خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

إذا كانت الموجة الأولى للربيع العربي قد انطلقت لأجل مطالب سياسية، كالحقوق والحريات ووقف عملية القمع والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان؛ فإن الانتفاضات والاحتجاجات الحالية تحركها مطالب اقتصادية واجتماعية واضحة، وذلك نتيجة لفشل السياسات الاقتصادية للسلطويات العربية، وتورطها في حالات فساد كبيرة كما هي الحال في العراق ومصر ولبنان.

ويبدو أن ملف فساد الطبقة السياسية هو المهيمن على أجندة الشعوب العربية الآن، والدافع الأساسي لتحركها الحالي ضد النخب السياسية التي فشلت في تحقيق مطالب وطموحات الشعوب العربية، رغم وعودها البرّاقة. وتكشف تطورات الحالة السياسية العربية خلال الشهور والأسابيع الماضية عن ظاهرة تبدو مشتركة بين عدد من البلدان، وهي فقدان الشعوب للثقة في النخب والطبقة السياسية، ورفضها استمرار الوجود السياسي لهذه الطبقة.

وقد تُرجم ذلك سواء في اللجوء للشارع والتظاهر من أجل رفض استمرار هذه الطبقة في السلطة والمطالبة بوقف فسادها ومعاقبتها عليه، كما يحدث في العراق ومصر حالياً ومن قبلهما السودان والجزائر والأردن؛ أو من خلال صناديق الاقتراع حيث عاقب الناخبون هذه الطبقة ممثلة في الشخصيات والأحزاب السياسية.

وذلك كما حدث في تونس أخيراً عبر الانتخابات الرئاسية التي وصل إلى جولتها الثانية اثنين من المرشحين لا ينتميان للطبقة السياسية المعروفة، وهما أستاذ القانون قيس سعيّد ورجل الأعمال نبيل القروي وفاز بها الأول باكتساح.

تُرجم فقدان الشعوب للثقة في النخب والطبقة السياسية، سواء في اللجوء للشارع والتظاهر من أجل رفض استمرار هذه الطبقة في السلطة والمطالبة بوقف فسادها ومعاقبتها عليه، كما يحدث في العراق ومصر حالياً ومن قبلهما السودان والجزائر والأردن؛ أو من خلال صناديق الاقتراع حيث عاقب الناخبون هذه الطبقة ممثلة في الشخصيات والأحزاب السياسية كما حصل في رئاسيات تونس الأخيرة


وفي العراق؛ من الواضح أن الفساد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة بين من يُفترض أنهم نواب الشعب وممثلوه والمدافعون عن حقوقه. حيث يحتل العراق المرتبة الـ168 من بين 180 دولة في مؤشر الشفافية الدولية، وقد استشرى فيه الفساد ووصل إلى مستويات غير مسبوقة.

كما أنه رغم إحالة عدد من المسؤولين والسياسيين إلى القضاء بسب تورطهم في الفساد؛ فإن أحداً لم يُحاسب على فساده حتى الآن. ورغم وجود مجلس أعلى لمكافحة الفساد فإنه لم يفعل شيئاً للتقليل من أو القضاء على ظاهرة الفساد في المصالح الحكومية وبين النخبة السياسية.

وحسب تقرير لصحيفة "العربي الجديد" نُشر في مايو/أيار الماضي؛ فإن جهات رقابية في العراق تقدر حجم الأموال التي فقدها العراق جراء عمليات الفساد بأكثر من 450 مليار دولار، من أصل 900 مليار دولار حصل عليها العراق من عمليات بيع النفط خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية.

وهناك من يؤكد أن الرقم أعلى بكثير بسبب المنح الدولية التي سُلّمت إلى العراق بعد عام 2003 وتبلغ عشرات المليارات من الدولارات، إضافة الى عوائد أخرى حصل عليها العراق غير تلك المتحصلة من النفط. وهذه ليست المرة الأولى التي ينتفض فيها العراقيون احتجاجاً على الفساد، وعلى سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية؛ فقد شهدنا احتجاجات عديدة خلال العامين الأخيرين.

ولكن الاحتجاجات الحالية هي الأكثر عنفاً، حيث سقط حتى الآن أكثر من مئة قتيل وآلاف الجرحى بسبب استخدام الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين. وهو ما دفع الحكومة العراقية لفرض حظر التجوال في بغداد ومحافظات الجنوب، قبل أن تقوم برفعه بعدها بساعات من أجل تقليل التوتر والاحتقان. وهناك أحاديث حول احتمال حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة خلال الشهور القادمة.

أما في مصر؛ فإن ملف الفساد هو الملف الوحيد الذي استطاع أن يحرّك مياه السياسة الراكدة منذ أكثر من ست سنوات. وهو ما أعطى رجل الأعمال محمد علي الزخم الذي حصل عليه منذ ظهوره وحتى الآن. خاصة مع تأكد كثير من النشطاء من الوقائع التي ذكرها، والمتعلقة بفساد القصور والفلل التي يمتلكها السيسي ورجاله وأفراد من عائلته.

وهو ما حرّك الشارع في احتجاجات 20 و27 سبتمبر/أيلول الماضي، والتي كانت الأولى منذ تولي السيسي للسلطة قبل خمسة أعوام. كما أن ظاهرة محمد علي هي في حد ذاتها دليل على الفشل الذريع للطبقة السياسية في مصر وخاصة المعارضة منها؛ فقد فشلت في التعبير عن مطالب الشارع بالطريقة التي فعلها محمد علي، والتي كشفت مدى الانفصام ما بين هذه الطبقة السياسية والناس.

عندما يقارن المواطن العربي بين ادعاءات الفقر و"العوز" التي يرددها حكامه، وسلوكهم الفاسد؛ يكتشف حجم الكذب والتدليس الذي يمارسه هؤلاء الحكام من أجل امتصاص حقوق الشعب والإمعان في إفقاره حتى لا تقوم له قائمة. وهو ما يدفع كثيرا من الشباب إلى الاحتجاج والتظاهر رفضاً لهذا التناقض والازدواجية ما بين الخطاب والسلوك


وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي؛ اضطرت الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، حاولت من خلالها تحسين الأوضاع المعيشية لملايين المصريين، الذين يدفعون ثمن السياسات التقشفية التي تفرضها أجندة صندوق النقد الدولي.

وفي لبنان؛ يبدو ملف الفساد كبيراً ومتشعباً. وقد لعب دوراً مهما في تأجيج وتحريك الانتفاضة الحالية التي تطالب بوضع حد لفساد الطبقة السياسية بمختلف ألوانها ومرجعياتها السياسية والطائفية، وهو ما خصه شعار المتظاهرين: "كلّن يعني كلّن".

عندما يقارن المواطن العربي بين ادعاءات الفقر و"العوز" التي يرددها حكامه، وسلوكهم الفاسد؛ يكتشف حجم الكذب والتدليس الذي يمارسه هؤلاء الحكام من أجل امتصاص حقوق الشعب والإمعان في إفقاره حتى لا تقوم له قائمة. وهو ما يدفع كثيرا من الشباب إلى الاحتجاج والتظاهر رفضاً لهذا التناقض والازدواجية ما بين الخطاب والسلوك.

لذا؛ سيكون من الصعب تخيّل أن تظل الأنظمة والحكومات العربية منخرطة في الفساد، دون أي محاولة للإصلاح ومحاربة هذا الفساد؛ وذلك دون أن تنتفض الشعوب ضدها وتطالب برحيلها مهما كان الثمن، ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي تمكن قراءتها في الاحتجاجات الراهنة بالعراق، ومن قبله مصر.

المصدر : الجزيرة