محمد يتيم

محمد يتيم

مفكر وقيادي إسلامي مغربي

نحتت علوم اللغة المعاصرة مفهوما مبدعا هو: حركية المصطلحات أو حركيّة الدليل اللغوي؛ فالمصطلحات وحمولتها الدلالية -حسب هذا المفهوم- لا تثبت على حال بل تتغير بتغير السياق، وتلك قاعدة ثابتة ومطردة في نظام اللغة التي هي الإطار الحامل للمفاهيم.

ويترتب على ذلك توفر الغنى الدلالي للمصطلحات باستمرار، مما يُظهر عبثية محاولة فرض مضمون مفاهيمي أو دلالي لمصطلح معين، من خلال الوقوف به عند لحظة من لحظات تطوره التاريخي.

ثم إن أي عملية للتعامل مع المصطلحات والمفاهيم -ومن ثم مع المعرفة العلمية والإنسانية- عملية خلاقة؛ أي عملية تفكيك وإعادة بناء، أو بلغة عالم النفس السويسري جون بياجيه هي "عملية التكيف"، الذي هو حاصل علاقة جدلية تفاعلية بين الاستيعاب (التفكيك) والتلاؤم (إحداث تعديلات في البنية الذاتية باعتبار أن ذلك شرط ضروري في التطور).

ومن خلال توظيف هذه النظرية، أي نظرية حركيّة الدليل اللغوي والطابع الخلاق للغة والإبداع المتواصل للمصطلحات أو إغناء المصطلحات، التي تنتقل في الزمان والمكان بمفهومها ودلالتها الجديدة باستمرار؛ نتساءل: هل بالإمكان استنساخ العلمانية في العالم الإسلامي؟ وأي موقف هو الأقرب إلى الصواب من هذا المنتَج الفكري الإنساني؟

الحاصل أننا -بالتأمل في العلمانية مصطلحا ومفهوما- نلاحظ أننا إزاء موقفين غير تاريخييْن ولا جدلييْن، ولا يستحضران هذه الحقائق العلمية كما تُقرّ بها علوم اللغة وعلم النفس التكويني، وكما تؤكدها الحركة التاريخية في مجال التفاعل بين الثقافات والحضارات.

إن أنصار تطبيق العلمانية الشاملة -رغم أن كثيرا منهم يدعي أنه يتبنى التحليل التاريخي والجدلي- بعيدون عن التحليل التاريخي، وعاجزون عن التسلح بالفكر النقدي، ومن ثم ينتهون إلى مواقف منغلقة وشمولية، بادعائهم أن لا سبيل للنهضة في العالم الإسلامي إلا باستعارة العلمانية بحذافيرها؛ بل وباستعارة مقطع تاريخي ورؤية من بين عدة رؤى داخل العلمانية ذاتها، أي العلمانية الشاملة


أما الموقف الأول فهو موقف الذين يتبنَّوْن تصورا شموليا للعلمانية، وهؤلاء لا يضعون المصطلح في سياقه التاريخي، أي من حيث إنها صورة من صور العلمانية، أو مجرد مقطع تاريخي هو في حد ذاته مجرد تأويل للعلمانية كما ظهرت للمرة الأولى.

فالصراع اللاحق في القرن التاسع عشر بين الإكليركيين والعلمانيين اليعقوبيين، وبين الريفيين والمدنيين، وبين الملكيين والجمهوريين؛ هو المسؤول عن إعادة بناء ما يسميه بالمر بـ"أسطورة" مليئة بـ"الغلو والشطط"، تتحدث عن أن الثورة الفرنسية قد "كانت على الوجه الأخص تهجما على المسيحية وعلى الديانات كافة".

إن أصحاب الموقف الأول لا يقرؤون العلمانية ويفهمونها بالوظيفة التاريخية التي اضطلعت بها، ويتعاملون معها كمنظومة عقائدية مغلقة وشاملة، تتجاوز الدعوة إلى مناهضة الحكم الثيوقراطي، والفصل بين الدين والدولة إلى الفصل بين الدين والحياة، وبين المجال العام والمجال الخاص؛ بل وتفرض رؤيتها الكونية حتى على الحياة الخاصة للناس.

إن هؤلاء -رغم أن كثيرا منهم يدعي أنه يتبنى التحليل التاريخي والجدلي- بعيدون عن التحليل التاريخي، وعاجزون عن التسلح بالفكر النقدي، ومن ثم ينتهون إلى مواقف منغلقة وشمولية، بادعائهم أن لا سبيل للنهضة في العالم الإسلامي إلا باستعارة العلمانية بحذافيرها؛ بل وباستعارة مقطع تاريخي ورؤية من بين عدة رؤى داخل العلمانية ذاتها، أي العلمانية الشاملة.

وفضلا عن ذلك؛ فإنهم يتجاهلون أن مثل هذه الاستعارة القاصرة هي مستحيلة من ناحية قوانين العمران البشري، ومن ناحية أن كل استعارة لا بد أن تؤول -في نهاية المطاف- إلى عملية تكيف أي إلى عملية استيعاب وتلاؤم، استيعاب يقوم على وعي تاريخي بحركية المفهوم وتحولاته، والتغيرات التي طرأت عليه خلال تاريخه الطويل.

ومن ناحية أخرى؛ فإن كل عملية تكيف تفرض تلاؤما أي نقدا للذات واستفادة من التجربة البشرية، وبالأخص مما أصبح عاما ومشتركا وقابلا كي ينتقل عبر الثقافات والحضارات، أو ما يمكن تسميته بالمشترك العابر للثقافات، أو مشترك ما بين الثقافات، وما يُعرف اليوم أيضا بالمبادئ الكونية المتعارف عليها عالميا. وللإشارة فإن التجربة الغربية قد استفادت من عدة مكاسب من الحضارة الإسلامية بعد أن أخضعت تراثها لعملية استيعاب وتلاؤم.

أما أصحاب الموقف الثاني فإنهم لا يختلفون عن أصحاب الموقف الأول في منهج النظر والتعامل مع المصطلح، وإن كانوا يخلصون إلى نتيجة مخالفة -أي إلى الرفض الشامل للعلمانية- دون أن يميزوا بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية.

أما من حيث المنهج؛ فإنهم يتعاملون مع العلمانية كحزمة متكاملة ولا يميزون بين مستوياتها، كما أنهم لا يستحضرون الوظيفة التاريخية التي اضطلعت بها في سياقها التاريخي، أي من حيث إنها في الجوهر سعي إلى أنْسَنَةِ الدولة وجعلها دولة الإنسان، في مقابل دولة الكهنوت المتسلط ظلما على رقاب العباد باسم الله، والذي كان يشتري بآيات الله ثمنا قليلا.

ولو وقفوا عند تلك الوظيفة وذهبوا إلى جوهر العلمانية -بعيدا عن التأويلات التاريخية والانزلاقات التطبيقية- لوجدوا أنها تلتقي في كثير من الجوانب مع الإسلام.

إننا نرى أن الإسلام مع العلمانية إذا كان يُقصد بها الديمقراطية القائمة على ضمان حقوق الأفراد والجماعات، والعقلانية الضامنة للممارسة الرشيدة، وإذا كان يُقصد بها بناء دولة الإنسان في مقابل الحكم اللاهوتي المطلق، والدولة القائمة على أساس المواطنة والإقرار بحق غير المسلمين في هذه المواطنة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، والدولة القائمة على سيادة الأمة


انطلاقا من ذلك؛ تبدو إعادة تعريف العلمانية -بالعودة بها إلى الأصول قبل ظهور الخلاف- مسألة جوهرية، وهو التعريف الذي ينتقل بالعلمانية من نسق مذهبي مغلق إلى النظر إليها نظرة وظيفية ومقاصدية، أي تسعى للوقوف عند مقاصد العلمانية كما تبلورت في المجتمعات الغربية.

ومن هذه الزاوية؛ يبدو تعريف الدكتور محمد عابد الجابري صائبا، حين رفض من جهة تعريف مصطلح العلمانية باعتباره فقط فصلا للكنيسة عن الدولة، مؤكدا عدم ملاءمته للواقع العربي الإسلامي؛ وحين ذهب -من جهة ثانية- إلى استبداله بفكرة الديمقراطية القائمة على حفظ حقوق الأفراد والجماعات، والعقلانية الضامنة للممارسة السياسية الرشيدة.

فمن الواضح أن الدكتور الجابري أكد -في تعريفه- الوظيفة التاريخية لهذا المصطلح، ولم يقع أسير التعريف الشمولي للعلمانية؛ أي أنه لم ينظر إليها كنسق مغلق أو معتقَد أو مذهب ديني جديد، بل وقف -في تعريفه للعلمانية- عند مقاصدها ووظيفتها التاريخية.

وإذا أردنا أن نرجع إلى السؤال الذي طرحناه، أي: هل يقبل الإسلام بالعلمانية؟ فأستطيع أن أقول إنه يرفضها بالمعنى الشمولي غير التاريخي؛ وهو معها بالمعنى الوظيفي.

أي أن الإسلام مع العلمانية إذا كان يُقصد بها الديمقراطية القائمة على ضمان حقوق الأفراد والجماعات، والعقلانية الضامنة للممارسة الرشيدة، وإذا كان يُقصد بها بناء دولة الإنسان في مقابل الحكم اللاهوتي المطلق، والدولة القائمة على أساس المواطنة والإقرار بحق غير المسلمين في هذه المواطنة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، والدولة القائمة على سيادة الأمة.

فكل ذلك لا يتعارض مع المرجعية الإسلامية للدولة، بل إن المرجعية الإسلامية نفسها هي التي تؤكد أن تكون الدولة دولة إنسان، وترفض أن تعطي للحاكم فيها أية سلطة مطلقة مستمدة من التفويض الإلهي؛ وذلك يتطلب رفع التعارض الموهوم بين فكرة السيادة وفكرة الحاكمية، وبين الطبيعة الإسلامية للدولة وبين فكرة المواطنة.

المصدر : الجزيرة