خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

من هونغ كونغ شرقاً إلى الجزائر غرباً، ومن فرنساً شمالاً إلى تشيلي جنوباً؛ ينتفض العاديّون من أجل التغيير. وتبدو انتفاضاتهم كما لو كانت موجة عالمية ترفض الأسس التي يقوم عليها النظامان الاقتصادي والاجتماعي حالياً.

وقد يكون ثمة تشابه بين هذه الموجة وتلك التي سبقتها قبل عقد من الزمن، إلا أنها هذه المرة تبدو أكثر إصراراً وتحدياً للأوضاع القائمة، وسعياً نحو تغييرها. وهناك ملاحظات عدة يمكن رصدها فيما يخص الانتفاضات الحالية التي يشهدها العالم:

الملاحظة الأولى؛ تتعلق بالمنخرطين والفاعلين في هذه الانتفاضات، وهم -في الأغلب- أناس عاديون ليست لديهم خلفية سياسية بالمعنى المباشر (هذا إذا افترضنا أن السياسة حرفة كما يقول ماكس فيبر!)، خرجوا من أجل التعبير عن مطالبهم بعدما فقدوا الثقة في الطبقة السياسية ببلدانهم، سواء في السلطة أو المعارضة.

أي أنهم جاؤوا من الهامش السياسي وليس من المركز الذي كان يحتكر السياسة لعقود، ولعل هذا ما يشكل مفاجأة كبيرة للسياسيين والباحثين على حد سواء. وهو ما يذكرنا بما كتبه الباحث السوسيولوجي المعروف آصف بيات -قبل عقد- عن "العاديّين" الذين سوف يغيّرون العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

الملاحظة الأولى بشأن هذه الانتفاضات العالمية تتعلق بالمنخرطين والفاعلين فيها، وهم -في الأغلب- أناس عاديون ليست لديهم خلفية سياسية بالمعنى المباشر، خرجوا من أجل التعبير عن مطالبهم بعدما فقدوا الثقة في الطبقة السياسية ببلدانهم، سواء في السلطة أو المعارضة. أي أنهم جاؤوا من الهامش السياسي وليس من المركز الذي كان يحتكر السياسة لعقود


هؤلاء "العاديّون" انتقلوا فجأة من الهامش إلى المركز ليكونوا في قلب الحدث، بحيث أصبحوا محلّ الاهتمام الإعلامي والسياسي، ويحاولون فرض مطالبهم وأجندتهم على ذلك "المركز" الذي تجاهلهم وهمّشهم حتى ثاروا ضده وعليه.

الملاحظة الثانية؛ أن ثمة إصرارا لدى هؤلاء "العادّيين" على عدم العودة إلى ديارهم دون تحقيق مطالبهم، خاصة المطالب الاقتصادية والاجتماعية، حتى ولو تطلّب الأمر استمرار التظاهر والبقاء في الشارع أسابيع وشهورا بل وحتى سنوات، كما هي الحال مع مظاهرات "السترات الصفراء" التي بدأت قبل حوالي عام في فرنسا، ولا تزال تحتل وسط باريس.

ففي هونغ كونغ والجزائر، ومن قبلهما السودان، وصولاً إلى العراق ولبنان حالياً؛ لا يزال المتظاهرون يخرجون إلى الشوارع والميادين المهمّة من أجل الاعتراض على سياسات وقرارات حكوماتهم.

وذلك رغم القمع والقتل والعنف الذي يتعرضون له وراح ضحيته العشرات، سواء في هونغ كونغ أو العراق ومن قبلهما في السودان الذي استمرت انتفاضته من ديسمبر/كانون الأول 2018 وحتى تحقيق مطالبه في أغسطس/آب 2019.

وهي ظاهرة تستحق التوقف والدراسة حيث إنها تذكرنا بمظاهرات الحركات الحقوقية والمدنية والطلابية، التي ظهرت أواخر الستينيات وامتدت حتى منتصف السبعينيات، وساهمت في تغيير العديد من المجتمعات في أوروبا وأميركا.

الملاحظة الثالثة؛ ثمة تكتيكات متنوعة وجديدة يلجأ إليها هؤلاء "العاديّون" في احتجاجاتهم ومظاهراتهم. وفضلاً عن تكتيكات وأساليب الاحتجاج المعروفة كالتظاهر والاعتصام والإضراب؛ هناك أساليب مغايرة كاحتلال الشوارع والميادين، واستخدام التكنولوجيا في المناورة مع السلطات، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي من أجل التغلب على عمليات المراقبة والتضييق التي تمارسها الحكومات عليهم.

ولعل السبب الرئيسي في صمود هذه الاحتجاجات لأسابيع وشهور هو قدرتها على ابتكار وسائل وأدوات جديدة للاحتجاج، تضع السلطات في موضع المدافع أكثر من المهاجم.

الملاحظة الرابعة؛ أنه لا توجد قيادة مركزية للتظاهر والاحتجاج. ويعتمد "العاديّون" على الحراك اللامركزي سواء قيادياً أو جغرافياً. وهي ظاهرة بدأت في احتجاجات 2011 التي لم تكن لها قيادة واضحة، وهو ما ساهم في نجاحها في الإطاحة بأنظمة الفساد والاستبداد، وذلك بغض النظر عن المآلات لاحقاً.

ففي المظاهرات الحالية -سواء في لبنان أو العراق أو هونغ كونغ أو فرنسا- لا توجد قيادة أو زعامة محدَّدة للحراك، وإنما توجد قيادات ميدانية يقتصر دورها على تنظيم الفاعليات والتحركات على الأرض، وليس التحدث باسم الجمهور. وهو ما يعكس نضجاً ووعياً بمآلات احتكار الزعامة أو التحدث باسم الجماهير كمدخل لاستقطاب وتدجين وإفراغ الحراك من مضمونه.

ليس غريباً أن يرفع المحتجون شعارات تطالب برحيل النظام في معظم هذه الانتفاضات، باعتباره المسؤول الرئيسي عما آلت إليه الأوضاع في تلك البلدان. أما المدهش -حتى الآن- في هذه الانتفاضات فهو قدرة هؤلاء "العاديّين" على تغيير قواعد اللعبة، وتحويل الهامش إلى مركز والمركز إلى هامش، بل وإجبار المركز على الانصياع لمطالبهم، وأهمُّها احترام إرادتهم وكرامتهم


ولكن ذلك لم يمنع من ظهور قيادات عفوية وطبيعية من قلب الحراك ذاته، أصبحت ضميره ونبضه وجاهزة للدخول في تفاوض مع السلطات، وذلك كما حدث في الحالة السودانية التي انبثق منها تكتل "قوى إعلان الحرية والتغيير" الذي وُلد في قلب الانتفاضة الثورية، وخرجت منه قيادات تلقائية قامت بالتفاوض مع العسكر والمساهمة في وضع خريطة المرحلة الانتقالية.

أخيراً؛ يهيمن الاقتصادي والاجتماعي على مطالب المحتجين والمتظاهرين شرقاً وغرباً، إلا أن هناك وعيا واضحا بعلاقتهما بالسياسي، ودوره في وصول الأوضاع إلى ما هي عليه الآن. لذا فلا يوجد فصل في مطالب التغيير بين كلا الأمرين.

بل على العكس؛ يرى "العاديّون" المنتفضون أن السياسي هو أصل المشكلة، سواء تعلّق الأمر بالفساد أو بغياب العدالة الاجتماعية، أو بالبطالة وغياب الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمعاشات.

لذلك فليس غريباً أن يرفع المحتجون شعارات تطالب برحيل النظام أو النخبة الحاكمة في معظم هذه الانتفاضات، باعتبارهم المسؤولين الرئيسيين عما آلت إليه الأوضاع في تلك البلدان، وذلك كما هي الحال في لبنان والعراق والجزائر وتشيلي وبوليفيا.

أما المدهش -حتى الآن- في هذه الانتفاضات فهو قدرة هؤلاء "العاديّين" على تغيير قواعد اللعبة، وتحويل الهامش إلى مركز والمركز إلى هامش، بل وإجبار المركز على الانصياع لمطالبهم، وأهمُّها احترام إرادتهم وكرامتهم.

المصدر : الجزيرة