محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

كاتب ووزير فلسطيني سابق

مثلت غزة في العقدين الأخيرين وخاصة بعد العام 2005 شوكة في خاصرة إسرائيل، كما مثلت في الفترات الأخيرة جبهة ملتهبة لا تقل خطورة عن جبهة الشمال.

ومع الوقت أصبحت سياسة الاحتلال ضد قطاع غزة بيّنة، وتتمثل في "إبقاء الرأس فوق الماء" على المستوى المعيشي والاقتصادي، بالتوازي مع سياسة "جز العشب" على المستوى الأمني، ولئن كان الاحتلال نجح في الأولى فقد أخفق في الثانية.

وفي إطار سياسة الحصار المتفاقم تلاقت سياسة الحصار مع إجراءات الرئيس محمود عباس المتمثلة في مزيد من الخنق للقطاع المحاصر، وهو ما أدى إلى انخفاض دخل الفرد إلى متوسط 1000 دولار سنوياً، و3 ساعات كهرباء يوميا، مع نقص عشرات آلاف الوحدات السكنية، ومياه غير صالحة للشرب، وتلوث مياه البحر، ومعدل بطالة في الشباب يزيد عن 60%، في وقت يزيد عدد الذين تقل أعمارهم عن 30 عام عن 50% من السكان في ظل معدل نمو سكاني متزايد.

يتزايد الضغط الشعبي في المجتمع الإسرائيلي الذي يبدو أكثر يمينية من أي مرحلة سابقة، في ظل الزخم الذي أحدثته مسيرات العودة والبالونات التي يبالغون في وصف مخاطرها في الإعلام الإسرائيلي، والتي مثلت الأداة الأجدى في يد المُحاصَرين في غزة مع اشتداد الخناق عليهم، وكل ذلك يدفع العلاقة مع غزة إلى إحدى الخيارات، بعيدا عن سياسة إسرائيل في إبقاء الرأس فقط خارج الماء، إلى الحسم باتجاه أحد الخيارات بتصعيد استئصالي لحماس، أو عقد هدنة ممتدة يرتفع فيها الحصار عن غزة.

تتمثل سياسة إسرائيل بقطاع غزة في "إبقاء الرأس فوق الماء" على المستوى المعيشي والاقتصادي، بالتوازي مع سياسة "جز العشب" على المستوى الأمني، ولئن كان الاحتلال نجح في الأولى فقد أخفق في الثانية

وتمثل المراوحة في السياسة الإسرائيلية في العلاقة مع غزة العنوان الذي راهنت عليه إسرائيل في العلاقة مع غزة، بإبقاء الرأس فقط خارج الماء، عبر خلق واقع منهك، مع بقاء سلطة مركزية حماس تتحمل مسؤولية أي هجوم على إسرائيل، وذلك لتأكيد فشل حماس في الحكم وإضعاف قدرتها على تطوير قوتها العسكرية، مع بقاء غزة نموذجا للضفة في عدم رفع اليد في وجه إسرائيل.

ويمثل هذا السلوك غير الإنساني شللا في القرار، مع محاذير انقلاب مراكمة الإحباط إلى عناصر قوة في مواجهة إسرائيل، وهذا ما كان في مسيرات العودة والبالونات الحارقة وفق القراءة الإسرائيلية اللاحقة.

ومن بين الخيارات التي على طاولة نتنياهو، القيام بعدوان عسكري شرس يفضى إلى شطب حماس، مع استحضار لمساهمة ذلك في القضاء على عدو إستراتيجي، وفتح الباب لتعزيز وعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، على قاعدة البرنامج المطبق في الضفة بخصوص التنسيق الأمني، مع تجديد للعلاقة الاقتصادية عبر المناطق الصناعية على معابر غزة، وما يمثله ذلك من تعاط مع الرؤية الإقليمية في شطب الإخوان، وكذا من تحقيق لرؤية إسرائيل جزءا من محور يتشكل في المنطقة، فضلا عن إعادة الاعتبار لها كقوة ردع، بعد أن تهاوت في ناحل عوز، وزكيم، وأبو مطيبق.

في المقابل؛ فإن استقراء إسرائيل للوقائع التاريخية ودراسة المعلومات الميدانية على ضوء الحرب الأخيرة، حيث تعطلت على تخوم غزة مجنزرات الاحتلال لــ51 يوما مع إذلال غير مسبوق لقادتهم وجنودهم؛ كل ذلك يجعل إسرائيل أمام قرار عسكري مُعقد، ربما يذهب باستقرار المنطقة الذي سعت له إسرائيل بعد ما يعرف بالربيع العربي، فضلا عن احتمالية عالية لاشتعال الضفة، مما سيسقط شرعية السلطة، وسقوط ورقة التنسيق الأمني الهامة، وكذا اشتعال جبهة في الشمال.

وحتى إذا تحققت أحلام إعادة احتلال غزة فإن ذلك سيضع إسرائيل أمام مسؤولية اقتصادية وأمنية المعقدة، مما سيشكل تناقضا مركزيا مع سياسة إسرائيل في عدم تحمل عبء السكان الفلسطينيين لصالح أكبر سيطرة على الأرض، فضلا عن سقوط الاتفاقات التي رعتها المنظومة الدولية، وإذا رغبت إسرائيل في ترك غزة تفاوضيا لصالح السلطة فإنها ستعود إلى نقطة صفر في مشروع حل الدولتين الذي نقضته الحكومة اليمينية، وكذا إدارة ترامب الحالية، بينما ترك غزة لحالها، سيجعل إسرائيل أمام سيناريو الفوضى، وربما سيمثل حكم حماس بالمقارنة خيارا أفضل في تلك الحالة.

سعت إسرائيل طيلة حكم حماس إلى إنهاك غزة سعيا للوصول إلى ثورة داخلية في غزة تنهي وجود حماس دون أن "تلوث" إسرائيل يديها، عبر تشجيع قوى قد تمثل بديلا سواء فتح أو الفكر المتطرف، ولكن الفشل كان حليفا لها لوجود قاعدة شعبية لحماس تحترم تضحياتها ووجهة نظرها فضلا عن سيطرة الحركة المحكمة على جبهة غزة الداخلية، علاوة على مستوى الوعي العام بحقيقة المشهد السياسي، وخاصة وأنه في نسب الأمية في القطاع المحاصر تصل إلى الصفر تقريبا، مع تأهيل علمي جامعي هو الأعلى في العالم العربي.

حاولت إسرائيل ذلك باعتباره مصلحة عليا لها، ومن شأنه أن يحميها من حروب أرهقتها وأحرجتها، وربما تلاقت مع السلطة في هذا الهدف، ولكن إسرائيل لديها هدف آخر يتعلق بتعزيز الانقسام لبقاء الانفصال كاملا بين الضفة وغزة، مع عدم قدرة إسرائيل على ضبط إيقاع كامل لانهيار أو صراع داخلي ربما قد يولد بيئة أكثر خطورة على إسرائيل، خاصة مع مجموعات متطرفة تخلق بيئة فوضى مرهقة وليس لديها ما تخسره، وربما ذهاب جماهيري دائم باتجاه السلك الزائل مع  قطاع غزة، مما يخلق صداعا مزمنا لإسرائيل، أو تدفق الناس إلى داخل الأرض المحتلة، وقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة لتحمل عبء اقتصادي وسياسي وإنساني، أو ربما تستبق حماس أي سيناريو للفوضى والتدهور باندفاع للمبادرة لمواجهة عسكرية تخلصا من الصراع الداخلي.

مع تعاظم تأثير مسيرات العودة تحركت إسرائيل نحو خيار بديل متمثل في تخفيف الحصار، وتحسين الظروف المعيشية، ودعم مشاريع دولية لإزالة الاحتقان الذي يصل إلى درجة الغليان، حيث تجري تحركات دؤوبة على قاعدة عدم وجود رابط بين الاقتصاد والسياسة في غزة، على أمل تحسين ظروف المعيشة بما يقلل خطر التصعيد العسكري، باعتبار وجود ما يخسرونه في غزة، وقد يدفع ذلك السلطة في رام الله إلى التنافس في خلق بيئة اقتصادية أفضل تساهم في استقرار أكبر للضفة، كما يحسن ذلك صورة إسرائيل، وربما يساهم في قطع أواصر العلاقة بين حماس وإيران.

ولا تخفي إسرائيل خشيتها من مساهمة الهدنة في إسناد حماس من خلال تقديمها بوصفها نموذجا مقبولا ومستداما، مما يشكل سابقة في نجاح الإخوان، وما يحمله من تهديد لدول تشكل حلفا مع إسرائيل في هذه المرحلة، وقد يعظم ذلك موارد حماس مما يشكل تهديدا في زيادة قوتها العسكرية، وعلى قاعدة الفكر النقيض تقويض مشروع التنسيق الأمني في الضفة.

تزايدت مؤشرات ميل إسرائيل لخيار هدنة متفق عليها باعتباره السيناريو الأفضل لتحقيق مصالحها إستراتيجيا، عبر تحسين الاقتصاد الغزي بواسطة ائتلاف دولي يساهم في عودة السلطة، ويرفع اللوم عن إسرائيل بشأن مسؤوليتها عن معاناة غزة

وقد تزايدت مؤشرات ميل إسرائيل لخيار هدنة متفق عليها باعتباره السيناريو الأفضل لتحقيق مصالحها إستراتيجيا، عبر تحسين الاقتصاد الغزي بواسطة ائتلاف دولي يساهم في عودة السلطة، ويرفع اللوم عن إسرائيل بشأن مسؤوليتها عن المعاناة في غزة.

ولضمان تحقيق هذا السيناريو بالشكل الخادم للرؤية الإسرائيلية، يستلزم الأمر الوصول إلى تحقيق هدف إستراتيجي آخر يتمثل في الوصول إلى نزع سلاح حماس، عبر التجميد المرحلي من خلال البوابة الاقتصادية، مما يقلل من قدرات حماس، وكذلك رغبتها في التصعيد العسكري باعتباره فاتورة باهظة، حيث ستجد نفسها أسيرة المصلحة العامة المتزايدة، وسيؤدي ذلك وفق الهوى الإسرائيلي إلى تراجع قيمة وجود حماس.

يتزامن ذلك مع التزام دولي بمشاريع إنقاذ محددة عبر استثمارات معلومة، مع تقديم ضمان لإسرائيل بعدم التدمير المستقبلي لها، على أن يساهم ذلك في تعزيز حلف دولي يعتمد إسرائيل جزءا رئيسيا منه، ويعيد الاعتبار لسلطة رام الله كطرف محوري في غزة، علاوة على دور مصري متعاظم.

ولمعالجة آثار نجاح نموذج غزة في كسر الحصار وتحقيق تطوير اقتصادي ترى إسرائيل ضرورة العمل على زيادة معدل النمو كذلك في الضفة باستثمار دولي متزامن بين غزة والضفة، مع العمل على تخفيف حالة الحضور المباشر للاحتلال في الضفة، عبر تواصل مواصلاتي بين التجمعات الفلسطينية، لا تذكر الفلسطينيين في الضفة بنجاح نموذج غزة عبر إخفاء حالة التواجد العسكري الإسرائيلي من حواجز الضفة.

تذهب إسرائيل بشكل متسارع لهدنة تحسن الحياة في غزة، وتحقق ضمانا أمنيا أعلى عبر استعداد دائم لكافة الاحتمالات، وتوظيف أمثل للتمويل الدولي بشكل متواز بين غزة والضفة حفاظا على مشروع التنسيق الأمني، وتحقيق هدف إستراتيجي هو القضاء على تهديد حماس الوجودي. "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (سورة يوسف، الآية 21).

المصدر : الجزيرة