الجيش حارس النموذج
السياسي القادم من ملاعب الكريكت

في إحدى المقالات التي نشرتها الصحف المصرية في غمرة التخبط السياسي والأمني الذي أعقب ثورة يناير 2011، أكد الكاتب أن الولايات المتحدة قد اختارت لمصر النموذج الباكستاني في الحكم.

ويقوم هذا النموذج على سيطرة الجيش على عصب الدولة، واقتناصه الجزء الأكبر من ميزانيتها، وتوليه القضايا الخارجية المصيرية مثل العلاقات مع الهند، والمشروعات الداخلية الكبرى مثل ميناء جوادر، وما عدا هذا فهو من مهمات الحكومة المدنية التي يختارها الشعب في انتخابات تبدو وكأنها ديمقراطية تماما!

وقد استبشر كثيرون -في باكستان وغيرها من دول العالم الإسلامي- خيرا بمجيء عمران خان زعيم "حزب إنصاف (=عدالة) باكستان" في رأس السلطة في إسلام آباد بعد انتخابات يوليو/تموز الماضي. ونحن نأمل أن يكون هذا الاستبشار في محله، إلا أن المشهد يجب أن يُقرأ جيدا بعيدا عن عواطف الجماهير وأحلام التغيير المفاجئ، وفي ضوء فهم جيد للسياسات التي تسير عليها باكستان منذ عقود طويلة، ولم تتغير تغيرا حقيقيا منذ أول انقلاب قام به الجيش ضد السلطة المدنية عام 1958.

الجيش حارس النموذج
يوصف الجيش في باكستان بحق بأنه أقوى من الدولة، ويرجع هذا إلى أسباب بنيوية في النموذج السياسي الباكستاني منذ انطلاقه عام 1947؛ إذ كان مقر قيادة الجيش البريطاني بالهند كلها في البنجاب الباكستاني، فكان الجيش أقدم مؤسسات الدولة الجديدة وأشدها تماسكا. وفي المقابل يرجع كثير من الكوادر المدنية الباكستانية الممتازة -ومعهم ملايين آخرون- إلى أصول مهاجرة من الداخل الهندي إبان الانفصال أو الاستقلال.

في حفل تنصيب رئيس الوزراء الجديد بدأت محاولات تلميع عمران بما يلائم نفسية الشعب الباكستاني بظهور زوجته لابسة نقابا لا يبدي إلا عينيها، مما أثار جدلا بين أنصار المظهر الإسلامي وخصومه في باكستان، لكنه في كل حال خاطب وجدان غالبية الناس الذين يرون هذا جزءا من شخصيتهم الوطنية والإسلامية

ولا ينفي هذا الأمر الثراءَ البشري العام الذي تتمتع به باكستان، ولا مشاركة المهاجرين والمقيمين في بناء الدولة، ولا الحب الطاغي الذي يجمع الباكستانيين لصاحب فكرة إنشاء الدولة الشاعر والفيلسوف المعروف محمد إقبال وقائد حركة الاستقلال القائد محمد علي جناح؛ وكلاهما من العمق الهندي المسلم؛ إلا أن هناك خللا في تركيب الدولة ومؤسساتها يسمح بتقسيم السلطة بصورة غير عادلة بين العسكريين غير المنتخبين والمدنيين المنتخبين باشتراك عوامل قومية وتدخلات خارجية (أميركية تحديدا) تدعم وجود هذا النموذج، وإن كان لا يهمها -إلى الآن على الأقل- الاختلاف معه في بعض التفاصيل والمواقف الجزئية.

ومن المؤكد أن السند الأساس لهذا الخلل المستمر هو امتلاك العسكريين للقوة الخشنة للدولة دون أن تكون هناك مؤسسات مدنية متماسكة ولا وعي شعبي كاف قادر على كبح جماح هذه القوة حتى تبقى ضمن حدود وظيفتها. كما أن طبقة السياسيين الباكستانية لا تخلو حياتها وممارساتها هي وعائلاتها من خطايا فساد وانحراف تسهل إقصاءها من السلطة لحظة الصدام مع العسكر تحت غطاء قانوني يشبه أن يكون عدلا ويشبه كذلك أن يكون جورا!

المهم في هذا كله هو أن الدولة في حالتنا هذه مختطفة من الأمة، وتتناقلها أرجل السياسيين والعسكريين تناقل الكرة، إلا أن الذي يحدد قانون اللعب وصحة الأهداف ووقت انتهاء المباريات دائما هم لابسو الميري، في حين أن السياسيين تظل مشاركتهم رهينة بمدى التزامهم بالحدود التي وضعها لهم العسكر.

وقد جرى التاريخ الباكستاني القصير على علاج محاولات التحول عن هذا النموذج دائما بطريقة الانقلاب العسكري التام، أو التعجيل بانتخابات مبكرة، أو عزل رئيس الحكومة وإيقاع الارتباك في صفوف السياسيين المناوئين.

ومع أن الشعب كان يثور في وجه الديكتاتورية العسكرية، ويرغمها على التراجع أحيانا؛ كما حدث في حكم أيوب خان سنة 1968 وبرويز مشرف سنة 2007، إلا أن التراجع كان تكتيكيا فقط، أو استعدادا لقفزة جديدة على الحكم، أو تراجعا عن صيغة الحكم المباشر إلى صيغة الحكم من خلف الستار، وهو الذي تفضله القوى الخارجية المتحالفة مع باكستان تهدئة لثورة الشارع الذي تحركه العاطفة في أغلب الأحيان.

السياسي القادم من ملاعب الكريكت
الشخصيات القومية العامة في باكستان تبقى محل إجماع ما لم تخض تنافسات السياسة بالعمل أو الرأي، فإذا فعلت، صارت مثل غيرها محل اختلاف وتباين، ينطبق هذا حتى على أبي القنبلة النووية الباكستانية الدكتور عبد القدير خان، ولاعب الكريكت الأشهر في باكستان عمران خان الذي اعتاد أنصاره ومعارضوه على تبادل الهجاء الشديد بشأنه منذ نزل ميدان السياسة.

الآن صار عمران خان رئيسا لوزراء باكستان كلها بعد فوزه وحزبه في الانتخابات الأخيرة، إلا أن الرأي العام الباكستاني ما زال منقسما في شأنه، خاصة بعدما جرى من تنكيل سياسي منظم "بحزب الرابطة الإسلامية" وزعيمه ميان محمد نواز شريف الذي يملك جماهيرية كاسحة في البنجاب؛ أكبر أقاليم الدولة مساحة وسكانا.

وإذا كانت الجماهير الباكستانية -التي يتقيها كل من يمارس السياسة هناك- هي أقوى جبهة سلبية في البلاد؛ بما تملكه من قدرة على إجبار أعتى الحكام على الاستقالة، فإنها جاهزة أيضا كالعادة لإعادة الرأي في مواقفها والانسياق العاطفي وراء الصور والمواقف والكلمات التي تخاطب وجدان المواطن البسيط، ويكفي أن نمثل لهذا بانتخابات عام 2008 التي أعقبت اغتيال بنظير بوتو؛ إذ وقع اختيار الجماهير على حزبها (حزب الشعب) برغم ما كان معلوما لديها عن كبار زعمائه من فساد مالي وسياسي كبير.

والحقيقة أنه لا أمل في أن تشفى الشعوب من مثل هذه الأدواء، إلا أن يكون لها قادة رأي مخلصون تثق فيهم، ويقدرون على التواصل الدائم معها، ويمثلون لها النذير الذي يحذرها مواضع التقدير الخطأ، ويضع أمامها مزايا الخيارات المتاحة وعيوبها في كل منعطف وموقف كبير.

وفي الوضع الباكستاني الحالي تبدو المحاولات دائبة لصناعة كاريزما سياسية لرئيس الوزراء الجديد؛ حتى يحقق أغلبية حقيقة مؤيدة لسياساته إلى مستوى يضمن الاستقرار الداخلي، أو بما يحول المعركة إلى خلافات بين السياسيين والحزبيين بمستوى لا يعكر على الحكام الحقيقيين صفو ظفرهم بالجزء الأعظم من الكعكة.

في حفل تنصيب رئيس الوزراء الجديد بدأت محاولات تلميع عمران بما يلائم نفسية الشعب الباكستاني بظهور زوجته السيدة بشرى بي بي بصحبته لابسة نقابا لا يبدي إلا عينيها، مما أثار جدلا بين أنصار المظهر الإسلامي وخصومه في باكستان، لكنه في كل حال خاطب وجدان غالبية الناس الذين يرون هذا جزءا من شخصيتهم الوطنية والإسلامية.

أمام رئيس الوزراء الجديد فرصة كبيرة لتسجيل اسمه في لائحة صانعي التاريخ الباكستاني صناعة إيجابية؛ وذلك بأن يتحرك في المساحات المتاحة له لخدمة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي للشعب الباكستاني، وتنظيف حزبه من الكوادر الفاسدة

ثم تلا هذا إعلان رئيس الوزراء تنازله عن محل إقامته الخاص ومئات الخدم والسيارات المخصصة لرئيس الوزراء؛ حتى يعيش عيشة بسيطة يحس من خلالها بمشكلات الناس، ويسعى إلى سداد الديون المتراكمة على الدولة.

وفي تصريح مثير لعمران بعد تنصيبه أعلن أن العلاقات الباكستانية الأميركية ينبغي أن تعاد صياغتها بحيث تكون باكستان صديقة لأميركا وليست عميلة لها! وهي عبارة تخاطب وجدان رجل الشارع الباكستاني الذي يحمل انطباعات سلبية جدا عن الولايات المتحدة وسياساتها تجاه العالم الإسلامي خاصة.

ومن المتوقع كذلك أن يقوم عمران خان -بمساعدة أو موافقة من قادة الجيش المتوافقين معه إلى الآن- بمجموعة من المشروعات الخدمية التي تساعد على زيادة هالة الضوء حوله، وتشعر الشعب الباكستاني بشيء من التغيير والتطور الإيجابي.

كل هذا لأجل تلميع صورة اللاعب الجديد في عالم السياسة الباكستانية، وغسله من تهمة التزوير التي يتردد صداها حول انتخابات يوليو/تموز الماضي، ويتوقع أن تكون الحبل الذي يتحكم به الجنرالات في القيادة السياسية للبلاد.

ومع كل هذا الواقع الداعي إلى التشاؤم، فإن رئيس الوزراء الجديد أمامه فرصة كبيرة لتسجيل اسمه في لائحة صانعي التاريخ الباكستاني صناعة إيجابية؛ وذلك بأن يتحرك في المساحات المتاحة له لخدمة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي للشعب الباكستاني، وتنظيف حزبه من الكوادر الفاسدة، وتفعيل الشباب الباكستاني سياسيا واجتماعيا؛ تمهيدا لتعديل النموذج الباكستاني للدولة في مدى زمني معين، مع تجنب الاصطدام بجنرالات الجيش؛ حتى يتوفر على قدر من توازن القوى بين السياسيين الإصلاحيين وبين الجنرالات يدفع إلى التعديل المأمول.

المصدر : الجزيرة