سيدي ولد عبد المالك

سيدي ولد عبد المالك

كاتب وباحث موريتاني متخصص في الشؤون الأفريقية

صفقات مشبوهة
الانتشار وتحدياته 

يثير حضور شركة موانئ دبي وعقود شراكاتها في القارة الأفريقية كثيرا من الجدل هذه الأيام، وتتداخل فيه تهم الفساد وضغوط المنافسة وتأثيرات الأزمة الخليجية التي دفعت دول الحصار لخلط أوراق السياسة بالاقتصاد، في الدول التي تربطها بها علاقات مؤسسة على التأثير الاقتصادي والاستثماري.

صفقات مشبوهة
كان يُنتظر من شركة موانئ دبي العالمية -كأول مستثمر عربي يضخ أموالا في الموانئ الأفريقية- أن تتبنى شراكة قائمة على مبادئ الشفافية والمنافع المتبادلة مع الطرف الأفريقي، إلا أن ممارسات الشركة خيبت هذه الآمال والتوقعات.

ففي جيبوتي؛ أنهت حكومة البلاد عقد شراكة مع موانئ دبي، معتبرة أن عقد الشراكة معها تضمن بنودًا وشروطًا مجحفة، وأن حصص التملك المتفق عليها لم تتطابق مع نِسب توزيع الأرباح.

وقد عللت جيبوتي فسخ العقد مع موانئ دبي بتقديم الأخيرة مدفوعات غير قانونية، لتأمين الحصول على الامتياز الخاص بمحطة دوراليه للحاويات لمدة خمسين عاما. واتهمت الحكومة الجيبوتية المدير السابق للموانئ الجيبوتية عبد الرحمن البوري -المطلوب لدى العدالة الجيبوتية والمقيم حاليًا في الإمارات- بتلقي مليون دولار سنويًا من مجموعة موانئ دبي.

كان يُنتظر من شركة موانئ دبي العالمية -كأول مستثمر عربي يضخ أموالا في الموانئ الأفريقية- أن تتبنى شراكة قائمة على مبادئ الشفافية والمنافع المتبادلة مع الطرف الأفريقي، إلا أن ممارسات الشركة خيبت هذه الآمال والتوقعات


وتأتي القطيعة بين الطرفين إثر دخول علاقات البلدين مرحلة صعبة، بعد صفع شرطي جيبوتي لمسؤول إماراتي في مطار آمبولي (أبريل/نيسان سنة 2015)، وبعد اتهامات متعددة من جيبوتي لأبو ظبي بعدم الوفاء بالتزاماتها الاستثمارية، المتعلقة ببناء أشغال توسعة ميناء دوراليه وبناء محطات في تاجورا وآوبوك.

وفي الصومال؛ فسخت الحكومة اتفاقية الشراكة الثلاثية المبرمة في دبي بالإمارات بين موانئ دبي العالمية وأرض الصومال والحكومة الإثيوبية لتشغيل ميناء بربرة. واعتبرت الحكومة المركزية أن هذه الاتفاقية باطلة لكونها لم تتم عبر بوابة الحكومة الاتحادية الصومالية.

واتهمت الحكومة الصومالية شركة موانئ دبي بتهديد وحدة أراضيها، بإبرامها عقد شراكة مع حكومة أرض الصومال ذات النزعة الانفصالية، دون إشراك الحكومة المركزية في هذه الاتفاقية.

وكانت شركة "بولوري لوجستيك" الفرنسية رفعت دعوى قضائية ضد السلطات السنغالية سنة 2008 بعدم توخيها الشفافية في منحها صفقة تسيير ميناء داكار لصالح شركة موانئ دبي، وذهبت مصادر إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الشركة الإماراتية قدمت ساعتها رُشى للسلطات السنغالية للظفر بالصفقة.

كما اتهمت منظمات مدنية في الكونغو الديمقراطية -قبل أيام- حكومة بلادها بتلقيها رشى من شركة موانئ دبي، بغية منحها مشروع بناء ميناء في المياه الإقليمية بالكونغو الديمقراطية تبلغ تكلفته مليار دولار أميركي.

الانتشار وتحدياته
توجد شركة موانئ دبي في خمس دول أفريقية، اثنتان منها في شمال أفريقيا وهما مصر والجزائر، وتتوزع البقية في مناطق أخرى من القارة هي: السنغال بالغرب الأفريقي، وجيبوتي وأرض الصومال بمنطقة القرن الأفريقي، وموزمبيق في جنوب القارة.

ففي السنغال؛ بدأت الشركة سنة 2008 تسيير محطة الحاويات بميناء داكار، بعد فوزها بمناقصة ضد منافستها الرئيسية شركة "بولوري لوجستيك" الفرنسية، وتستثمر الشركة الإماراتية حوالي نصف مليار دولار أميركي في ميناء داكار.

وقبل إلغاء عقد الشراكة مع جيبوتي؛ كانت حصة شركة موانئ دبي تصل إلى 33% في ميناء دوراليه، وتبلغ الطاقة الاستيعابية للمحطة 1.25 مليون حاوية نمطية.

أما بخصوص أرض الصومال؛ فتقضي الاتفاقية الجديدة الموقعة بين الشركة وحكومة أرض الصومال بامتلاك موانئ دبي العالمية 51% من عائدات تشغيل ميناء بربرة، مقابل 30% لأرض الصومال، و19% للحكومة الإثيوبية.

يُتوقع أن ينحسر انتشار الشركة على مستوى أفريقيا نتيجة عدة عوامل من أبرزها غياب إستراتيجية واعية موجهة لأفريقيا، ويتجلى هذا الأمر في عدم وجود وحدة مسؤولة عن تسيير موانئ الشركة بأفريقيا، على مستوى التوزع الجغرافي في الهرم الإداري للشركة. ويضاف لهذا العامل ارتدادات الأزمة الخليجية التي شكلت عبئا إضافيا على سجلّ الشركة ووضعها


ويُتوقع أن ينحسر انتشار شركة موانئ دبي على مستوى أفريقيا نتيجة عدة عوامل من أبرزها غياب إستراتيجية واعية موجهة لأفريقيا، ويتجلى هذا الأمر في عدم وجود وحدة مسؤولة عن تسيير موانئ الشركة بأفريقيا، على مستوى التوزع الجغرافي في الهرم الإداري للشركة.

ويضاف لهذا العامل ارتدادات الأزمة الخليجية التي شكلت عبئا إضافيا على سجلّ الشركة ووضعها، فأبو ظبي -كحال باقي أطراف دول الحصار- وظفت بشكل كبير مصالحها الاقتصادية للضغط على الدول الأفريقية، للتأثير في مواقفها من الأزمة.

فالصومال مثلا التي اتخذت سلطتها المركزية قرارا بالحياد من الأزمة، مع دعم ثلاثة من أقاليمها الخمسة لدول الحصار؛ لم تسلم من كيد أبو ظبي التي تعمدت تحييدها عن صفقة تشغيل واستغلال ميناء بربرة في أرض الصومال.

بعيدا عن تحديات السياسات وإستراتيجيات التعامل مع البيئة الأفريقية؛ تنتصب أمام شركة موانئ دبي تحديات أخرى تأتي على رأسها المنافسة الشرسة، فالموانئ الأفريقية أصبحت وجهة استثمارية محببة للكثير من المستثمرين.

ورغم أنها لا تمثل -إلى حد الساعة- سوى 3% من حجم التجارة الدولية العالمية؛ فإن الاهتمام بها يتزايد مع الوقت باعتبار تزايد الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية للقارة الأفريقية.  

فقد عرفت الموانئ الأفريقية -التي تحتكر أزيد من 92% من صادرات وواردات أفريقيا- نموًّا استثماريا كبيرا على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، بعد ضغط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على دول القارة الأفريقية لتتبنى سياسات الخصخصة، وزادت الاستثمارات بقطاع الموانئ الأفريقي على 50 مليار دولار أميركي خلال 2007-2017.

وقد وفرت هذه الأرضية حضورا لافتا لعدد من المؤسسات التي غزت الموانئ الأفريقية، ومن أهمها:

1- شركة "بولوري لوجستيك" الفرنسية التي تعدّ إحدى أذرع شركة بولوري ذات الحضور القوي بمنطقة غرب ووسط أفريقيا، وتتميز "بولوري لوجستيك" بانتشار فروعها وشبكاتها في المنطقة؛ إذ تمتلك تمثيلا في 45 بلدا أفريقياً، مع وجود مصالح إسناد اقتصادي تتمثل في خريطة استثمارات ضخمة في مجالات حيوية أخرى.

2- شركة "آي بي أم تي ترمينالز" التابعة لشركة "ميرسك" الدانماركية، والتي تعدّ ثانية الشركات الاستثمارية في مجال الموانئ بأفريقيا حيث تمتلك تسع محطات. وقد ضاعفت استثماراتها على مستوى القارة، ولديها حضور في نيجيريا ومصر وأنغولا وتوغو.

3- شركة "بورت شينا ميركانت" الصينية؛ ورغم أنها ليست من أبرز المؤسسات ولا أكثرها انتشارا، فإنها خطفت الأنظار لوجودها في ميناء جيبوتي الذي يعتبر نقطة عبور للعديد من المنافذ البحرية الدولية، ويُتوقع أن يتعزز حضورها هناك بعد طرد الإماراتيين، وأن ترتفع حصتها في ميناء دوراليه التي تمثل 23.5%.

المصدر : الجزيرة