: دفع العدوان عن الأمة حين تتعرض له؛ وهو واجب، وقد يتحول إلى فرض عين إذا لم تتحقق الكفاية من الجيش الموكول إليه واجب حماية البلاد والعباد من العدوان.

نحن اليوم أمام ممارسات تختطف مفهوم "الجهاد" وتصور "الدولة الإسلامية" و"مجاهديها" في شكل مجموعات متعطشة للدم، تتباهى بقطع رؤوس الأسرى، وتُثخِن قتلا في الأبرياء المسالمين بعمليات انتحارية، سُمِّيت زورا وبهتانا عمليات "جهادية"، استنادا إلى فتاوى لا محل لتطبيقها في السياق المعاصر، من قبيل جواز قتل المتمترس ولو أدى ذلك إلى قتل غير المحاربين!


والمقصود بالنوع الثاني المبادأة بغزو البلاد غير المسلمة بعد دعوتها إلى الإسلام، وتخييرها بين ثلاثة أمور: الإسلام أو الجزية أو القتال. وقد اختلف الفقهاء في وجوب هذا النوع؛ فذهب بعضهم إلى أن جهاد الطلب -وغزو العدو مرة كل سنة- فرض على الأمة، بينما جعله البعض بابا من أبواب "السياسة الشرعية" الخاضعة للتقدير والمصلحة.

ودون شك؛ فإن بعض الأحكام الفقهية ذات الصلة بالجهاد إنما هي أحكام مرتبطة بعصرها، ومتأثرة بموازين القوة التي كانت سائدة في العالم آنذاك والعلاقة بين القوى الدولية حينها، وهي -على كل حال- من اجتهادات السياسة الشرعية المحكومة بعدد من الاعتبارات، ومنها فقه المآل.

ومن خلال التأمل في مفهوم الجهاد وآراء العلماء المعتبَرين ممن تحدثوا فيه؛ نقف على ثلاث ملاحظات كبرى وهي:
- الملاحظة الأولى: أن الأصل في الجهاد هو رد العدوان، وأن الإذن فيه إنما كان بعد مرحلة طويلة من الأمر بكفّ الأيدي عن القتال، والاكتفاء بإقامة الصلاة والصبر على الإيذاء، وأن الإذن به كان معللا بوضوح بردّ العدوان وردعه.

فقد قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾؛ (سورة الحج/ الآيتان: 39-40). وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ (سورة البقرة/ الآية: 190).

ثم إن القتال حين يصبح لا مفر منه يظل مشروطا بمجموعة من الشروط والضوابط، منها أن يكون حقا في سبيل الله، وألا يتجاوز الحد المأمور به، بحيث يكون الاعتداء مماثلا لحجم الاعتداء الذي تعرضت له الأمة ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ (سورة البقرة/ الآية: 194). وألا يتجاوز المعتدين الظالمين إلى غيرهم من المسالمين من النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء، أو من العُبّاد المتنسكين المنقطعين في صوامعهم وأديرتهم وبيعهم وكنائسه.

فعن أبي عمر الحويني أن أبا بكر -رضي الله عنه- بعث يزيد بن معاوية إلى الشام فمشى معه يشيعه، قال يزيد: إني أكره أن تكون ماشيا وأنا راكب، قال: فقال (أبو بكر): إنك خرجت غازيا في سبيل الله، وإني أحتسب في مشيي هذا معك؛ ثم أوصاه فقال: لا تقتلوا صبيا، ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا، ولا مريضا، ولا راهبا، ولا تقطعوا مثمرا، ولا تخرّبوا عامرا، ولا تذبحوا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكل، ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوه (رواه البيهقيُّ).

- الملاحظة الثانية: أنه في حالة جهاد الطلب لم يكن السيف يوما وسيلة لإجبار الناس على الدخول في الإسلام، وإنما كانت القوة إزاحة للطغاة والمتجبرين المتسلطين على رقاب الناس، والذين يحُولون دونهم ودون حرية الاختيار الديني، بل إنه دفاع عن حرية المعتقد وممارسة حق العبادة بالنسبة لأهل الأديان الأخرى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾؛ (سورة الحج/ الآية: 40).

- الملاحظة الثالثة: عدم حصر الجهاد في القتال؛ إذ ليس القتال إلا شعبة من شعب الجهاد، فمفهوم الجهاد أعم من القتال لأنه شامل لكل أنواع الجهد المبذول لنصرة الحق وإقامة العدل. يقول الدكتور يوسف القرضاوي بعد استعراض بعض تعريفات الجهاد عند الفقهاء: "الجهاد يشمل: عمل القلب بالنية والعزم؛ وعمل اللسان بالدعوة والبيان؛ وعمل العقل بالرأي والتدبير؛ وعمل البدن بالقتال وغيره". (فقه الجهاد: دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنّة؛ للدكتور يوسف القرضاوي).

وخلاصة القول هي أن الجهاد يعني بذل المسلم جهده ووُسعه في مقاومة الشر ومطاردة الباطل، بدءا بجهاد الشر داخل نفسه بإغراء شيطانه؛ وتثنية بمقاومة الشر داخل المجتمع من حوله، منتهيا بمطاردة الشر حيثما كان، بقدر طاقته. (الدكتور يوسف القرضاوي: فقه الجهاد دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنّة).

إن القتال المشروع في حد ذاته لا يكون كذلك إلا إذا كان في سبيل الله، كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل حمية: أيهما في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (رواه مسلم). وذلك يعني أنه ليس كل ادعاء للجهاد جهادا في سبيل الله، بل قد يكون لأغراض وأهداف أخرى


فالجهاد يدخل فيه إذن جهاد النفس وترويضها للاستقامة على الدين، ويدخل فيه الجهاد العلمي، حيث دعا الإسلام إلى النفير للعلم؛ فقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ (سورة التوبة/ الآية: 122).

ويدخل في مفهوم الجهاد أيضا الجهاد بالمال، فما ذكر الجهاد بالنفس في القرآن إلا مقرونا بالجهاد بالمال؛ ويدخل فيه العمل السياسي والوقوف في وجه حكام الجور والصدع في وجههم بكلمة الحق، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان: عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر».

ويدخل في المفهوم الواسع للجهاد أيضا بِرُّ الوالدين وخدمتهما، فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد».

وتدخل فيه مساحات واسعة من العمل الدعوي والتعليمي والتربوي واستنهاض جهود الأمة، وكل عمل من أعمال الخير والبناء فهو يدخل ضمن نطاق "في سبيل الله"، كما فسر به غير واحد من العلماء معنى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ (سورة التوبة/ الآية: 60).

وقد ورد في كثير من الأحاديث بيان أفضلية أعمال بعينها حتى على القتال في سبيل الله، بحسب اختلاف الأشخاص والأوضاع والسياقات وواجب الوقت، كما أن القتال في سبيل الله قد يكون أفضل الجهاد حسب اختلاف الأشخاص والأوضاع وواجب الوقت.

ثم إن القتال المشروع في حد ذاته لا يكون كذلك إلا إذا كان في سبيل الله، كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل حمية: أيهما في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (رواه مسلم). وذلك يعني أنه ليس كل ادعاء للجهاد جهادا في سبيل الله، بل قد يكون لأغراض وأهداف أخرى.

لكن.. لماذا أذن الله للمسلمين في القتال بعد الهجرة؟ من خلال التأمل في آيات القتال ونسخ الحكم الذي كان ساريا خلال المرحلة المكية، حيث أمر الله المؤمنين بكفّ اليد والصبر وعدم الرد على الأذى بأذى مثله؛ يتضح ما يلي:

1- أن الإسلام لم يكن البادئ بالقتال، بل إن الإذن بالقتال جاء ردا على جريمة العدوان الذي شنته قريش بإخراج المهاجرين من أرضهم وديارهم، وتجريدهم من ممتلكاتهم لمجرد مخالفتهم لهم في دينهم واتّباعهم للدين الجديد.

فقد قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾؛ (سورة الحج/ الآية: 39-40). وقال تعالى أيضا: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَتَخْشَوْنَهُمْ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ (سورة التوبة/ آية: 13).

والأكثر من ذلك أنهم خططوا لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وبيّتوا ذلك، هذا فضلا عما ارتكبوه من جرائم في حق المستضعفين من المؤمنين تنكيلا وتعذيبا لهم، وإخراجا لهم من ديارهم ومصادرة لأموالهم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ (سورة الأنفال/ آية: 30).

وفي وقت وجيز من مجيء الإسلام؛ أصبحت "الدولة" الإسلامية الجديدة آنذاك -بحكم أنها صاحبة رسالة تحررية عالمية- تحمل مسؤولية السهر على نشر قيم العدل والحريّة والمساواة، وتحرير الإرادة الإنسانية وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها؛ ولذلك سرعان ما ستنطلق لنشر هذه الرسالة، وإزاحة "الأنظمة" التسلطية التي كانت قد استعبدت شعوبها آنذاك


2- نكثهم للعهود والأيمان؛ قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ، اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ، إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ، فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ –يَعْلَمُونَ، وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾؛ (سورة التوبة/ الآيات: 7-12).

3- نصرة المستضعفين المظلومين؛ فالجهاد أداة ردعية لإيقاف الظالمين عند حدهم، وهو تدافع لوْلاهُ لانتصر الظلم والفساد، والإذن به من فضل الله على العالمين، فهو وسيلة لتحرير الأرض من الظالمين وتخليصها من إفسادهم للأرض، وتحرير للمستضعفين من سطوتهم، وإنهاءٌ لسطوتهم وإرهابهم للمستضعفين المتطلعين إلى الحرية.

قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾؛ (سورة النساء/ الآية: 75). وقال تعالى أيضا: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ (سورة البقرة/ الآية: 251).

إذن وفي وقت وجيز؛ أصبحت "الدولة" الإسلامية الجديدة آنذاك -بحكم أنها صاحبة رسالة تحررية عالمية- تحمل مسؤولية السهر على نشر قيم العدل والحريّة والمساواة، وتحرير الإرادة الإنسانية وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها؛ ولذلك سرعان ما ستنطلق لنشر هذه الرسالة، وإزاحة "الأنظمة" التسلطية التي كانت قد استعبدت شعوبها آنذاك.

وتلك هي الرسالة التي حملها الجندي المسلم ربعيُّ بن عامر حين دخل على رستم قائد الفرس؛ فعندما سأله: ما الذي جاء بكم؟ أجابه: الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". (البداية والنهاية، ابن كثير).

المصدر : الجزيرة