محمد يتيم

محمد يتيم

مفكر وقيادي إسلامي مغربي

دماء المسلمين هي أرخص دماء على وجه الأرض، وأكبر جرائم الإبادة تُرتكب في حقهم، وأكثر حقوق أهل الأرض ضياعا هي حقوق الشعوب الإسلامية، حتى صاروا أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام!

كم حملت إلينا نشرات الأخبار مشاهد دماء مسلمة أريقت بأدي مسلمين قبل أيدي خصومهم، بدعوى الجهاد، وبسبب فتاوى جماعات الغلو بجواز استهداف المتمترسين!!

كم نقل لنا الإعلام من أخبار عن فظاعات تنسينا ما سبقها من فظاعات!! وهجمات همجية تتطاير معها أشلاء المصلين الركع السجود، أو المتسوقين أو المارة الغافلين الآمنين، والبسطاء من المواطنين في أسواق بغداد وفي عدد من المدن السورية والعراقية والأفغانية المنكوبة بعد الحرب!!

وهجمات أخرى في شكل براميل متفجرة تتقاطر من السماء تسوي البنايات مع الأرض، لتختلط أنقاضها بشظايا الجماجم، فتهلك الحرث والنسل، وتهجر السكان المخالفين للجناة في الانتماء الطائفي!

وجوه غليظة شديدة العبوس عليها لِحًى ليس لها من سمت الإسلام ونوره أي مَلْمح، بل عيون يتطاير منها الشرر والعطش إلى الدم والانتقام حتى من الذات، من خلال العمليات الانتحارية المسماة زورا "العمليات الاستشهادية"، وتفجير الأجسام المعبأة بالمتفجرات أحيانا في المساجد أول ما يصعد الإمام لإلقاء خطبة الجمعة، أو عند أول ركعة أو سجدة وقبل أن تكتمل الصلاة. ومَنْ منا لا يتذكر اللحظات الأخيرة للعالم السوري محمد سعيد رمضان البوطي، الذي يكاد لا يخلو بيت من كتابيْه: "فقه السيرة" و"نفض أوهام المادية الجدلية"!

لم تعد هناك حرمة لأي نفس، بما فيها النفس المؤمنة التي حرمتها عند الله أعظم من حرمة الكعبة. كل الحرمات المكانية والزمانية استُبيحت، ولا إصغاء ولا تدبر لنداء في القرآن كنا نظن أنه موجه فقط للأعراب الأشداء، وجاء ليمحو آثار جاهلية كنّا نعتقد أنها آخر الجاهليات، وهو النداء الذي يقول فيه الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) (سورة المائدة، آية: 2).

ما تقوم به تنظيمات الغلو باسم الإسلام فتتجنّى على الجهاد، وما تقوم به مليشيات أو جيوش سيطر عليها الجنون والحقد الطائفيان من مذابح وجرائم؛ أمر يعجز كل لسان عن وصفه وكل عقل عن فهم مقاصده، ولا يمكن لعقل سليم وقلب مؤمن أن يتصور أن بإمكانه أن يصدر عن أناس لهم صلة بالإسلام عقيدة وأخلاقا وثقافة وإحساسا وذوقا، بل ولا حتى عن أناس فيهم ذرة من إنسانية!


ذلك ما تقوم به تنظيمات الغلو باسم الإسلام فتتجنّى على الجهاد!! وذلك ما تقوم به مليشيات أو جيوش سيطر عليها الجنون والحقد الطائفيان! مذابح وجرائم يعجز كل لسان عن وصفها وكل عقل عن فهم مقاصدها، ولا يمكن لعقل سليم وقلب مؤمن أن يتصور أن بإمكانها أن تصدر عن أناس لهم صلة بالإسلام عقيدة وأخلاقا وثقافة وإحساسا وذوقا، بل ولا حتى عن أناس فيهم ذرة من إنسانية!

أين هؤلاء من أخلاق الحرب في الإسلام وضوابطها؟ أين هم من جمالية الجهاد في نقاوته وصفائه وبهائه؟ الإسلام سنّ تشريعا دقيقا وجميلا حتى في حالة الحرب. فالأصل في شريعة الإسلام الجنوح للسلم لقوله تعالى (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (سورة الأنفال، آية: 61).

والإسلام شرع رد العدوان وحرّم البدء به، وأكد أن رد العدوان ينبغي أن يتحول هو ذاته إلى عدوان جديد لقوله تعالى (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ، فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (سورة البقرة، آية: 194).

وأمر الله تعالى بالقسط في التعامل مع المخالفين والبِرّ معهم ما داموا مسالمين؛ فقال (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (سورة الممتحنة، آية: 8).

والنبي صلى الله عليه وسلم تجنب دخول مكة معتمرا عنوة خشية أن تقع مذبحة يذهب فيها الأبرياء من المؤمنين الذين لم يهاجروا من مكة استجابةً لوحي ربه، كما جاء في قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (سورة الفتح، آية: 25).

فقد ذهب الطبري في تفسير هذه الآية إلى أنه لولا خشية قتل رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لا يعلمهم المسلمون لأذِن الله لهم في دخول مكة، ولسلطهم عليهم، ولكنه لم يأذن لهم في ذلك صونا لمن كان فيها يكتم إيمانه.

وأورد الطبري قولا للضَّحَّاك فيه معنى لطيف آخر، يقول فيه: "لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطؤوا آباءهم فيهلك أبناؤهم"، وفيه حرص ليس على الكفار، بل على ما هو مرجوّ فيما سيخرج مستقبلا من أصلابهم من ذرية مؤمنة.

وهو المعنى الذي ورد في السيرة حين جاء ملَك الجبال إلى النبي صلى الله عليه وسلم -بعد أن لقي ما لقيه من أذى على أيدي مشركي الطائف- يستأذنه في إهلاكهم؛ فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يُخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله ولا يشرك به".

وشرع الإسلام في حالة الاضطرار لرد العدوان مجموعة من الضوابط الأخلاقية، ومنها تجنّب المدنيين المسالمين غير المحاربين، وتوقير أماكن العبادة وعُمّارها، وعدم الاعتداء على البيئة بقطع الشجر، أو قتل بعير أو بقرة أو هدم بنيان.

كما جاء في الحديث -الذي أخرجه أبو داود بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا قال: "انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين".

لقد توسع بعض الخوارج الجدد في استدعاء بعض الفتاوى التي أجازت قتل المحاربين المتمترسين بالمدنيين المسالمين، وأحسب -والله أعلم- أنها فتوى مخالفة لروح الإسلام وهديه وأخلاقه في الحرب، ونزوعه إلى حقن الدماء قدر الإمكان. وأعتقد أنه آن لعلماء المسلمين مراجعة بعض تلك الفتاوى وردها، لأنها صدرت في زمان غير زماننا وسياق غير سياقنا، زمان لم تكن أدوات القتل والتخريب فيه قد بلغت ما بلغته اليوم


وفيما أخرجه البيهقيُّ بسنده عن أبي عمران الجوني أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه بعث يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى الشام فمشى معه يشيعه، فقال له يزيد: إني أكره أن تكون ماشيا وأنا راكب. فقال الصدّيق: إنك خرجت غازيا في سبيل الله، واني أحتسب في مشيي هذا معك، ثم أوصاه الصديق فقال: لا تقتلوا صبيا ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا ولا مريضا ولا راهبا، ولا تقطعوا مُثمِرا ولا تخربوا عامرا، ولا تذبحوا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكل، ولا تغرقوا نخلاً ولا تحرقوه.

ولقد توسع بعض الخوارج الجدد في استدعاء بعض الفتاوى التي أجازت قتل المحاربين المتمترسين بالمدنيين المسالمين، وأحسب -والله أعلم- أنها فتوى مخالفة لروح الإسلام وهديه وأخلاقه في الحرب، ونزوعه إلى حقن الدماء قدر الإمكان.

وأعتقد أنه آن لعلماء المسلمين مراجعة بعض تلك الفتاوى وردها، لأنها صدرت في زمان غير زماننا وسياق غير سياقنا، زمان لم تكن أدوات القتل والتخريب فيه قد بلغت ما بلغته اليوم، خاصة وأنه باسمها اليوم أصبحت جماعات الغلو والتطرّف ترتكب من المجازر وجرائم الحرب ما تقشعر له الأبدان، كما هو شأن التفجيرات التي تقع في بعض البلاد الإسلامية المشتعلة من قبل مجموعات تحوم عشرات الشكوك حول حقيقة ارتباطها وفهمها لروح الإسلام.

بل إنه قد يكون من الظلم للخوارج الأوّلين وصف مثل هذه الجماعات بـ"الخروج" بمعناه التاريخي المعروف، كما آن الأوان لإصدار فتاوى في التفجيرات الانتحارية سدًّا لذريعة ما قد يترتب عنها من أذى يلحق المسالمين من المسلمين وغير المسلمين.

إنه لا يجوز -في تقديري- أن نقارن خوارج هذا العصر حتى بـ"الخوارج" الأوّلين، رغم خروجهم على رابع الخلفاء الراشدين، أي الإمام علي بن أبي طالب، ورغم ما ورد في وصفهم بنص الحديث عن سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ من أنهم قوم "يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ‏"‏.

فإن عليا حين سُئل عنهم: أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: فمنافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا، فلما سُئل: فما تقول فيهم؟ أجاب: إخواننا بغوا علينا!!

كان الخوارج -رغم تكفيرهم لعلي ومن معه من المسلمين- يرعون مبادئ الاستجارة للنصارى والمشركين، ويوفرون الحماية لهم ويؤمنّونهم، على تناقضهم واختلال تصورهم؛ حيث كانوا إذا أصابوا في طريقهم مسلما على غير معتقدهم، قتلوه لأنه عندهم كافر، وإذا أصابوا نصرانيا استوصوْا به وقالوا: تحفظوا ذمة نبيكم!

فقد نُقل عن واصل بن عطاء أنه أقبل في رفقة فأحسّوا بالخوارج، فقال لأهل الرفقة وقد كادوا يهلكون من الخوف: إن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإياهم! فخرج واصل إليهم فقالوا له: ما أنت وأصحابك؟ قال: قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله ويفهموا حدوده. قالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا فجعلوا يعلمونه أحكامهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا صاحبتكم السلامة فقد صرتم إخوانا.

استخدام جماعات الغلو والتطرف إما من خلال صناعتها صناعة مباشرة، أو من خلال اختراقها؛ يأتي ضمن إستراتيجية إشعال المنطقة وشغلها بالحروب الأهلية والصراعات الداخلية، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين.. والتخلص من تلك الجماعات الوظيفية بعد أن تكون قد قامت بمهمتها المرسومة. لذلك؛ فإن مسؤولية العلماء والدعاة والمفكرين هي أن يوضحوا المفاهيم، ويخلّصوا الفقه الإسلامي من بعض الفتاوى التي أصبحت مستنَدا للغلوّ


فقال واصل: بل تبلغوننا مأمننا لأن الله تعالى يقول (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (سورة التوبة، آية: 6)، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلك لكم، فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن!!

خوارج هذا العصر المتأخر يدمّرون آثارا ومعالم حضارية تاريخية مرّ بجوارها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعوهم وتابعو التابعين وكبار علماء هذه الأمة، ولم نسمع منهم فتوى في تدمير تلك الآثار ولو كانت تحتوي على صور مجسمة.

وها نحن اليوم قد سمعنا ما اقترفته أيدي بعضهم من تدمير لتماثيل بوذا، ومن تفجير للمراقد المعظّمة عند بعض "أهل القبلة"، وهي الصورة التي يحب خصوم الإسلام أن يُلصقوها بالإسلام ذاته وعموم المسلمين، مما يؤكد دخول الغلو في إستراتيجية قوى التآمر على المنطقة.

استخدام جماعات الغلو والتطرف إما من خلال صناعتها صناعة مباشرة، أو من خلال اختراقها؛ يأتي ضمن إستراتيجية إشعال المنطقة وشغلها بالحروب الأهلية والصراعات الداخلية، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين.. والتخلص من تلك الجماعات الوظيفية بعد أن تكون قد قامت بمهمتها المرسومة.

لذلك؛ فإن مسؤولية العلماء والدعاة والمفكرين هي أن يوضحوا المفاهيم، ويخلّصوا الفقه الإسلامي من بعض الفتاوى التي أصبحت مستنَدا للغلوّ والانحراف عن روح الإسلام ومنهجه، والتأول في دماء المسلمين وغير المسلمين. لقد آن للدم المسفوح أن يتوقف، ونقطة البداية تنويرٌ فكريٌ واجتهادٌ إسلاميٌ مستنيرٌ من قِبَل علماء مستنيرين.

المصدر : الجزيرة