كمال درويش

كمال درويش

وزير سابق للاقتصاد بتركيا ونائب سابق لرئيس البنك الدولي وكبير زملاء مؤسسة بروكنغز

قبل عام؛ تنفس كثيرون الصعداء بعد الفوز الحاسم الذي حققه إيمانويل ماكرون في انتخابات الرئاسة الفرنسية، متبوعا بنجاح حزبه في الانتخابات التشريعية. وبدا ساعتها أن المد المرتفع للشعبوية المتطرفة في الغرب قد انعكس وتراجع.

لكن تبين أن الأمر ليس كذلك؛ بيد أن الظهور المفاجئ بشدة لحكومة ذات أغلبية شعبوية في إيطاليا -التي هي عضو مؤسس في الاتحاد الأوروبي- لا يُنبئ بالضرورة عن كارثة.

صحيح أن قوة الشعبويين المتنامية تهدد أحزاب يمين ويسار الوسط التقليدية، مما يجعل من الصعب للغاية لإدارة حكومية في مستوى الاتحاد الأوروبي -بشكله الحالي- أن تؤدي وظيفتها. لكن ماذا لو ساعد النجاح الانتخابي المتواصل للحركات الشعبويةفي الدفع قُدُما بعملية إعادة هيكلة سياسية أوسع مدى، تؤدي في النهاية لتقوية الديمقراطية الأوروبية؟

صحيح أن قوة الشعبويين المتنامية تهدد أحزاب يمين ويسار الوسط التقليدية، مما يجعل من الصعب للغاية لإدارة حكومية في مستوى الاتحاد الأوروبي -بشكله الحالي- أن تؤدي وظيفتها. لكن ماذا لو ساعد النجاح الانتخابي المتواصل للحركات الشعبوية في الدفع قُدُما بعملية إعادة هيكلة سياسية أوسع مدى؟


تعزز تجربة ماكرون ذاته هذه القراءة؛ فهو لم يسبق له تولي منصب عن طريق الانتخاب، ومن ثم أنشأ حزبا جديدا يتمركز حول نفسه، مع دعم من ناخبي كل من يسار ويمين الوسط. ويبدو أنه أعاد هيكلة السياسة الفرنسية بهذه العملية.

ومن المحتمل أن تكشف انتخابات البرلمان الأوروبي -المزمعة العام المقبل- المزيدَ عن إمكانية وفرص حدوث إعادة هيكلة سياسية على هذا النحو؛ فلم يسبق أن حاز البرلمان الأوروبي على نفس المستوى من الاهتمام الذي تناله المؤسسات الأوروبية الأخرى، مثل المفوضية أو المجلس أو حتى محكمة العدل.

ونادرا ما يتجاوز نطاقُ المناقشات البرلمانية الأوروبية حدودَ مدينتيْ بروكسل أو ستراسبورغ، كما درجت العادة على أن يكون إقبال الناخبين لاختيار النواب وشغل مقاعد البرلمان ضعيفا.

ولطالما استُشهد بمثل هذه الحقائق لإقامة الدليل على معاناة الاتحاد الأوروبي من قصور ديمقراطي، في ظل عدم انخراط المواطنين بشكل كافٍ مع الإدارة الحكومية على المستوى الأوروبي.

لكن هذه الديناميات تغيرت بعد أن ضربت الاتحاد الأوروبي سلسلةٌ من الأزمات، كان تأثيرها أشد ما يكون في اليونان وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا. فقد ولّت عصور تقبّل الأوروبيين للاتحاد الأوروبي في هدوء ودون مناقشة، رغم بعض الشكاوى.

أما الآن، فقد أضحى الاتحاد الأوروبي في قلب المناقشات السياسية المحلية، التي أصبحت تتضمن بشكل متزايد أسئلة وجودية عن بقاء منطقة اليورو والمشروع الأوروبي بأكمله.

يعني هذا أن المرشحين في انتخابات العام المقبل لن يكتفوا -على الأرجح- بالتركيز على القضايا المحلية فقط. فمع شيء من التركيز على القضايا المحلية؛ يُتوقع أن تكون هناك أيضا مناقشات مستفيضة للمرة الأولى بشأن مستقبل أوروبا وسياساتها، خاصة فيما يتعلق بمناحي الهجرة والدفاع والأمن والطاقة والمناخ، والعلاقات مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا.

في النهاية، ورغم الاختلافات بين الدول الأوروبية؛ فإن كل واحدة منها تجابه حاليا مسألة القدر الذي تريده من أوروبا، وإلى أي مدى ينبغي أن تنفتح على صور العولمة الجديدة المعتمدة على التكنولوجيا وتتفاءل بها، إضافة إلى القدر الذي يلائمها من التضامن الاجتماعي.

ويُستبعد أن تلتزم هذه المناقشات -وكذلك البرلمان الأوروبي الذي سينتخب العام المقبل- بالخطوط الحزبية المعيارية؛ فالالتزام بالتكتلات السياسية التقليدية في النهاية أمر صعب للغاية هذه الأيام، وأوضح مثال على ذلك حزب ماكرون (الجمهورية إلى الأمام) الذي لا تناسبه بشكل تامّ الفئات الأيديولوجية التقليدية، ومن ثم فقد نشر ماكرون مجسّات لتأسيس حزب لعموم أوروبا.

ورغم أن السياسات فوق الوطنية في أوروبا تظل منطقة مجهولة التضاريس حقا؛ فمن المنطقي أن يكون هذا السياسي المؤيد بقوة للاتحاد الأوروبي أحد روادها.

يبدو الشعبويون على اليمين -بصفتهم قوميين معادين لأوروبا- شغوفين بمناصرة بعضهم بعضا على المستوى الأوروبي؛ حيث يستفيدون من برامجهم الحزبية المشتركة بشأن معظم القضايا، خاصة الهجرة والهوية الثقافية والتجارة. وفي المقابل؛ نجد أن مثل هذا التجانس أكثر صعوبة في معسكر اليسار المتطرف


كما يبدو الشعبويون على اليمين -بصفتهم قوميين معادين لأوروبا- شغوفين بمناصرة بعضهم بعضا على المستوى الأوروبي؛ حيث يستفيدون من برامجهم الحزبية المشتركة بشأن معظم القضايا، خاصة الهجرة والهوية الثقافية والتجارة.

وفي المقابل؛ نجد أن مثل هذا التجانس أكثر صعوبة في معسكر اليسار المتطرف (على الأقل بـفرنسا)، الذي درج على خلط الآراء التحررية بشأن الهجرة بسياسات الحماية الاقتصادية، التي تبدو كثيرا شبيهة بالسياسات التي يتبناها اليمين الشعبوي.

لا شك أن أحزاب يمين ويسار الوسط ستحاول استعادة وضعها، بعد أن فقدت شريحة كبيرة من الناخبين خلال السنوات الخمس الماضية؛ لا سيما في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، وبدرجة أقل في ألمانيا. وتكمن مشكلة هذه الأحزاب في أنها تبدو عتيقة وغير مناسبة للعصر في نظر كثيرين من الناخبين الشباب، بعض النظر عن أعمار قادتها.

ولكي تحقق هذه الأحزاب النجاح؛ ينبغي لها أن تقدم برنامجا جديدا وملهِما يعالج قضايا اليوم بصورة مقْنعة، مع مقارعة القوى السياسية الجديدة ومزاحمتها.

لكن يمكن للقوى السياسية الجديدة في بعض الحالات أن تستوعب أحزاب يمين ويسار الوسط. ففي فرنسا مثلا؛ يستطيع حزب ماكرون أن يستوعب حزب الجمهوريين المنتمي إلى يمين الوسط، أو أن يتحرك أكثر باتجاه اليسار بتبني برنامج للتضامن الاجتماعي يواكب تدابير تحرير السوق التي اتخذها فعلا.

ويتوقف الأمر هنا على مدى تفكير قادة الحزب في ضمان نصر فوري ضد الجمهوريين والاشتراكيين من يسار الوسط.

ورغم بقاء التفاصيل غامضة؛ يبدو مؤكدا أنه ستكون هناك إعادة هيكلة شاملة للمشهد السياسي الأوروبي، الذي تشكله بدرجة كبيرة المواقف تجاه أوروبا. وإذا ساعدت انتخابات البرلمان الأوروبي في دفع إعادة الهيكلة قُدُما؛ فقد ينتهي هذا بإحراز خطوة كبرى إلى الإمام لصالح الديمقراطية في أوروبا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت