دومينيك مويسي

دومينيك مويسي

مستشار مميز بمعهد مونتين في باريس

قال فيلسوف القرن السابع عشر والكاتب الساخر جان دي لابرويير مازحا ذات مرة: "يجسد (بيير) كورني الإنسان كما يفترض أن يكون، بينما يجسده (جان) راسين كما هو".

وبالنسبة للأوروبيين، بل حتى بالنسبة للفرنسيين؛ فإن كأس العالم كان حدثا كورنيًّا. فقد كانت مباريات كأس العالم -التي دامت شهرا كاملا في روسيا- بمثابة فرصة خيالية استرحنا فيها من عالم مضطرب، واكتشفنا فيها طبيعتنا "الملائكية" في أحسن أحوالها.

وعلى عكس ما هو مألوف؛ فقد غلبت على هذه المنافسة مشاعر الثقة بالنفس وحب الغير والانفتاح على الآخر. وعلى الأقل؛ بدا وكأن الناس تناسوا مشاعر التعصب والاغتراب والإحباط التي سيطرت على هذه الحقبة المشحونة بالقومية الشعبية.

ومن الناحية الجغرافية؛ تنتمي كل الفرق الأربعة (فرنسا وكرواتيا وبلجيكا وبريطانيا) التي تأهلت لنصف النهائيات إلى أوروبا. ويمكنك أن تنتقد أوروبا بسبب ضعفها وتدني مستواها الأخلاقي كيفما تريد، ولكن عندما يتعلق الأمر بالرياضة الأكثر شعبية في العالم فإن أوروبا هي من يتربع على العرش.

يبدو واضحا أن أفريقيا ستكون قارة كرة القدم في المستقبل، بينما ستبقى أميركا اللاتينية قارة كرة القدم في الماضي. فعندما فازت الأوروغواي بكأس العالم عاميْ 1930 و1950، كانت أصغر بلد (من حيث الكثافة السكانية) يمر إلى الدور النهائي. ولكن هذا الشرف أصبح من نصيب الفريق الشجاع القادم من كرواتيا، وهو آخر عضو التحق بالاتحاد الأوروبي


وعلاوة على ذلك؛ يبدو واضحا أن أفريقيا ستكون قارة كرة القدم في المستقبل، بينما ستبقى أميركا اللاتينية قارة كرة القدم في الماضي. فعندما فازت الأوروغواي بكأس العالم عاميْ 1930 و1950، كانت أصغر بلد (من حيث الكثافة السكانية) يمر إلى الدور النهائي. ولكن هذا الشرف أصبح من نصيب الفريق الشجاع القادم من كرواتيا، وهو آخر عضو التحق بالاتحاد الأوروبي.

وما هو مناقض تماما "للعالم الحقيقي" هو أن القوتين الرائدتين (أي الولايات المتحدة الأميركية والصين) لم تلعبا أي دور في المنافسة. وتبين أن حلم وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر بأن يجعل من الولايات المتحدة قوة كروية كبرى أصعب نيلا مما كان يتوقعه.

وتبقى الصين برئاسة شين جين بينغ لاعبة كرة قدم من فئة الوزن الخفيف، رغم أنها أنفقت مليارات الدولارات للنهوض بهذه الرياضة. ومثلت المكسيك أميركا الشمالية بكل شجاعة وثقة، بينما مثلت اليابان وكوريا الجنوبية آسيا.

والفرق الغريب بين العالم الحقيقي وعالم الكرة هذا العام كان أيضا واضحا في تصريحات بشأن مشاعر القومية. فذات مرة؛ انتقد الكاتب الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخيس هذه الرياضة، لكونها تساهم في ظهور مشاعر القومية السامة (مثل "الحرب الكروية" القصيرة الأمد التي جرت بين الهندوراس والسالفادور عام 1969).

لكن قومية كأس العالم عام 2018 -أي بعد مرور قرن على نهاية الأحداث الدامية والقومية التي شهدتها الحرب العالمية الأولى- كانت "ناعمة" بل ولطيفة.

لا تدعم روسيا القوة الناعمة أبدا، لكنها تستحق التنويه لغياب العنف خلال المنافسات؛ فقد أظهرت تقارير للصحافة الدولية مناصرين من أوكرانيا وروسيا يجتمعون سويا، وكأنهم يعرفون بعضهم البعض منذ زمن بعيد.

وبينما جسد مهرجان وودستوك -الذي تم إحياؤه (في نيويورك) خلال حرب فيتنام- شعار "تعلم أن تحب.. لا أن تحارب"؛ كان الشعار الحقيقي لكأس العالم 2018 هو: "اقذف الكرة.. لا القنبلة".

وعلاوة على كونها مصدرا لقومية بناءة؛ فقد جسّدت الفرق المتأهلة لنصف النهائيات ومناصريها العمل الجماعي الفعال، وحب الغير والانفتاح والتسامح. والأمر الذي أثار الاهتمام هو أن الفرق التي اعتمدت على نجم كروي واحد -سواء كان ذلك كريستيانو رونالدو في فريق البرتغال، أو ليونيل ميسي في الأرجنتين، أو نيمار في البرازيل- كلها فشلت في المرور إلى ما بعد ربع النهائيات.

في العالم الحقيقي اليوم؛ يميل الأشخاص أكثر فأكثر إلى بناء الجدران والانعزال عن "الآخرين". ومع ذلك فإن قوة الفريق الفائز -أي فرنسا- تكمن في تنوعه. وكان نشيد هذا العام "الحرية.. المساواة.. مبابي" (نسبة إلى المهاجم الفرنسي ذي التسعة عشر ربيعا كيليان مبابي) النسخةَ الأكثر انفتاحا للشعار الذي حملته فرنسا عند فوزها عام 1998: "نريد زيدان رئيسا".

وعلاوة على كونها مصدرا لقومية بناءة؛ فقد جسّدت الفرق المتأهلة لنصف النهائيات ومناصريها العمل الجماعي الفعال، وحب الغير والانفتاح والتسامح. والأمر الذي أثار الاهتمام هو أن الفرق التي اعتمدت على نجم كروي واحد -سواء كان ذلك كريستيانو رونالدو في فريق البرتغال، أو ليونيل ميسي في الأرجنتين، أو نيمار في البرازيل- كلها فشلت في المرور إلى ما بعد ربع النهائيات


في ليلة الانتخابات الرئاسية لفرنسا عام 2017؛ كرر العديد من المعلقين السياسيين عبارة "لا يكتمل اثنان دون ثالثهما". فبعد استفتاء بريطانيا بشأن خروجها من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ حذر هؤلاء المعلقون من أن فوز ممثلة الجبهة الوطنية لليمين المتطرف مارين لوبين قد يكون الحدث الثالث.

وبنفس الطريقة؛ ظن العديد من المعلقين في بداية عام 2018 أننا نقترب من نسخة أخرى من "مايو/أيار 1968" أو من "ديسمبر/كانون الأول 1995"، عندما شلت إضرابات جماعية ومظاهرات في الشارع فرنسا بأكملها.

ورغم أن فرنسا شهدت مظاهرات ضد الإصلاحات التي حددها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في برنامجه؛ فإن المعلقين أخطؤوا في تخميناتهم. فالعام الذي يشبه هذه السنة أكثر من غيره ليس 1968 أو 1995، بل 1998 عندما فازت فرنسا بكأس العالم لأول مرة.

وعلى المستوى المحلي؛ يحتمل ألا يكون لفوز فرنسا أي تأثير على شعبية ماكرون، فالمشاعر الكروية قوية بصفة عامة.. لكنها قصيرة الأمد. إلا أنه على المستوى الدولي يمكن لفوز فرنسا أن يكون له تأثير طويل الأمد.

فلا أحد يستطيع أن ينكر "أن فرنسا عادت من جديد"، على الأقل فيما يتعلق بكرة القدم. لقد أصبحت فرنسا واحة من الدينامية والواقعية والحماس الشبابي، وهي قيم تنعكس أغلبها في شخصية ماكرون نفسه.

ولم تحقق ألمانيا هي الأخرى أي شيء في هذه المنافسة؛ ولطالما كانت ألمانيا مدرسة قوية لكرة القدم، لكنها أقصيت في الدور الأول من هذه المنافسة، تماما كما هو حال سياساتها التي دخلت مرحلة في غاية الاضطراب. أما من الناحية الجغرافية؛ فإذا كان علينا أن نختار فائزين لهذا العام، فيجب أن يذهب اللقب إلى روسيا وفرنسا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت