وائل شديد

وائل شديد

مستشار في الإدارة الإستراتيجية

نموذج غير مسبوق
عواقب سلوك ترمب

في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، ومعه مجموعة الصقور من المحافظين الجدد أمثال: ديك تشيني ودونالد رمسفيلد؛ قدمت وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) بقيادة جورج تنت أدلة غير دقيقة -بل مزيفة- عن سلاح الدمار الشامل في العراق مبررا لغزوه 2003، ونفذ الجيش الأميركي الغزو في ثاني أكبر عملية عسكرية بالشرق الأوسط بعد عملية تحرير الكويت.

وفي مايو 2005؛ رفضت مجموعة الصقور العرض المقدم من إيران -عن طريق السفير السويسري بطهران- وتعهدت فيه بتحويل حزب الله إلى حزب سياسي، وبوقف أي مساعدات مادية لفصائل المعارضة الفلسطينية مثل حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وغيرها، وبالضغط على هذه الفصائل لوقف عمليات العنف ضد المدنيين في حدود مناطق 1967.

وقد واصل المحافظون الجدد -بقيادة ديك تشيني نائب الرئيس جورج بوش- عداءهم لإيران ومهدوا لتوجيه ضربة لها عام 2007، حيث قال بوش -في كتابه "نقاط القرار" (مذكرات)- إنه وجه البنتاغون بدراسة متطلبات توجيه ضربة لإيران، لوقف أو على الأقل تعطيل القنبلة النوويةالإيرانية.

سبق أن أوقفت المؤسساتية الأميركية -متمثلة في وكالة الاستخبارات وقيادة الجيش ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية- اندفاع المحافظين الجدد بزعامة ديك تشيني، وأقنعوا الرئيس بوش الابن بعدم بشن ضربة عسكرية ضد إيران، واكتفت الإدارة الأميركية بفرض عقوبات على إيران لزيادة عزلتها عالميا


استمرت مجموعة المحافظين الجدد في التحريض ضد إيران وبضرورة توجيه ضربة لها. ومن الملاحظ أن موقف المؤسسات الأميركية -وعلى رأسها البنتاغون ووكالة الاستخبارات- كان من أشد المعرضين لذلك، بعكس ما كان عليه الموقف 2003 حين دعمت كلتا المؤسستان غزو العراق.

فقد كتب مراسل مجلة "تايم" جو كلاين -في مايو/أيار 2007- موضحا كيف رفض بوش الحرب مع إيران بعد زيارته للبنتاغون، حين كان وزير دفاعه المتشدد رمسفيلد يهم بمغادرة الإدارة الأميركية. وقال كلاين إن بوش اجتمع برؤساء الأركان المشتركة بالبنتاغون، وسألهم عن حكمة "زيادة" القوات في العراق فعارضوها بالإجماع.

ثم سأل بوش عن إمكانية تنفيذ هجوم ناجح على قدرة إيران النووية، وقيل له إن أميركا يمكن أن تشن هجومًا جويًا مدمرًا على الحكومة والجيش الإيرانييْن، والقضاء على سلاح الجو الإيراني، ومركز القيادة والسيطرة وبعض المنشآت النووية.

لكن الرؤساء عارضوا -مرة أخرى وبالإجماع- هذا التوجه، ومن الواضح أن بوش قد أخذ بهذه النصيحة، وذهب إلى الخطة "باء"، وهي حملة سرية لزعزعة الاستقرار بإيران.

لم يكن هذا الموقف المعارض للحرب مقصورا فقط على وكالة الاستخبارات بقيادة مايكل هيدن، والقيادة المركزية للجيش الأميركي بقيادة الأدميرال ويليام فالون (الذي عارض الحرب فأدى ذلك لإقالته)، ولا وزير الدفاع روبرت غيتس؛ بل إنه عارضته وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي أيدت -مع وزير الدفاع- فرض عقوبات على إيران تمهيدا لعزلها.

لقد أوقفت المؤسساتية الأميركية -متمثلة في وكالة الاستخبارات وقيادة الجيش ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية- اندفاع المحافظين الجدد بزعامة ديك تشيني، وأقنعوا الرئيس بوش بعدم بشن ضربة عسكرية ضد إيران، واكتفت الإدارة الأميركية بفرض عقوبات على إيران لزيادة عزلتها عالميا.

نموذج غير مسبوق
أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تعيش مشهدا فريدا من نوعه في تاريخها السياسي تحت حكم دونالد ترمب؛ فهو يعدّ نموذجا مختلفا عن الرؤساء الأميركيين السابقين من عدة جوانب منها:

أولا: لم يأتِ ترمب من المُجمَّع الصناعي الذي ما فتئ يؤّثر بالسياسة الأميركية، وهذا المجمع يشمل بشكل رئيسي قطاعيْ السلاح والنفط. وقد جاء ترمب من قطاع العقارات والفنادق والترفيه؛ وبالتالي فإن ترمب لا ينتمي إلى هذا المجمع المؤثر تاريخيا في الإدارة الأميركية، ولا يحمل فكرهم وهمومهم وأطماعهم، وهم كذلك لا يؤثرون عليه.

ثانيا: الرئيس ترمب لا ينتمي إلى النخبة التقليدية الأميركية؛ فهو لم يكن يوما حاكما لولاية أو عضوا في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ؛ وبالتالي فإنه لا ينتمي إلى هذه الفئة المؤثرة أيضا، ولا يحمل توجهاتها ولا همومها.

ثالثا: لا يعد ترمب عضوا أصيلا في الحزب الجمهوري، بل إنه وجد فقط في هذا الحزب وسيلة للوصول إلى الحكم، فتبنى النهج المتطرف ليكسب الفئة الغالبة من الأميركيين العاملين؛ وبالتالي فهو لا يحمل أجندة ولا توجهات ولا أفكار الحزب الجمهوري لأنه خارج التغطية الحزبية.

ترمب جاء من خارج دائرة المجمع الصناعي، ولا يحمل أجندة ولا عقلية حزبية، ولا يتبنى دبلوماسية بعينها ولا أفكارَ النخبة، ولا ينقصه المال؛ ولذا فهو رجل سيتصرف بعيدا عن كل الأطر الأربعة المؤثرة تاريخيا في توجهات ومواقف الإدارة الأميركية، وهذا يجعل التنبؤ بأفعاله حاليا صعبا إلى حد ما


رابعا
: ترمب ليس رجلا عاديا يبحث عن وظيفة مرموقة، بل هو رجل أعمال وملياردير ولا تنقصه الأموال.

إذن ترمب جاء من خارج دائرة المجمع الصناعي، ولا يحمل أجندة ولا عقلية حزبية، ولا يتبنى دبلوماسية بعينها ولا أفكارَ النخبة، ولا ينقصه المال؛ ولذا فهو رجل سيتصرف بعيدا عن كل الأطر الأربعة المذكورة، وهذا يجعل التنبؤ بأفعاله حاليا صعبا إلى حد ما.

لقد طرح ترمب شعارات تتناسب مع آلام ومعاناة طبقة البيض الوسطى، ودغدغ مشاعرهم واستفز غضبهم وخوفهم من فقدان الوظائف، فطرح طرد المهاجرين والمسلمين والملونين وذوي الأصول الإسبانية، وتعهد ببناء سور بين الولايات المتحدة والمكسيك لصدّ المهاجرين.

وبالتالي فإن ترمب تحول إلى رجل شعبوي (populist)؛ ويبدو أن الشعبوية (populism) في أميركا لها طريق مختلف، فقد استطاع ترمب أن يشق طريقه فيها من خلال إيقاظ العنصرية البيضاء.

ولذلك أصبح ترمب متحصنا بالعنصرية للعرق الأبيض، ومتمردا على الطبقة النخبوية الحاكمة التقليدية المنتفعة؛ فهو ليس منهم بل إنه لم يكن يوما منهم، وبالتالي فيمكن وصفه بأنه رئيس متمرد بامتياز على الأطر الأربعة المؤثرة؛ وبدا صعبا ليُّ ذراعه لكونه جاء -لأول مرة في تاريخ رؤساء أميركا- من خارج الصندوق التقليدي.

لكن الأصعب من ذلك أن ترمب سار في درب تهشيم المؤسساتية الأميركية، التي ميزت أميركا طوال السنين الماضية وأصبحت بها مثلا على الدولة المستقرة التي تحكمها المؤسسات، ولا يستطيع أي رئيس العبث بمقدراتها أو توجهاتها الإستراتيجية إلا بموافقة المؤسساتية.

فها هو ترمب يفكّ عرى الإستراتيجية الأميركية التاريخية بطرحه شعار "أميركا أولاً"، فيخلخل التحالف مع أوربا وحلف الناتو ويطالب حلفاءه -وخصوصا ألمانيا- بدفع مستحقات حمايتهم، وينسحب من اتفاق باريس للمناخ.

وهو يريد أن يراجع الاتفاقيات السابقة كاتفاقية التجارة الدولية، واتفاقية النافتا مع كندا والمكسيك، ويشن حربا تجارية مع الصين، ويتصرف وحده بعيدا عن مشاورة المؤسسات الأميركية وشعاره: اتبعوني وبرروا لي ما أفعله.

عواقب سلوك ترمب
لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ بدأ ترمب في إقالة كبار الوزراء والمسؤولين بطريقة مهينة وغير معهودة، لا في الولايات المتحدة ولا في غيرها من الدول.

فقد فصل كبار المسؤولين بتغريدات على تويتر؛ كما فعل مع رئيس "أف بي آي" (FBI) جيمس كومي، ومع وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ومن قبله المدعية العامة بالنيابة سالي ييتس، ومستشار الأمن القومي مايكل فلين. وأقال أيضا مستشاره الإستراتيجي ستيف بانون، ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر.

كما فصل ترمب المدعيَّ السابق لمنطقة نيويورك الجنوبية بريت بهارارا، و45 مدعيا عينهم الرئيس الأسبق أوباما، وأعلن نقل رئيس الاستخبارات المركزية مايك بومبيو إلى منصب وزير الخارجية خلفاً لتيلرسون، واستقال في عهده -حتى الآن- أكثر من 12 مسؤولا.

وهكذا بدأ ترمب في تصرفات وإجراءات لا تليق برئيس دولة عظمى، تقوم إدارتها على العمل المؤسسي المنضبط، واتباع بروتوكولات عالمية في العمل الدبلوماسي الداخلي والخارجي.

لقد سار ترمب بتصرفاته الغريبة وغير المسبوقة في درب تهشيم المؤسساتية الأميركية، التي ميزت أميركا طوال السنين الماضية وأصبحت بها مثلا على الدولة المستقرة التي تحكمها المؤسسات، ولا يستطيع أي رئيس العبث بمقدراتها أو توجهاتها الإستراتيجية إلا بموافقة المؤسساتية


وإضافة لذلك كله؛ تلاحق ترمب فضائح بشأن علاقاته النسائية، والتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية التي أوصلته للرئاسة 2016، وتعيين أقربائه مستشارين واستغلالهم لنفوذهم في تحقيق مكاسب شخصية لأعمالهم الخاصة.

ومع كل هذا؛ لم يتوقف عن مسلكه الغريب في العمل السياسي، بل إنه لا يعبأ بأصوليات العمل وأدبياته المتعارف عليها، واتهم وزارتيْ الخارجية والعدل ومكتب "أف بي آي" بقول الأكاذيب، وكأنه يهشم هيبة هذه المؤسسات العريقة.

والسؤال المطروح هنا هو: لمصلحة من تحطيم وانهيار المؤسساتية الأميركية؟ وماذا يراد من ذلك؟ ومن هو المستفيد؟

وهنا تبرز عدة مآلات ومقاصد من تهشيم المؤسساتية بأميركا، ولعل من أهمها أن يكون القصد هو التخلص من كل من يخالف ترمب ولا ينسجم معه، من أجل تشكيل فريق منسجم تماما مع ما يريده ترمب؛ وبالتالي يقود الولايات المتحدة بعقلية المنفرد المتسلط، فتتحول أميركا إلى شكل من أشكال الدكتاتورية، وتنتهي صورة أميركا باعتبارها دولة قائدة للعالم وقطبا أساسيا في السيطرة والتحكم في القرار الدولي ومصائر الدول.

وقد يكون المقصد هو تهشيم الدولة الأميركية تنفيذا لفلسفة المليشيات العنصرية البيضاء التي لا تؤمن بوجود الدولة المؤسسية أصلا، وبالتالي إغراق أميركا في نزاعات بين المليشيات المسلحة والملونين والسود وأهل الأديان الأخرى، ومن ثم تنتهي الولايات المتحدة الأميركية كدولة عظمى.

وقد يكون المراد هو تنفيذ عمل ضخم في الساحة الدولية لا يمكن أن يتم إلا بتحطيم المؤسساتية، مما يعني إفراغ هذه المؤسسات من العقلانية (Rationality)، حتى لا تقف عائقا أمام تنفيذ مثل هذا الحدث الكبير كما تم في عام 2007، عندما عارضت المؤسسات المؤثرة توجيه ضربة عسكرية لإيران.

ويبرز هنا تساؤلات: أولا: أين سيكون هذا الحدث.. هل في منطقة الشرق الأوسط شاملة إيران وتركيا وسوريا؟ ثانيا: لمصلحة من سيكون هذا الحدث الكبير؟ ثالثا: لماذا لن يُتخذ إلا إذا فقدت المؤسساتية الأميركية رشدها وعقلانيتها!!! وتحولت إلى دولة غير مسؤولة؟

إن المآلات الثلاثة كلها تنتهي بتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى دولة دكتاتورية أو غير عقلانية أو بالتخلص منها كدولة عظمى، وهذا مما يثير الشك في عمق المقصد ومن هي الجهة التي يعنيها هذا المآل، خصوصا إذا كان المقصد هو تنفيذ عمل كبير يحتاج إلى فقد العقلانية والحكمة.

وما مصير ترمب عند تحقيق هذا المأرب، هل سيكون بالتخلص منه أم بمكافأته؟ وهل ستتغير مجريات الأحداث العالمية عندما تفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية المهيمنة وتتحول إلى دولة عادية أو مقسمة إلى عشرات الدول؟ وهل سيكون عندئذ مصطلح "الحكومة الخفية" حقيقة واقعية؟

المصدر : الجزيرة