محمد يتيم

محمد يتيم

مفكر وقيادي إسلامي مغربي

يبتهج الناظر إلى تجمعات المسلمين بمناسبة إقامة الشعائر والمناسبات الدينية مثل الحج وصلوات الأعياد والجمعة، وما تثيره في النفس من مشاعر الاعتزاز بدور هذا الدين في تهذيب السلوك الفردي، وترسيخ روابط التماسك والترابط الاجتماعي.

لكن تبدو -في الوقت نفسه- مظاهر أخرى تشير إلى "فصام نكد" في السلوك الفردي والجماعي بين معاني التوحيد وقيم الإسلام في عدد من مظاهر السلوك الفردي والجماعي، إلى الحد الذي يكاد يجعلنا نجزم بوجود منظومتين قيميتين تصوغان وتؤثران في السلوك الفردي والجماعي للمسلمين، الأولى تجد أصلها في أحكام الإسلام وقيمه، والثانية تمتاح من ثقافة التخلف وعصور الانحطاط.

لماذا أصبح الواحد منا يستشهد بمظاهر التحضر في السلوك الجماعي للشعوب الأوروبية، فنضرب بهم الأمثال وقد كنّا مضرب الأمثال؟ لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حين يأمرنا بالنظافة ويحثنا عليها يحذرنا من التشبه ببعض أهل الأديان الأخرى في زمانه في ضعف عنايتهم بالنظافة؟

ألم تنقلب المعادلة اليوم وصرنا مضرب الأمثال في قلة الاهتمام بالنظافة، وصارت شوارعنا وأفنيتنا أشبه بتلك الحالة المتخلفة التي حذّر منها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

لماذا أصبح الواحد منا يستشهد بمظاهر التحضر في السلوك الجماعي للشعوب الأوروبية، فنضرب بهم الأمثال وقد كنّا مضرب الأمثال؟ لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حين يأمرنا بالنظافة ويحثنا عليها يحذرنا من التشبه ببعض أهل الأديان الأخرى في زمانه في ضعف عنايتهم بالنظافة؟


أي درجة من التخلف عن أخلاق الإسلام وثقافته تلك التي وصلنا إليها، حين صرنا غير قادرين على تأمين نظافة شوارعنا، وصرف مياهنا العادمة وتأمين نقلنا العام، حتى أصبحنا في حاجة إلى استدعاء شركات "الكفار" كي تتولى القيام بهذه الشُّعبة من شُعَب الإيمان، وتلك الخصلة من خصاله؟

ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"؟ وهل يستقيم في العقل أنه بالإمكان إتيان أعلى درجات الإيمان والإحسان فيها ما دمنا مخفقين في التي هي أدنى؟

لماذا هذه التفاوتات الصارخة بين الدول والشعوب الإسلامية؟ ولماذا لا يزال الفقر والأمية والجهل والأمراض المتنقلة وارتفاع نسب الوفيات وأعداد قياسية من ذوي الاحتياجات الخاصة منتشرة في الأغلبية الساحقة من المجتمعات الإسلامية؟ والواقع أنه لو طبق المسلمون فعلا مفهوم التعاون الذي جعلوه عنوانا لمنظمتهم "منظمة التعاون الإسلامي"، لما وجد فقير في العالم الإسلامي.

لماذا يقع هذا والمسلمون يحتفلون كل عام بالهجرة النبوية، ويسردون وقائعها ومنها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي لم تكن عواطف جياشة فحسب، وإنما كانت تقاسما للمال والسكن والقوت، لدرجة أن من آخى بينهم الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعضهم يرث بعضا.

وهو على ما يظهر كان إجراء اضطراريا سنّه النبي صلى الله عليه وسلم في حالة خاصة، هي حالة الهجرة من مكة إلى المدينة، وما ترتب عنها من مصادرة أملاك وأموال المهاجرين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقرروا اتباع الحق الذي جاء به.

لماذا حين يزورن المدينة يتذكرون بيت أبي أيوب الأنصاري الذي اقتسمه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينتقل إلى حجراته بعد بناء المسجد، ولا يتعظون بهذا الدرس؟ ولماذا لا يتعظون حين يقفون عند المكان الذي كان يرابط فيه "أهل الصفة" متفرغين لحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أصابهم الفقر لتركهم أعمالهم وتجارتهم إلى أن نزل القرآن ينبه على أن هؤلاء ينبغي أن يكونوا من "مكفولي الأمة"، وأن يُقسَم لهم سهم من الزكاة، خاصة أنهم هم الفقراء المتعففون الذين لا يسألون الناس إلحافا؟

لماذا أقامت الدول الأوروبية وحدتها -من خلال الاتحاد الأوروبي بمؤسساته المختلفة وعملته وسياسته الخارجية الموحدة- باستشعارها أنها تواجه مصيرا مشتركا وتهديدات واحدة، فكان أن مدت أيديها إلى أميركا لينشأ أكبر حلف عسكري في تاريخ البشرية وهو حلف شمال الأطلسي (الناتو).

إذا لم نستجب للغة العقيدة الموحدة والمحفزة على العمل المشترك، فلماذا لا نستجيب على الأقل للغة المصالح المشتركة فنحقق على الأقل اندماجا اقتصاديا، أو فكرة "الكومونولث" التي حلم بها المفكر المسلم مالك بن نبي رحمه الله، فمات وفي نفسه غصة من واقع التخلف الذي عليه المسلمون


هذا مع أن أوروبا فعلت ذلك ولمّا تهدأ بعدُ جراحات حربين عالميتين قاتل فيهما الأوروبيون بعضهم بعضا، وسقط فيهما أكبر عدد من الضحايا في تاريخ البشرية، ثم ليعيدوا بناء أوروبا موحدة، ولينتصروا على جدار برلين الذي قسم القارة بعد الحرب العالمية الثانية إلى أوروبا رأسمالية واُخرى اشتراكية شيوعية؟

لماذا فعلوا ذلك والجامعة العربية –وكذلك نظيرتها منظمة التعاون الإسلامي- بقيتا هياكل فارغة من المضمون وكأنهما أسستا لتعميق الخلافات الثنائية وإذكاء روح الخلاف وتوسيع دائرته بين الدول العربية وبين الدول الإسلامية؟

إذا لم نستجب للغة العقيدة الموحدة والمحفزة على العمل المشترك، فلماذا لا نستجيب على الأقل للغة المصالح المشتركة فنحقق على الأقل اندماجا اقتصاديا، أو فكرة "الكومونولث" التي حلم بها المفكر المسلم مالك بن نبي رحمه الله، فمات وفي نفسه غصة من واقع التخلف الذي عليه المسلمون، بل وعلى اقتناع فلسفي بأن الإنسان العربي الحالي -إنسان الغريزة أو ما بعد الحضارة- لم يعد مؤهلا للقيام بفعل حضاري؟

المصدر : الجزيرة