باسم نعيم

باسم نعيم

وزير الصحة الفلسطيني الأسبق وعضو مكتب العلاقات الدولية في حركة حماس

بدعوة من كل من مصر والأردن والسويد، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش؛ توافدت أكثر من ٩٠ دولة مانحة لحضور المؤتمر الوزاري الاستثنائي في روما (١٥ مارس/آذار الجاري)، للتباحث في الأزمة المالية الخانقة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) تحت عنوان: "الحفاظ على الكرامة وتقاسم المسؤولية وحشد العمل الجماعي لدعم الأونروا".

السؤال المركزي هو: هل حقق هذا المؤتمر أهدافه؟ ذلك أن المراقبين اختلفوا في تقييم نتائج المؤتمر، فهناك من اعتبره صفعة قوية وجهها المؤتمرون للإدارة الأميركية المتطرفة، باعتبار أن قرارها القاضي بحرمانها الأونروا من ثلث موازنتها السنوية (نحو ١,٢ مليار دولار) كان الدافعَ الأساسي لمحاولة سد العجز، على الأقل لهذا العام ريثما تتوافر البدائل.

لكن آخرين اعتبروا أن المؤتمر فشل فشلا ذريعا في تحقيق أي من أهدافه. وللإنصاف فإن السؤال يمكن الإجابة عليه في إطار ما تم تحديده من أهداف من قبل المنظمين له.

أدرك "الإسرائيليون" منذ زمن طويل أن ملفيْ القدس اللاجئين هما المعضلة التي تعيق أي حل يمكن أن يلبي طموحاتهم وتطلعاتهم؛ الأول بما يحمله من مخزون ديني وتاريخي يصعب على أي قيادة فلسطينية تجاوزه، والثاني بما يورّث الأجيالَ من طاقة وطنية للنضال والكفاح في سبيل الحرية والاستقلال


بداية أنشئت وكالة الأونروا عام ١٩٤٨ بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بهدف غوث وتشغيل وحماية اللاجئين الفلسطينيين، إلى حين حل القضية الفلسطينية وتسوية ملف اللاجئين حسب القرار ١٩٤ "بالعودة إلى الديار التي هُجّروا منها و/ أو التعويض". ولا تزال هذه المؤسسة مفوضة من المجتمع الدولي لتحقيق ذلك، ويجدد هذا التفويض كل ثلاث سنوات.

وقد أدرك "الإسرائيليون" منذ زمن طويل أن ملفيْ القدس اللاجئين هما المعضلة التي تعيق أي حل يلبي طموحاتهم وتطلعاتهم؛ الأول بما يحمله من مخزون ديني وتاريخي يصعب على أي قيادة فلسطينية تجاوزه، والثاني بما يورّث الأجيالَ من طاقة وطنية للنضال والكفاح في سبيل الحرية والاستقلال.

ولهذا ركزوا جهودهم التفاوضية -منذ البداية- على تفريغ هذين الملفين من مضمونهما، ولما فشلوا في تحقيق ذلك استعانوا بحلفائهم للضغط من أجل تحقيق ذلك، وهذا ما تحقق لهم مؤخرا على يد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فشطب الملف الأول (القدس) باعتماد ترمب المدينة عاصمة للكيان وقرار نقل السفارة إليها.

وبدأ العمل على شطب الثاني (ملف اللاجئين) بخنق مؤسسة الأونروا التي تجسد حالة اللجوء وتبقي الملف بعمقه السياسي حياً، فقرر وقف التمويل للوكالة. وبكل وضوح ودون مواربة؛ أعلنوا أن الهدف هو إنهاء هذه المؤسسة التي "تؤبّد" قضية اللاجئين، حسب وصفهم.

وعلى الهامش هنا؛ نستهجن المعايير المزدوجة، فاليهود لهم حق الادعاء بحقهم في العودة إلى "وطن" كانوا فيه قبل أكثر من ٣٠٠٠ عام، أما الفلسطينيون فليس لهم حق العودة إلى أرضهم التي هُجّروا منها قبل ٧٠ عاماً!!

وعليه؛ فإذا كان المؤتمر يهدف إلى تثبيت الشرعية السياسية المعتمدة دولياً لملف اللاجئين ممثلاً في الأونروا، فأعتقد أن هذا الاجتماع حقق ذلك بشكل كبير، ووجّه صفعة قوية للتوجهات الأميركية ومن ورائها الضغوط الإسرائيلية.

ولعل كلمات رئيس الجامعة العربية أحمد أبو الغيط كانت أقوى وأوضح ما قيل، حيث أكدّ أنّ "الأونروا ليست وكالة لتقديم الخدمات الإنسانية، أو جمعية للإحسان، ولكن هي تعبر في الأساس عن التزام سياسي من جانب المجتمع الدولي -منصوص عليه في قرارات أممية- إزاء مأساة اللاجئين الفلسطينيين، التي لم يستطع الحيلولة دون وقوعها منذ سبعين عاما، وفشل في حلها طوال هذه العقود الممتدة".

المؤتمر نجح سياسيا بشكل كبير، لكنه فشل في تحقيق هدفه بتجاوز الأزمة المالية للأونروا، وحسب مسؤولين فيها فإن هذا المبلغ يكفي للاستمرار حتى نهاية يونيو/حزيران القادم، وأن الأونروا ستقوم باتخاذ إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق. وهذا بالتأكيد سيمسّ الخدمات المقدمة للاجئين في المناطق الخمس، ولكن أكثرها تأثرا ستكون منطقة غزة


وفي هذا الإطار أسجل بعض الملاحظات على مجريات المؤتمر:
أولاً: كان هناك تركيز على البعد الإنساني في كلمات المتحدثين وتم إغفال أن قضية اللاجئين الفلسطينيين سياسية بامتياز، خلقها المجتمع الدولي بإنشاء هذا الكيان الفاشي العنصري على أرضنا وعليه حلها. وهذا التركيز -رغم أهميته- على البعد الإنساني أعطى الانطباع وكأن المؤتمر مزادٌ للتسول على حساب معاناة الفلسطينيين.

ثانيا: ركز البعض -وخاصة أصدقاء "اسرائيل"- على تداعيات قرار وقف التمويل، وأن هذا سيشكل خطرا على الاستقرار في المنطقة، على اعتبار أن هؤلاء اللاجئين إذا لم يجدوا طعامهم وشرابهم ودوائهم وتعليمهم، فسيتحولون إلى متطرفين وإرهابيين يهددون أمن واستقرار المنطقة.

صحيح أن المعاناة مؤلمة وقد تدفع أي إنسان للتفكير في طريقة خارج المألوف، لكن شعبنا أثبت -على مدار عقود من المعاناة والألم- أنه شعب ناضج وواعٍ، وقدم نموذجا في السلوك المتحضر في الدفاع عن حقوقه.

شعبنا الفلسطيني لم ولن يكون متطرفا ولا إرهابيا، أما قيامه بحمل السلاح للدفاع عن حقوقه فهو حق كفلته له كل الشرائع السماوية والأرضية؛ فهذه مقاومة وليست إرهاباً، بل الإرهاب هو ما تمارسه إسرائيل بحرمان شعبنا -حتى اللحظة- من العودة إلى دياره وبيوته التي هُجّر منها بالقوة.

ثالثا: ما طالب به وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل من "شطب هوية اللجوء عن كل فلسطيني يغادر لبنان" هو أسوأ ما قيل في هذا المؤتمر، ويتناقض مع مواقف الدولة اللبنانية التاريخية على اختلاف التوجهات السياسية لمكوناتها، وهذا يحتاج توضيحا من أعلى المستويات اللبنانية، لأنه يصبّ مباشرة في ساحة المخطط الإسرائيلي بشطب ملف اللاجئين تدريجيا.

هذا بخصوص الهدف السياسي للمؤتمر؛ أما هدف "معالجة الأزمة المالية"، فحسب المسؤولين عن المؤتمر فإنه تم جمع ما يقارب مئة مليون دولار إضافية للموازنة، مع وعود بتقديم ملايين أخرى في وقت لاحق.

وعلى هذا المستوى؛ فإن مؤتمر روما فشل في تحقيق هدفه بتجاوز الأزمة المالية للأونروا، وحسب مسؤولين فيها فإن هذا المبلغ يكفي للاستمرار حتى نهاية يونيو/حزيران القادم، وأن الأونروا ستقوم باتخاذ إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق.

وهذا بالتأكيد سيمسّ الخدمات المقدمة للاجئين في المناطق الخمس، ولكن أكثرها تأثرا ستكون منطقة غزة، وهكذا ستُضاف إلى الأزمة الإنسانية بالقطاع المحاصر أبعاد جديدة، وطبعا ستمسّ الأزمة والإجراءات المترتبة عليها حياة آلاف الموظفين العاملين في الوكالة.

مشكلة اللاجئين خلقها المجتمع الدولي، وبالتالي عليه التكفلُ بحلها جذريا ومعالجة تبعاتها وتداعياتها، والمبلغ المطلوب (١,٢ مليار دولار سنويا) ليس مبلغا معجزا، خاصة أن أميركا تدفع سنوياً ٣,٨ مليارات دولار دعما لإسرائيل. ويجب تجنب المساس بحقوق الموظفين وتجنب التقشف في الخدمات الأساسية وخاصة التعليم


في ظل كل ما سبق؛ فإن الأونروا -كممثلة ومفوضة من المجتمع الدولي- مطلوب منها:
أولاً: الإصرار على أن قضية اللاجئين قضية سياسية وليست إنسانية صرفة (وإن كان هذا البعد أحد أهم تجلياتها)، وأنّ هذه المؤسسة لا تنتهي إلا بعودة اللاجئين وتسوية قضيتهم تسوية عادلة، وأن عليها التصدي للسياسات الإسرائيلية ومن يدعمها وخاصة الأميركية، بقرارات دولية جديدة تعزز موقفها.

ثانياً: لا بد من التفكير في حلول إبداعية للأزمة المالية، تخلّص الأونروا من هذا الارتباط الموسمي بمواقف الدول السياسية وقدراتها المالية.

وقد سمعت من بعض المسؤولين في الوكالة عن خطوات عملية في هذا الاتجاه، كأن يتم تخصيص موازنة مستقلة من الأمم المتحدة لصالحها، والتوجه إلى مؤسسات وهيئات كالبنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية لتوفير الدعم الثابت والمستدام، والتوجه كذلك للأفراد من الأثرياء عبر العالم وخاصة الفلسطينيين.

كل هذا جميل؛ ولكن مشكلة اللاجئين خلقها المجتمع الدولي، وبالتالي عليه التكفلُ بحلها جذريا ومعالجة تبعاتها وتداعياتها، والمبلغ المطلوب (١,٢ مليار دولار سنويا) ليس مبلغا معجزا، ويمكن توفيره بسهولة إذا توافرت الإرادة السياسية (الولايات المتحدة تدفع سنوياً ٣,٨ مليارات دولار دعما لإسرائيل).

ثالثا: يجب تجنب المساس بحقوق الموظفين وتجنب التقشف في الخدمات الأساسية، وخاصة التعليم الذي يعتبر من أهم الإنجازات التي حققتها الوكالة لصالح الفلسطينيين؛ فكان التعليم في مدارس الوكالة نموذجا ينافس أكثر الدول تقدما، ويسبق التعليم في معظم دول المنطقة.

أمّا نحن الفلسطينيين؛ فلا بد أن نتذكر أنه في النهاية "ما حكّ جلدَك مثلُ ظفرِك" و"ما ضاع حق وراه مطالب"، فملف اللاجئين هو العنوان الأساسي لحسم الصراع مع الاحتلال، وهو مصدر الطاقة الوطنية للاستمرار، إلى جانب كونه البوتقة التي تنصهر فيها كل الحواجز الديموغرافية من أجل صناعة وطن حر ومستقل.

وعليه؛ فلا يجوز أن نسمح لأي كان بأن يمسّ هذا الملف أو يتلاعب به، فاللجوء حق فردي وجماعي. ويجب أن تتوحد الجهود وتتضافر على المستوى الوطني والقومي للدفاع عن هذا الحق المقدس وبكل السبل، ولا يجوز أن نركن لأي جهة كانت لتقوم بهذا الدور بالنيابة عنّا، ولا سيما أن الموازين الإقليمية والدولية لا تبشر بخير كثير مع إدارة أميركية متطرفة، وقيادة صهيونية فاشية، ودوّل عربية مفكَّكة.

المصدر : الجزيرة