خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

كيف يمكن أن نقرأ الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في مصر خلال النصف الثاني من سبتمبر/أيلول الماضي؟ وهل نحن إزاء انتفاضة جديدة قد تفضي إلى تغيير النظام الحالي أم مجرد هبّة مؤقتة؟ فقد شهدت الفترة الأخيرة حراكاً شعبياً على خلفية المسألة الاقتصادية والاجتماعية واتهامات بالفساد المالي والاقتصادي للسلطة الحالية.

لقد جاء الحراك هذا بعد ست سنوات عجاف من الخوف والصمت، بسبب السياسات القمعية التي يمارسها النظام ما بين اعتقال، واختفاء قسري، وتصفية، وقتل، ومداهمة للمنازل، وترويع للأطفال والنساء، وتلفيق للاتهامات، وأحكام بالإعدام.

كنّا قد ظننا خطأ أن الشعب المصري ابتلع الخوف بداخله وسكت! وأنه لن تقوم له قائمة بعد سنوات الدم والرصاص؛ ولكننا فوجئنا بأن قطاعاً كبيراً من هذا الشعب بدأ يتحرك وينتفض، ويخرج للشوارع والميادين، ويهتف بما لا يمكن للنظام أن يتخيله أو يستوعبه وهو الرحيل.

إن نظرة سريعة إلى ديناميات الاحتجاجات التي بدأت في العشرين من سبتمبر/أيلول –وما زالت متواصلة- تخبرنا بما يلي:
- أولاً؛ أننا إزاء احتجاجات بدأت أساسا في الأطراف -بالمعنييْن السياسي والجغرافي- ولم تبدأ من المركز، مثلما كانت الحال مع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

فبالمعنى السياسي؛ لم تنطلق شرارة الحراك الحالي من أحزاب أو تيارات أو جماعات أو شبكات سياسية، وذلك على غرار حركة "6 أبريل" أو حركة "كفاية" أو شبكة "خالد سعيد" و"الجمعية الوطنية للتغيير" التي أشعلت ثورة يناير قبل ثمانية أعوام.

جاء الحراك هذا بعد ست سنوات عجاف من الخوف والصمت، بسبب السياسات القمعية التي يمارسها النظام. وكنّا قد ظننا خطأ أن الشعب المصري ابتلع الخوف بداخله وسكت! وأنه لن تقوم له قائمة بعد سنوات الدم والرصاص؛ ولكننا فوجئنا بأن قطاعاً كبيراً من هذا الشعب بدأ يتحرك وينتفض، ويخرج للشوارع والميادين، ويهتف بما لا يمكن للنظام أن يتخيله أو يستوعبه وهو الرحيل


وإنما جاءت الشرارة من خارج التوقعات، ومن داخل النظام نفسه ممثلاً في الظهور المفاجئ للمقاول ورجل الأعمال محمد علي الذي رفع -بشكل مفاجئ- الغطاء عن حالة الفساد والإفساد المالي والاقتصادي والسياسي في قمة هرم السلطة بمصر، والتي أكدّها واعترف بها الجنرال السيسي على الملأ وبحضور مسؤوليه وأنصاره ومؤيديه.

وكان لخطاب علي -الجريء والبسيط في آن معاً- وتحدّيه للنظام دورٌ مهم في تحريك مشاعر الغضب والرفض، التي تراكمت في نفوس المصريين منذ وصول السيسي إلى السلطة قبل خمسة أعوام. وللحق؛ لم يكن ظهور علي -بغض النظر عما إن كان ظهوراً عفوياً أو مرّتباً- سوى شعلة صغيرة تم إلقاؤها على برميل من البارود، فاشتعل وانفجر ولا تزال شظاياه تصل إلى الكثيرين.

وبالمعنى الجغرافي، وعلى العكس من ثورة يناير التي لعبت فيها العاصمة -وخاصة "ميدان التحرير"- دوراً مركزياً في فعالياتها وديناميتها؛ فإن انتفاضة سبتمبر خرجت واشتعلت -ولا تزال- في الأطراف الحضرية والهوامش الريفية.

فعلى مدار الأسبوعين الماضيين انتفضت "مرسى مطروح" في أقصى الشمال الغربي لمصر، والأقصر وقنا وسوهاج في أقصى الجنوب، والسويس في أقصى الشرق، والمنصورة ودمياط في قلب الدلتا المصرية... إلخ. وفي الوقت الذي ركّز فيها النظام وقواته الأمنية على إغلاق الميادين والساحات، خوفاً من أن يحتلها المحتجون وتكون النهاية؛ اشتعلت الأطراف وسجّلت حضورها بقوة، وهو ما يتطلب قراءة متأنية لفهم دلالاتها ودورها في ديناميات ومستقبل الحراك الحالي.

- ثانياً؛ أن الاحتجاجات الأخيرة لم يقدها أبناء الطبقة الوسطى أو الشريحة العليا منها كما كانت الحال في ثورة يناير، بل مثّلت الطبقة الدنيا عصبَها الرئيسي، وهي تلك الطبقة التي طحنتها السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الحالي. وقد خرج هؤلاء بعد أن سقطت سردية النظام عن نفسه من عيونهم، خاصة حول مسألة "الفقر والعوز".

إن كثيرا من أولئك الذين خرجوا لا يتمتعون بالحد الأدنى من الحياة المعيشية، ولا يعرفون من الدولة سوى وجهها القبيح ممثلاً في عصا الأمن الغليظة حين ينتفضون احتجاجاً على ظروفهم المعيشية، وهم يعانون اقتصاديا واجتماعيا وخدمياً. فمن احتجوا في القاهرة خرجوا من مناطقها وحواريها وأزقتها المهمّشة في الورّاق وحلوان والمطرية. وهي مناطق مكتظة سكانياً، وفقيرة تنموياً، ومهمشة اقتصادياً واجتماعياً.

وهم أقرب لمن وصفهم آصف بيات باللاحركات الاجتماعية، وهي مجموعات بشرية غير منظمة وغير مؤطّرة سياسيا وأيديولوجيا وفكرياً، تخرج بشكل مفاجئ كي تعبّر عن سخطها ورفضها للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة، وتعلن تمردها ومقاومتها لها، ويصبح الخروج للشارع هو السبيل الوحيد أمامها. وهؤلاء لا يستطيع النظام وجحافله الأمنية التعاطي معهم بنفس الطريقة التي يتعاطى بها مع النخب السياسية، من خلال التشويه والشيطنة والتخوين والاعتقال.

الاحتجاجات الأخيرة لم يقدها أبناء الطبقة الوسطى أو الشريحة العليا منها كما كانت الحال في ثورة يناير، بل مثّلت الطبقة الدنيا عصبَها الرئيسي، وهي تلك الطبقة التي طحنتها السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الحالي. وقد خرج هؤلاء بعد أن سقطت سردية النظام عن نفسه من عيونهم، خاصة حول مسألة "الفقر والعوز".


وهذه الكُتل واللاحركات يصعب تعقبها ومعاقبتها بسبب عدم وجود سجّلات سياسية أو ارتباطات تنظيمية لها؛ فهي تعيش على الهامش، وباستمرارها في الاحتجاج والرفض للنظام الحالي، سوف تمثلّ صداعاً شديداً له ولقواته، وسوف تتسع رقعتهم كلما اكتسبوا الثقة والجرأة بمرور الوقت.

- ثالثاً؛ أن تكتيكات الاحتجاج وأدواته لم تعد صعبة أو معقدّة كما يظن النظام وأجهزته، بل على العكس من ذلك. فقد نجح محمد علي في أن يهزّ عرش النظام عبر هاتف وكاميرا!! ومثله فعل كثيرون -ولا يزالون- استخدموا نفس الأدوات في الاحتجاج لكسر حاجز الخوف، ومشاركة مشاعرهم مع غيرهم من الغاضبين والرافضين لسياسات النظام الحالي والمطالبين برحيله.

كما أنه في ظل حالة القمع الأمني والسيطرة الإعلامية للنظام على الصحف والقنوات والمجلات، أصبح "العاديون" هم صنّاع الخبر وناقليه عبر كاميرا هواتفهم النقّالة، التي تصل إلى كافة أنحاء العالم خلال دقائق قليلة.

- رابعاً؛ إذا كانت دوافع الانتفاضة الحالية مرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمرّ بها غالبية المصريين، فإنها في عمقها انتفاضة سياسية (هذا إذا افترضنا أصلاً أن ثمة فصلا بين السياسي والاقتصادي!).

حيث إنها تستهدف رأس النظام وتطالب برحيله، ولا تطالب بعمل إصلاحات أو تغييرات في سياساته وإجراءاته؛ وهو ما يمثل قمّة العمل الثوري والاحتجاجي الذي يهدف لتغيير المنظومة بأكملها وليس ترقيعات هنا وهناك.

ولا يمكن بحال اختزال الحراك الحالي في مجرد الرفض والغضب على فساد النظام وحاشيته بسبب مسألة القصور، فهذه القضية ليست سوى الفتيل الذي أشعل نار الغضب الذي راكمته نفوس كثير طيلة السنوات الست الماضية.

أخيراً؛لا تسقط الأنظمة السلطوية بالضربة القاضية بل بالتدريج، وعبر عمل سياسي متراكم ومتواصل. هكذا يُعلّمنا التاريخ القريب؛ فالرئيس السابق حسني مبارك لم يسقط في 11 فبراير/شباط 2011، وإنما سقط قبل ذلك بحوالي ست سنوات، وتحديداً مع أول صرخة أطلقها المناضل اليساري كمال خليل (المعتقل حالياً) في مظاهرة نظمتها حركة "كفاية" أمام جامعة القاهرة في يناير/كانون الثاني 2005، وكان شعارها الأثير: "لا للتمديد، لا للتوريث".

ما فعله المصريون في 20 سبتمبر/أيلول الجاري سيظل نقطة تحول مهمة في الوعي الجمعي قد تأتي ثمارها بعد فترة، وهي بمثابة البداية على طريق طويلة لتغيير الأوضاع الحالية، وتحقيق حلم الحرية والديمقراطية الذي قامت من أجله ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011


وكذلك الأمر مع الدكتاتور السوداني عمر البشير الذي سقط في أبريل/نيسان من العام الجاري، نتيجة لنشاط سياسي دؤوب استثمر في غضب شعبي ظل يتراكم خلال السنوات الست الماضية، وتحديداً منذ احتجاجات سبتمبر/أيلول 2013 التي خرجت في الخرطوم وأم درمان.

كذلك لم يستقل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من منصبه نتيجة للاحتجاجات التي خرجت منذ أواخر فبراير/شباط الماضي فحسب، وإنما سقط الرجل من عيون مواطنيه قبل ذلك بعدة أعوام بسبب إصراره على التمسك بالسلطة، رغم مرضه وإفلاس مشروعه السياسي، وارتفاع تكلفة إصلاحاته الاقتصادية التي تسببت في احتجاجات عديدة بدأت منذ أواخر عام 2016 بعد فرض رسوم وضرائب جديدة، خصوصا في بلديات بجاية والبويرة وتيزي وزو وغيرها.

ما سبق يعني أن تغيير الأنظمة الدكتاتورية لا يحدث فجأة، وإنما من خلال المقاومة المتواصلة حتى تأتي اللحظة المناسبة التي يصبح فيها السقوط أمراً حتمياً.

وخلاصة القول؛ هي أن ما فعله المصريون في 20 سبتمبر/أيلول الجاري سيظل نقطة تحول مهمة في الوعي الجمعي قد تأتي ثمارها بعد فترة، وهي بمثابة البداية على طريق طويلة لتغيير الأوضاع الحالية، وتحقيق حلم الحرية والديمقراطية الذي قامت من أجله ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

المصدر : الجزيرة