عادل أحمد الباز

عادل أحمد الباز

كاتب صحفي سوداني

وساطات متعددة وفعالة
شراكات وجسور ثقافية 

عرّف أستاذ العلاقات الدولية الأميركي جوزيف ناي "القوةَ الناعمة" بأنها "قدرة أمة معينة على التأثير في أمم أخرى، ومقدرتها على الجذب والاستقطاب اللذين يؤديان إلى التراضي على خياراتها العامة، وذلك استناداً إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي، ومنظومة قيمها ومؤسساتها، بدل الاعتماد على الإكراه أو التهديد".

وأشار ناي إلى أن موارد القوة الناعمة هي: الثقافة الشعبية، والدبلوماسية الخاصة والعامة، والمنظمات الدولية، إضافة إلى الشركات والمؤسسات التجارية.

وساطات متعددة وفعالة
لقد كشفت الأحداثُ -التي أعقبت فرض الحصار على قطر في يونيو/حزيران 2017- أن الاستثمار القطري للقوة الناعمة في أفريقيا، لم يضع هباءً. ففي أول قمة للاتحاد الأفريقي -بعد فرض الحصار- أعلنت مؤسسة الاتحاد موقفا محايداً من الأزمة، رغم المجهودات الكبيرة التي بذلتها دول الحصار لمحاولة استقطاب دول أفريقية إلى جانبها.

ومن جملة 54 دولة أفريقية؛ لم تنحز إلى موقف دول الحصار سوى خمس دول (موريتانيا وإريتريا وجيبوتي والسنغال وتشاد)، ثم تراجعت مؤخرا ثلاث منها (السنغال وتشاد وجيبوتي) عن موقفها السابق.

كما ساهم الحراك الدبلوماسي الدؤوب لقطر في أرجاء واسعة من القارة الأفريقية في تعزيز مكانتها وترسيخ علاقاتها الأفريقية. فخلال مدة لم تتجاوز ثلاثة أشهر؛ زار أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حوالي تسع دول في شرق أفريقياوغربها وشمالها وجنوبها.

كشفت الأحداثُ -التي أعقبت فرض الحصار على قطر في يونيو/حزيران 2017- أن الاستثمار القطري للقوة الناعمة في أفريقيا، لم يضع هباءً. ففي أول قمة للاتحاد الأفريقي -بعد فرض الحصار- أعلنت دول الاتحاد موقفا محايداً من الأزمة، رغم المجهودات الكبيرة التي بذلتها دول الحصار لمحاولة استقطاب دول أفريقية إلى جانبها


وقد أثمرت تلك الزيارات شراكات اقتصادية وعلاقات ثقافية ورياضية بين قطر وتلك البلدان. وبموازاة هذا الانفتاح القطري على أفريقيا؛ تعاظم الوجود الأفريقي في الدوحة التي باتت تستضيف حالياً 23 بعثة دبلوماسية أفريقية.

ويقول مراقبون إن سر نجاح الدبلوماسية القطرية في وساطاتها المتعددة في أنحاء القارة الأفريقية هو "أنها مرنة ومحايدة ونشطة وفعالة ورشيقة وموثوق بها". إذ اتبعت قطر سياسة خارجية خلّاقة عبر الوسائل الناعمة التي اعتمدتها أداة لتحركها الدبلوماسي في القارة الأفريقية، منذ بدأت الدبلوماسية القطرية تماسّها مع القضايا الأفريقية بوساطتها في عدة نزاعات داخلية وبينية، طالما أرّقت هذه القارة وهددت استقرارها.

فقد ساهمت الوساطة القطرية في تخفيف التوتر بين السودان وتشاد، حتى وصلت به إلى مرحلة المصالحة الكاملة والعمل المشترك. كما قادت وساطة بين إريتريا وجيبوتي حتى نجحت (يونيو/حزيران 2010) في إبرام اتفاقية سلام لتسوية النزاع الحدودي بين البلدين على جزيرة دميرة.

وإلى جانب ما تقدم؛ سعت الدبلوماسية القطرية لتجسير العلاقات بين الفرقاء الصوماليين، بناءً على دعوة الحكومة الصومالية قطر للتوسط، أثناء زيارة الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو للدوحة في مايو/أيار 2017.

وقبل ذلك طلب الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود -خلال زيارة قام بها إلى قطر عام 2013- دعم الدوحة لتحقيق المصالحة الوطنية في بلاده.

وفي شمال أفريقيا؛ لعبت قطر دوراً أساسياً في الاتفاق الذي وُقّع بين قبائل التبّو والطوارق في ليبيا (23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015)، مما أدى إلى وقف إطلاق النار بينهما بصورة نهائية، وإنهاء الأزمة التي استعصت على الحل طوال عامين كاملين.

أما أزمة دارفور في السودان فتمثل قصة النجاح الأبرز للدبلوماسية القطرية في أفريقيا؛ إذ استطاعت الدوحة جمع الفرقاء السودانيين على طاولة الحوار بعد ثمانية أعوام من الحرب، واستمرت المفاوضات في الدوحة ثلاثين شهراً.

ثم توّجت هذه المفاوضات بتوقيع اتفاقية سلام (14 يوليو/تموز 2011) عُرفت بـ"اتفاقية الدوحة لسلام دارفور"، بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة.

وقد تم بموجب تلك الاتفاقية طي الجزء الأكبر من أزمة دارفور، التي مثّلت تحديا للقارة الأفريقية وللعالم كله. وقد اقتضى تحقيق هذا الهدف سنوات من الجهود القطرية، التي لا تزال متواصلة في مرحلة إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فقد ساهمت الدوحة في مشاريع إعمار دارفور بافتتاح بنك تنموي برأسمال قدره مليارا دولار أميركي، إضافة إلى بناء مئات القرى التي دمرتها الحرب.

شراكات وجسور ثقافية
حسب تقارير رسمية؛ فإنّ جهاز قطر للاستثمار (الصندوق السيادي)، أنفق عام 2012 ما يقارب 30 مليار دولار في مشروعات أفريقية وشراكات متعددة. وطورت قطر صيغ تعامل متقدمة مع القارة الأفريقية؛ فانتقلت من المساعدات والاستثمارات المباشرة إلى الشراكات الذكية المثمرة، فأنشأت شراكات متنوعة مع كثير من دول القارة.

ففي جولة أمير قطر في غرب أفريقيا نهاية 2017 (شملت السنغال ومالي وبوركينا فاسو وغينيا وساحل العاج وغانا)؛ جرى توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والرياضية.

يقول مراقبون إن سر نجاح الدبلوماسية القطرية في وساطاتها المتعددة في أنحاء القارة الأفريقية هو "أنها مرنة ومحايدة ونشطة وفعالة ورشيقة وموثوق بها". إذ اتبعت قطر سياسة خارجية خلّاقة عبر الوسائل الناعمة التي اعتمدتها أداة لتحركها الدبلوماسي في القارة الأفريقية، منذ بدأت الدبلوماسية القطرية تماسّها مع القضايا الأفريقية


وفي 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، غرّد أمير قطر على حسابه في تويتر قائلاً: "في غانا أرسينا مع فخامة الرئيس نانا أكوفو أدو أسس شراكة أوسع وأرحب، تمهيدا لتنفيذ مشاريع هامة لكلا بلدينا، في قطاعات حيوية كالنقل الجوي والرياضة والأمن الغذائي وغيرها".

وفي جمهورية الكونغو، استحوذت قطر للبترول على 15% من شركة توتال الفرنسية، إضافة إلى استثمار آخر مرتقب في مجال الكهرباء بين مجموعة كونسورتيوم نبراس و"كهرماء" القطرية وقطر للبترول وقطر القابضة.

كما عززت قطر شراكتها مع جنوب أفريقيا في مجالات عديدة أهمها النفط والمعادن والبتروكيميائيات، وبلغت الاستثمارات المشتركة بين البلدين حوالي 13 مليار دولار. كما وقعت قطر للبترول اتفاقا مع توتال لتصبح بموجبه شريكاً بنسبة 25% في أعمال الاستكشاف بالمنطقة البحرية، الواقعة قبالة شواطئ جنوب أفريقيا.

بلغ مجموع استثمارات قطر في قطاع الطاقة بجنوب أفريقيا نحو 9 مليارات دولار. وتنظم الخطوط الجوية القطرية ثلاث رحلات يومية إلى جوهانسبرغ وكيب تاون وديربان.

وتصنَّف الخطوط الجوية القطرية أفضل ناقل عربي بشرق أفريقيا ووسطها، وقد امتدت خدماتها إلى غرب وجنوب أفريقيا، حيث تصل إلى أكثر من 18 محطة بأرجاء القارة. ويعتبر السودان وإثيوبيا أهم شريكين اقتصاديين لقطر في وسط وشرق أفريقيا، باستثمارات مشتركة تبلغ نحو 10 مليارات دولار.

يعتبر مشروع الآثار الذي ترعاه وتنفق عليه قطر (أكثر من 135 مليون دولار حتى الآن) في السودان من أهم المشاريع الثقافية بأفريقيا. ويدعم المشروع الكشوف الأثرية، وإعادة ترميم الأهرامات السودانية بمنطقة البجراوية، وهناك خطط لتأهيل متحف السودان القومي، وبناء متحف آخر في منطقة النقعة والمصورات.

وفي المجال الإعلامي؛ تعدّ قناة الجزيرة الإنجليزية أهم القنوات الإعلامية في القارة الأفريقية، وتخطط الجزيرة لإطلاق محطة خاصة باللغة السواحيلية تستهدف قرابة 100 مليون نسمة بمناطق جنوب وشرق أفريقيا، كما تسعى لتأسيس قناة فرنسية تبث من داكار لتغطية المناطق الناطقة بالفرنسية في غرب أفريقيا.

وإلى جانب ذلك؛ تعمل مؤسسات قطر الخيرية في أكثر من عشرين دولة أفريقية، ويبلغ إجمالي المشاريع المنفذة في السودان وحده 10 آلاف مشروع، بتكلفة تجاوزت 210 ملايين ريال قطري (57.5 مليون دولار)، تركزت على دعم التعليم وبناء المدارس.

كما شيدت الدوحة مؤخراً مدارس في مالي، ومستشفى لعلاج السرطان في بوركينا فاسو، إلى جانب مشاريع أخرى في ساحل العاج وغانا. وقد قدر إجمالي الإنفاق القطري في تلك الدول بنحو 190 مليون دولار.

المصدر : الجزيرة