علي أبو مريم

علي أبو مريم

كاتب وباحث في شؤون الحركات الإسلامية

الطيف السياسي لأي مجتمع ينبغي أن يكون ناتج الظرف التاريخي لذلك المجتمع؛ فالأمر الطبيعي أن تكون مكوّنات المجتمع البشرية، وأحواله الاقتصادية واتجاهاته الفكرية والدينية، والتراكمات التاريخية المكونة لثقافته وهويته، هي الحواضن التي تَخرج من رحمها التباينات السياسية له.

ثم -وكما كل مولود- تتغير أحوال هذا الطيف السياسي بتغير أحوال المجتمع من حوله، حتى إذا نضجت باتت عنصرا مؤثرا فيه كما هي متأثرة. فالأمر في السياسة لا ينبغي أن يختلف عنه في الفنون والأدب، حيث الأصالة في أي عمل تشكل عنصرا للفاعلية وحسن التأثير، بينما الغرابة تعطي أعمالا بلا جذور وتأثيرها سطحي سريع الزوال.

الشواهد من التاريخ عديدة؛ فالثورة الفرنسية قامت عندما تحسنت مستويات المعاش والتعليم عند الطبقة الوسطى (البرجوازية) وطبقة العمال والمزارعين، فقاموا يطالبون بالمشاركة في الحكم بجانب المَلكية وطبقة رجال الدين والاقطاعيين.

هذا الانقسام الطبيعي في المجتمع تجلى في المجلس الوطني (Assemblée nationale) الذي قام في أيام الثورة، حيث تكوَّن مناصفة بين طبقة النبلاء ورجال الدين الذين جلسوا عن يمين رئيس المجلس، وجلس البرجوازية والمزارعون عن يساره.

التغيير في الظرف الاجتماعي يستوجب تغيرا في الطيف السياسي، فقد تغير تصنيف البرجوازية من اليسار إلى اليمين حين زادت ثروتهم، وأصبح رأس المال هو المحرك الاقتصادي الأساسي، وصارت البرجوازية "رأسمالية". ذات الأمر ينطبق على العلمانية التي نشأت كمفهوم في الظرف الأوروبي لتُعارِض نفوذ رجال الدين في السلطة والحكم


هذا التوزيع الاعتباطي في جلوس الفريقين أنشأ اصطلاح "اليمين واليسار" السياسي المعروف الآن، حيث ينحاز اليمين إلى الأرستقراطية والكنيسة، بينما ينحاز اليسار إلى العمالية ويخاصم الكنيسة.

وحيث إن التغيير في الظرف الاجتماعي يستوجب تغيرا في الطيف السياسي، فقد تغير تصنيف البرجوازية من اليسار إلى اليمين حين زادت ثروتهم، وأصبح رأس المال هو المحرك الاقتصادي الأساسي، وصارت البرجوازية "رأسمالية".

ذات الأمر ينطبق على العلمانية التي نشأت كمفهوم في الظرف الأوروبي لتُعارِض نفوذ رجال الدين في السلطة والحكم. كما ظهر نظام "الحزب السياسي" في إنجلترا عقب الثورة المجيدة في القرن السابع عشر.

وعلى ذات النهج؛ يمكن تتبع الأصول الأوروبية لمفهوم الدولة القومية ذاتها، وكل ما يتعلق بها من نظم السياسة والحكم كفصل السلطات الثلاث والنظام الانتخابي وغير ذلك.

هذا التطور في الفلسفة والممارسة السياسية بأوروبا متسق تماما مع تطورها الحضاري والثقافي عبر التاريخ؛ فهو تطور أفرزته تدافعاتها الاجتماعية فشكّل تعبيرا سياسيا عنها. وهو -رغم تبايناته الداخلية- غير متناقض في أصالته وانتسابه لظرفه التاريخي، لذلك كانت ثماره مشهودة ومستدامة لعمق جذورها في الأرض الأوروبية.

السؤال إذن -الذي من أجله سقنا التقديم أعلاه- هو: هل يتسق الشأن السياسي في بلادنا (فلسفته ومؤسساته) مع واقعنا؟ وهل هو ناتج طبيعي لتطورنا الحضاري وإرثنا التاريخي؟

تناسب التكوين السياسي مع الظرف الحضاري في الواقع الإقليمي: معلوم أن الأوروبيين بعد أن استقرت الدولة القومية عندهم حملوها في غزواتهم وفرضوها عنوة على باقي العالم، راسمين خريطته السياسية بما هي عليه الآن.

وقد يكثر الجدل فيما إن كانت الدولة القومية هي النظام الأمثل للدول غير الأوروبية أو مطلقا، وهذا ليس من غرضنا هنا، ولذلك سنسلّم بها كإطار سياسي للدولة الحديثة. ولكن إذا قبلنا "القُطرية" فهل يلزمنا قبول ملحقاتها الأيديولوجية؟ إذا قبلنا الإطار فهل يلزمنا أخذ محتواه؟

سلّمنا -إضافة إلى الدولة القومية- بالنظام الديمقراطي على علاته باعتباره أفضل المتاح لإدارة مجتمع حر ومفتوح، وسلّمنا بالانتخابات وفصل السلطات كوسائل لتحقيق الحرية في المجتمع؛ ولكن ما الذي يدفعنا لاستيراد الطيف السياسي الأوروبي بيمينه ويساره؟

وما قدر الصراع الطبقي الذي يستدعي حركة شيوعية في بلد كالسودان أو إثيوبيا؟ وما هي سلطة رجال الدين في بلد كمصر لتكون العلمانية عنصرا في الفعل السياسي؟ والأمر بالنسبة للتيارات الإسلامية أدق وقد فصلنا فيه في كتاب "أصحاب الحق".

أطرح هذه الأسئلة باعتبار وجود الدولة القومية على وجهها الأمثل، دولة لمجتمع حر وليست الدولة القهرية الموجودة الآن. لا شك أن الأحزاب التي تتبنى هذه الفلسفات لن تعوزها مقاربة ما لأحوال بلدها مع هذه الفلسفات الأجنبية.

إذا قبلنا القول بأن الأيديولوجيات السياسية السائدة في بلادنا الآن غريبة عنها في أصلها، وربما لا تناسبها لهذه الغرابة والأجدى هو أن تنشأ مدارسنا في الفكر السياسي من وحي بيئتنا واستجابة لمشاكلنا؛ فإن الواجب على الفاعلين في الشأن السياسي استيعاب هذه البيئة والمشكلات قبل الشروع في الاستجابة لها، وهذا له مظانه


فالشيوعيون سيتبنّوْن قضايا الطبقات الضعيفة في المجتمع (إن لم يكونوا عمالا فمزارعين) ولكن في مقابل ماذا؟ ما هي الأحزاب التي قامت لتدافع عن رأس المال وحرية السوق والتجارة كأيديولوجيا مؤسسة لعملها، حتى تنهض -في المقابل- حركات لحماية الطبقات التي تتأذى من هذه الأيديولوجيا؟

هذه المقاربات يمارسها الغربيون باستمرار؛ حيث تتوزع القضايا الطارئة على المجتمعات -كقضايا الهجرة والدفاع والتحالفات الإقليمية- بين اليمين واليسار، حسب مشابهتها لفلسفة الحزب التقليدية. ولكن الأمر عندنا يختلف؛ فعندما يقوم حزب لتحقيق العدالة الاجتماعية كقضية وفلسفة أساسية له، نجد خصمه السياسي يقوم لتطبيق شرع الله أو المناداة بوحدة عربية.

هذه القضايا ليست متعارضة، بل ربما تكون مشتركة بقدرٍ ما بين هذه الأحزاب، لكن ترتيبها في الأولوية يختلف؛ فهل تختلف أحزابنا على الأولويات حقا؟ الاختلاف الأصيل إنما هو على السلطة، بينما الأيديولوجيا سطحية وأجنبية.

يشهد لذلك أن بعض الأحزاب في العالم الثالث ظلت تهيمن على الساحة السياسية سنين طويلة، ليس لامتياز فلسفتها عن خصومها بل لامتنان شعوبها لدورها في تحرير البلد، كما كان الحال مع المؤتمر الوطني في الهند أو جنوب أفريقيا. بل إن هذه التمايزات الأيديولوجية تراخت حتى عند الأوروبيين، حيث باتت الفواصل باهتة ومتداخلة أحيانا حينما تزاحمت الأحزاب نحو الوسط لجاذبيته الطبيعية لعموم الناس.

حال المجتمعات كمحضن للفكر السياسي في العالم الثالث: إذا قبلنا القول بأن الأيديولوجيات السياسية السائدة في بلادنا الآن غريبة عنها في أصلها، وربما لا تناسبها لهذه الغرابة والأجدى هو أن تنشأ مدارسنا في الفكر السياسي من وحي بيئتنا واستجابة لمشاكلنا؛ فإن الواجب على الفاعلين في الشأن السياسي استيعاب هذه البيئة والمشكلات قبل الشروع في الاستجابة لها، وهذا له مظانه ولكن يمكن هنا أن نرسم صورة عامة لمزيد إبانة:

أولا؛ أنظمة الحكم في بلادنا غالبها قهرية بأشكال مختلفة، والحريات بين ضئيلة أو معدومة. هذا الوضع لا يشبه أوروبا حتى قبل الثورة الفرنسية؛ فمنذ وثيقة "الماغنا كارتا" في إنجلترا ظل للنبلاء حظ ما من السلطة بالشراكة مع الملك، كما أن رجال الدين كانوا ممثلين لسلطة البابا في روما، الذي ظل ذا نصيب في الحكم الأوروبي -بدرجات متفاوتة- حتى عصر التنوير.

ولكن المستبد عندنا (ملكا كان أو عسكريا) مطلق الاستبداد لا يشرك في حكمه أحدا! والغريب أنه يبدأ بقدر من الشراكة (مع رجال الدين في الجزيرة العربية والإسلاميين في وادي النيل) ثم ينفرد بالأمر، فنحن نتدحرج نحو القهر بدلا من التدرج نحو الحرية!

ثانيا؛ القبيلة -التي هي ثاني أقدم وحدة اجتماعية في تاريخ الإنسانية بعد الأسرة- لا تزال هي العنصر الأساسي في التشكيل الاجتماعي عندنا. والمزج بين النظام القبلي والمجتمع المدني الحديث -كما هو الحال عندنا- نتاجه مزيج عكِر.

ثالثا؛ الاقتصاد عندنا ما يزال اقتصاد ما قبل الصناعة، عماده الزراعة -بشكلها البدائي- والتجارة وبيع ثروات الأرض. وملكية الأرض ما زالت ذات طابع قبلي، ولم تصبح -في الغالب- إقطاعية كما حدث في أوروبا. وحتى متعلقات الاقتصاد -كموضوع الهجرة عندنا- مختلفة، حيث شأن المغتربين أهم من شأن الوافدين (عدا الخليج).

رابعا؛ الدِّين في مجتمعاتنا لا يزال حيا ومركزيا، والسؤال عن كيف نستوعب مركزيته هذه في دولة مكان الدين في تصميمها الأصلي هو الهامش، هو سؤال لم يزل بلا جواب.

الحال الحضاري في بلادنا الآن لا يشبه الحال الأوروبي إلا في عصوره المظلمة قبل النهضة، ناهيك عن التنوير والصناعة والحداثة وما بعدها. ورغم ذلك تجد الساسة عندنا تلوّنوا بذات ألوان السياسة الأوروبية؛ فهم يمين ويسار، وشيوعية واشتراكية، وعلمانية ودينية محافظة وقومية، وكل هؤلاء يصطرعون في ساحات السجون والمنافي، بينما المستبد لا يهمه الرداء السياسي الذي يرتديه طالما شمل البندقية


وباختصار؛ فإن الحال الحضاري في بلادنا الآن لا يشبه الحال الأوروبي إلا في عصوره المظلمة قبل النهضة، ناهيك عن التنوير والصناعة والحداثة وما بعدها. ورغم ذلك تجد الساسة عندنا تلوّنوا بذات ألوان السياسة الأوروبية؛ فهم يمين ويسار، وشيوعية واشتراكية، وعلمانية ودينية محافظة وقومية، وكل هؤلاء يصطرعون في ساحات السجون والمنافي، بينما المستبد لا يهمه الرداء السياسي الذي يرتديه طالما شمل البندقية!

نحو أفق سياسي جديد: ربما تفلح مجتمعاتنا -إذا نالت الحرية- في إخراج تيارات سياسية من رحم ظرفها التاريخي والحضاري، لتستجيب لإشكالات هذه المجتمعات على الوجه الأمثل، ولو شاء بعض هذه التيارات التمسك بمسميات أو فلسفات مستوردة -مع شيء من التحوير لتناسب بيئتنا- فهذا لها، وأغلب الظن أن انتخابا طبيعيا سيغربل هذه التيارات ليبقى في النهاية الأصلح.

ولكن هذا لن يتحقق قبل أن تنال هذه الشعوب حريتها، هذه هي البيئة السياسية عندنا الآن: قهر سياسي وتخلف حضاري، فما هي التيارات السياسية التي سننشدها -بطبيعة الحال- في مناخ كهذا؟ لا شك في أن الحرية هي أولوية الجميع إلا المستبد ومن شايعه.

وإن قُدّر أن يكون اختلاف في بيئة كهذه فسيكون حول كيفية نيل هذه الحرية، ولا بأس في أي تباينات في السير نحو هذه الغاية الواحدة؛ فلعل البعض يعمل على تغيير ثوري يقتلع القديم، بينما آخرون يفضلون تغييرا تدريجيا يسحب السلطة من المستبد هوناً.

ربما تظهر مناحٍ أُخَرُ لبلوغ ذات الغاية، ولكن لن يكون معقولا -بأي حال في ظل القهر السياسي- أن تقوم تيارات سياسية بأي دعوة أو دعوى سوى الحرية. فالنداء يكون من واقع الحال، وفي حال القهر تغدو كل النداءات خبالاً إلا نداء التحرر.

المصدر : الجزيرة