محمد سليمان الفكي

محمد سليمان الفكي

كاتب وروائي سوداني

كتب الشفيع خضر مقالة/ دعوة نرى أن بها ملمحا صادقا يشير إلى ما من شأنه تصحيح المعوج، وتقويم مسار أهل الحكم والسياسة في سودان اليوم. والملمح الذي لاح لنا خالص النية هادف المقصد أثار ردود أفعال، منها المخاصم ومنها المتردد ومنها المنفعل، ودون ذلك، ثم فيها ومنها المستريب المتشكك.

المقالة/ الدعوة ناشدت أقصى اليمين وأقصى اليسار نظرا لأن تاريخ السودان يكاد يكون صراعا بين الفئتين، ثم إن الانقلابيْن الأكثر طولا -بحساب العقود والأعوام- اللذين قوضا مسار الديمقراطية في البلاد، ودفعاها صوب الدكتاتورية دفعا؛ جاءا من جموع اليسار مرة ومن الإسلاميين مرة أخرى. وثمة مخاوف من أن ننزلق كَرّةً أخرى إلى منزلق قد أخذ بأقدامنا -على حين غِرّة- من قبلُ، ففعل بها فعل السيل في منحدره.

تنادي مقالة الشفيع -في جوهرها- بما أسمته "مساومة تاريخية" تنتهي بتوافق بين الإسلاميين وأهل اليسار، وتلك مناداة يسمعها من به حياة من الطرفين. ونذكر -في هذا السياق- أن المفكر الفرنسي روجيه غارودي سبق أن قاد حملة تواضعية بين الدين والماركسية المعاصرة في أوروبا، مما عرضه يومها للاتهام بالتحريف والتجديف.

ولا شك أن الشفيع -وهو قارئ ومثقف- يستفيد عن وعي وقصد أو دونهما من أضواء غارودي وماكسيم رودنسون في الدعوة إلى حوار قاصد ينخرط فيه الغريمان.

في السودان؛ يتعين الوضوح والصدع بالقول إن الحوار لا يعني وقف سير العدالة أو تعطيلها، كما لا يعني عدم الإذعان لسيادة القانون ونسيان الشهداء، أو التنازل عن حقوق المظلومين، وكذلك لا يعني الخذلان والنكوص عما اختطته الثورة من أشواق وآمال مدارها حداثة السودان وكرامة الإنسان. وما ينبغي أن ينحو إليه الحوار هو الطرح الموضوعي لقضايا الشأن العام من سياسة وحكم وفلسفة حكم ومؤسسات


لكن في السودان، وفي هذا الاستهلال؛ يتعين الوضوح والصدع بالقول إن الحوار لا يعني وقف سير العدالة أو تعطيلها، كما لا يعني عدم الإذعان لسيادة القانون ونسيان الشهداء، أو التنازل عن حقوق المظلومين، وكذلك لا يعني الخذلان والنكوص عما اختطته الثورة من أشواق وآمال مدارها حداثة السودان وكرامة الإنسان.

ما ينبغي أن ينحو إليه الحوار هو الطرح الموضوعي لقضايا الشأن العام من سياسة وحكم وفلسفة حكم ومؤسسات، وعلى الحوار الرائد ابتداع طرائق يمكن سلوكها للتوافق على عهد وطني ينأى بنا عن نزق الحزبية، وعن مسخرة التاريخ.

نفرٌ من الذين رفضوا دعوة الشفيع ساعة مولدها تمثلوا -بنحو أو آخر- في اليساريين. واليساريون السودانيون لهم فرادتهم، ولهم منا حق الإقرار بأنهم  من أكثر أهل السياسة نُبْلًا، ثم إنهم  مشهود لهم بنظافة اليد ومعروفون بالجهر بالرأي في أحلك الظروف، لكنهم من ناحية أخرى لم يفطنوا لعيب القادرين على التمام.

فهم يملكون القدرة على التقصي والمثابرة، وعندهم الأداة المعينة على التبصر والتحليل والتدبر الذي يفرضه واقع البلاد في نهايات الربع الأول من القرن الواحد والعشرين؛ لكنهم -مع كل ذلك- ظلوا يفاجئوننا في كل آن بالاستعصام بالثبات الأعمى على منطلقات وأفكار منها ما عفى عليه الزمن، وفي أحيان قليلة لا يتورعون عن التمسك بالجمود الذي ينافي مبدأ الديالكتيك، الذي هو أداة لليساريين وغيرهم في فهم الأمور. وهو ما يحولهم على نحو أو آخر إلى سلفية يسارية.

ميزة لأهل اليسار تتبدى في الوضوح والظهور بمظهر الكتلة، الأمر الذي لا ينطبق على الإسلاميين بطيفهم المتولد من أطياف وأطياف؛ فهناك كما ذكر فتحي الضو المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي وجماعة الإصلاح الآن والإصلاح والتجديد وجماعة نصرة الشريعة وغيرهم.

ولا شك أن صورة الإسلاميين قبل انقلاب 1989 أفضل منها أثناء وبعد ثلاثين عاما من الحكم ظهر فيها البون الشاسع بين القول والفعل؛ ففي تلك العقود ثلاثة غابت الحريات في عموديْها حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، كما انتُهكت فيها حقوق الإنسان، وساد القهر والاستخفاف بحياة الناس لدرجة لم تُضْعِف الاقتصاد فحسب، وإنما غيرت أيضا أخلاق العباد وخلقت ضربا من الفساد والنفاق الذي هو في الإسلام أعظم مقتا من الكفر.

لم يعرف السودانيون الاغتصاب والتعذيب إلا في معتقلاتهم، ولم يعرفوا التخويف والابتزاز الفجّ إلا في عهدهم. ومع ذلك؛ في الإسلاميين فئة قليلة -عرفنا بعضها منذ عهد الثانويات والجامعة- ظلت طوال العهد الذي مضى تنأى عما أقبلت به دنيا الانقلاب على جماعتهم. لكن على الإسلاميين -ممن يلقي منهم السمع وهو شهيد- أن يقبَلوا -وهم يُقْبِلون على هذه الدعوة- بمبدأ الحق في العدالة على نحو متحضر متمدن، وإذا فعلوا فسيكونون قد تساموا على أنفسهم وتطهروا مما ألحقوه بالبلاد والعباد من مظالم.

دعوة الشفيع -إن فهمناها في بدئها ومسعاها- ترمي لأن تهيئ لمواضعة انتقالية تمهد لما سينجم عنها من دستور وقانون، وهو أمر إن ذهبت الأمور إلى خواتيمها كائن لا محالة، ذلك أنه سيُرسي الدعائم الفاصلة الحاكمة التي طالبت بها الثورة؛ فالثورة حركة تاريخ تطرأ بُغية تغيير شكل الحكم والأنماط السائدة. وفي الثورات الكلاسيكية يتم التغيير المنشود بالفعل العنيف، لكن -نظرا لتميّز الثورة السودانية بالسلمية واللاعنف- لابد لنا من أطروحات ورؤى تتسم بالجدة والخيال


اجتهد الشفيع في دعوته، غير أنه لم يوفق في عنونتها، مما أدي لسوء الفهم والرفض الابتدائي لها، والعاملون في دنيا الأدب -من رواية وشعر ونقد- يعلمون أن أشق ما في أمرهم هو عنونة القطعة التي ينشؤونها، وثمة كُتّاب مقتدرون يفشلون في ابتداع العنوان المناسب مما ينسحب سلبا على أثرهم، وإن كان طريفا غاية الطرافة جديدا غاية الجدة.

أحسب أن الشفيع لو عنون دعوته بـ"توافقية تاريخية" أو "مواضعة تاريخية" أو "عهد تاريخي" أو حتى "اتفاق تاريخي" لكان قد أحسن، ولما صرف قراءَه عنه منذ الوهلة الأولى، فكلمة "مساومة" في العربية والإنجليزية والفرنسية ذات ظلال غير مريحة، إن لم تكن فجّة. والعنوان هو ما حض على ما ذكرناه آنفا من ردود أفعال قد تنتهي إلى العزوف.

بالنظر المجتهد موضوعيا لهذه اللحظة التاريخية الفارقة التي نعيشها؛ تبدو دعوة الشفيع -التي نأمل ونرجو أن تتحول إلى أطروحة- دعوةً طموحة غاية ما يمكن أن يكون الطموح.

فهي -إن فهمناها في بدئها ومسعاها- ترمي لأن تهيئ لمواضعة انتقالية تمهد لما سينجم عنها من دستور وقانون، وهو أمر إن ذهبت الأمور إلى خواتيمها كائن لا محالة، ذلك أنه سيُرسي الدعائم الفاصلة الحاكمة التي طالبت بها الثورة؛ فالثورة حركة تاريخ تطرأ بُغية تغيير شكل الحكم والأنماط السائدة في المؤسسات التعليمية والاجتماعية.

في الثورات الكلاسيكية يتم التغيير المنشود بالفعل العنيف، لكن -نظرا لتميّز الثورة السودانية بالسلمية واللاعنف- لابد لنا من أطروحات ورؤى تتسم بالجدة والخيال؛ ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾. (سورة التوبة/ الآية: 105)، صدق الله العظيم.

المصدر : الجزيرة