باولا سوباتشي

باولا سوباتشي

مديرة أبحاث الاقتصاد الدولي في تشاثام هاوس

تُرى هل نستطيع أن نعتبر بنيتنا الأساسية آمنة في أعقاب انهيار جسر موراندي في جنوا بإيطاليا؟ أصبح هذا هو السؤال الذي يلح على أذهان الجميع. بطبيعة الحال، يمكننا أن نزعم أن الكوارث من هذا القبيل تحدث مرة واحدة، بل وربما حتى نعتقد أنها قد تكون غريبة على إيطاليا –وهي بلد تُعَد مشاريع البنية الأساسية فيها أرضا خصبة للفساد في أحيان كثيرة- لكننا بهذا نخدع أنفسنا.

في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، أصبحت الجسور والطرق والسكك الحديدية التي بنيت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين خلال فترة إعادة الإعمار بعد الحرب والازدهار الاقتصادي قديمة وعتيقة ومستخدمة بإفراط الآن. فهل يعمل أي اقتصاد متقدم وفقا لإستراتيجية طويلة الأجل لإدارة بنيته التحتية الأساسية؟ هل يجري تقييم وتخفيف المخاطر على النحو الصحيح؟ وما هي المفاضلات بين صيانة وإحلال البنية الأساسية التي تقترب من نهاية عمرها؟ وكيف يمكن أن يؤثر المواطنون على المناقشة العامة الدائرة حول من ينبغي أن يدفع في مقابل البنية الأساسية وأين يجب أن تُبنى؟

تحتاج إيطاليا وغيرها من الاقتصادات المتقدمة إلى سياسات تعمل إستراتيجيا وعلى نحو مستدام على الربط بين خطط البنية الأساسية التي أنتجتها الحكومات المحلية والمركزية على مر السنين. وهي تحتاج إلى تقييم الموارد والأصول اللازمة في السنوات المقبلة. وينبغي لها أن تعمل على إبراز القيمة الاجتماعية للبنية التحتية الأساسية، وليس عائداتها المالية المباشرة فحسب.

في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، أصبحت الجسور والطرق والسكك الحديدية التي بنيت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين خلال فترة إعادة الإعمار بعد الحرب والازدهار الاقتصادي قديمة وعتيقة ومستخدمة بإفراط الآن

على سبيل المثال، يساعد تطوير القطارات وشبكات السكك الحديدية في خلق الكفاءات وزيادة الجودة من حيث وقت التنقل والأثر البيئي، فضلا عن التأثيرات الإيجابية على العديد من المجتمعات. ولهذا السبب، يجب أن تتحول المناقشة العامة: من الأثر في الأمد القريب إلى الأثر في الأمد البعيد، ومن القيمة الفردية إلى القيمة الجماعية.

عندما بدأ بناء جسر موراندي في عام 1963، كانت الحكومات منخرطة بنشاط في الاستثمار في البنية الأساسية وفي إدارة وامتلاك المرافق العامة الرئيسية. ومولت العائدات الضريبية البناء والصيانة، في حين شارك القطاع الخاص عند نقطة ما في مرحلة البناء. وكان المجال متاحا حتى للإبداع المالي.

وجرى إصدار أول سند أوروبي على الإطلاق في عام 1963 من قِبَل أوتوستريد، شبكة الطرق السريعة والشركة الإيطالية المتورطة الآن في انهيار جسر موراندي. خلال هذه السنوات، كان الاقتصاد الإيطالي في توسع، بالقيمة الحقيقية، بمعدل سنوي بلغ 5.3% في المتوسط، وساهم الاستثمار في البنية الأساسية بشكل كبير في نمو الناتج المحلي الإجمالي. وكانت جنوا مدينة صناعية كبرى تشتهر بأشغال الصلب وبناء السفن، وكانت إحدى الموانئ الرئيسية في أوروبا.

ثم عندما مضى وقت سياسات إدارة الطلب، تراجع أيضا دور الحكومة في التخطيط الطويل الأجل للبنية الأساسية وتنسيق السوق. ونظرا للتجاوزات المالية في سبعينيات القرن العشرين والاحتياج إلى السيطرة على الإنفاق العام، كان حياد السوق المزعوم مفضلا على التدخل الحكومي كآلية لتخصيص أموال دافعي الضرائب. ومع تسبب الدين العام المتنامي (عند مستوى 132% من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا، يُعَد الدين السيادي الإيطالي واحدا من الأكبر في العالَم) في احتضان النيوليبرالية، كانت النتيجة خصخصة العديد من مشاريع البنية الأساسية.

في غياب المناقشة العامة التي تركز على تكاليف وفوائد المشاريع، وعلى المسؤوليات الجماعية والحقوق الفردية، وعلى المقايضات التي تنطوي عليها الاختيارات المختلفة، لا تظهر أخبار البنية الأساسية في العناوين الرئيسية إلا عندما تقع الكوارث، فتنطلق سلسلة من الاتهامات والاتهامات المضادة

على الرغم من تحسن آليات التخصيص، فإن وضع أغلب البنية الأساسية في أيدي القطاع الخاص زاد من صعوبة التخطيط للأمد البعيد للغاية -نصف قرن من الزمن أو أطول- وخوض المجازفات المتأصلة في المشروعات الضخمة. وكان قِصَر الأفق الزمني للقطاع الخاص نسبة للقطاع العام سببا في ظهور "لعنة جيد بالقدر الكافي"، مع انحراف الحوافز نحو الصيانة بدلا من إحلال وتحديث البنية الأساسية.

يتعين على سياسة البنية الأساسية الحديثة أن تتناول سؤالين حاسمين. الأول هو من سيدفع لتشييد البنية الأساسية. الواقع أن التمويل من قِبل الحكومة المركزية عن طريق العائدات الضريبية ربما يكون غير عادل لأولئك الذي لا يستخدمون مثل هذه البنية الأساسية أبدا، أو لا يستفيدون بشكل مباشر منها لأنهم يعيشون في مناطق أخرى. في هذه الحالة، هل ينبغي للسلطة المحلية أن تتحمل التكلفة، أو هل ينبغي تمويل المشاريع من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع فرض رسوم على المستخدمين؟ يحتاج كل حل إلى تقييم دقيق للمقايضات وأولويات السياسة العامة.

يتعلق السؤال الثاني بمكان تشييد البنية الأساسية الجديدة. يشمل البديل لجسر موراندي المستخدم بإفراط بناء طريق جديد حول الحافة الشمالية لمدينة جنوا. ولكن لسنوات، عارَض السكان والساسة المحليون -بما في ذلك أعضاء حركة النجوم الخمس الحاكمة- هذه الخطة.

في عام 1967، افتتح رئيس إيطاليا جسر موراندي في أبهة عظيمة. في ذلك الوقت كان رأس المال السياسي يبنى حول مثل هذه المشاريع، وليس فقط بسبب المحسوبية والفساد. وفي أيامنا هذه، تبدو الديمقراطيات الحديثة عالقة حول المفاضلة بين المنافع الجماعية من البنية الأساسية والحقوق الفردية، وكثيرا ما تكون المشاريع الضخمة بمثابة قبلة الموت لحياة الساسة المهنية.

"ليس في ساحتي الخلفية". يجسد هذا الشعار مطالبة السكان المحليين بعدم التعرض للاضطرابات التي تنطوي عليها مثل هذه المشاريع لا محالة، لكن هذه المطالب أدت إلى تأجيل العديد من مشاريع البنية الأساسية -مثل المدرج الثالث في مطار هيثرو أو خط السكك الحديدية السريع بين تورين وليون- لسنوات. وبالتالي فإن الوضع الافتراضي بالنسبة للقطاع العام أيضا كان صيانة البنية الأساسية القديمة لأطول فترة ممكنة.

تشكل البنية التحتية العالية الجودة ضرورة أساسية للاستدامة الاقتصادية والازدهار. وفي غياب المناقشة العامة التي تركز على تكاليف وفوائد المشاريع، وعلى المسؤوليات الجماعية والحقوق الفردية، وعلى المقايضات التي تنطوي عليها الاختيارات المختلفة، لا تظهر أخبار البنية الأساسية في العناوين الرئيسية إلا عندما تقع الكوارث، فتنطلق سلسلة من الاتهامات والاتهامات المضادة، والانتهازية السياسية. ومع استمرار تأجيل مشاريع البنية الأساسية الجديدة واقتراب البنية الأساسية القائمة من تاريخ انتهاء صلاحيتها، يمكننا أن نتوقع المزيد من مثل هذه العناوين الرئيسية في المستقبل غير البعيد.

المصدر : بروجيكت سينديكيت