مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

من أهم العناصر التي توقف عندها المؤرخ الباحث المصري الشيخ محمد الهامي في استعراض تاريخ الشخصيات المؤثرة في التاريخ المصري الحديث؛ الظروفُ الصعبة التي تعيشها هذه الشخصيات والحركات الوطنية التحررية، وخاصة تحت ظل التقاطعات الدولية الصعبة.

ومن ذلك ما واجهه الزعيم الوطني الكبير أحمد عرابي من الإنجليز ثم من الأستانة (الدولة العثمانية)، بإعلانه عاصيا للدولة الأممية وهو في ذروة كفاحه لتحرير مصر، وما واجهه المفكر الملهم السيد جمال الدين الأفغاني من الأستانة إثر اتخاذ الخديوي والإنجليز قرار طرده وتشريده، بعد أن أيقنوا أن رياحه الفكرية الإسلامية تبعث تنويراً مختلفا تتقوى به حركات الكفاح والنهضة في الشرق.

ولقد شرح أ. الهامي إشكالية الضغط الدولي على السلطان عبد الحميد الذي جعله في حالة شكوك واضطراب ساهمت في فقدانه الثقة، وحالة الشك التي هيمنت عليه وجعلته مناوئاً لدعوات الإصلاح التي سعت جاهدة لمعالجة تخلف الدولة العثمانية، وانتشار الصراعات والانقسامات في مناطق عديدة منها بين الأهالي وسلطات الأستانة.

هناك قضية مركزية تتعلق بإعادة صناعة الثقة بين أبناء الحركة الوطنية في مصر، من وطنيين علمانيين وإسلاميين؛ فلعبة التاريخ تتكرر بين استقواء مستبد الداخل ومصالح الأمم والإقليم. وعليه فإن حسابات تصعيد السيسي ستظل تحت مراقبة النظام الخاص في الجيش، الذي تحدثنا عنه في مقال سابق، بحيث يعود للتحرك إن اتسعت خروق السيسي على رقعة مصالحهم


وفي كل تلك الأحوال؛ كان الغرب -الذي ورث هذه المساحة الكبرى من الشرق فأعاد تخطيطها وتقسيمها- لاعباً حيوياً في مستقبل المنطقة السياسي بل والفكري.

ونتوقف هنا -عبر الذاكرة الوطنية- مع حملة اعتقالات نظام عبد الفتاح السيسي لشخصيات الفكر الوطني، بمن فيهم الذين اختلفوا مع الإخوان وسعوا إلى مدنية الدولة كسياج يعزز الحقوق الدستورية، ويجمع القوى الشعبية أمام لعبة الأمم التي انتبهت مبكراً لمصر، وناب عنها المال الخليجي الآثم.

وحتى هذه الاجتهادات -التي أخطأت خطأً فادحاً في 30 يونيو/حزيران 2013 حين استثمرتها مجنزرات الجيش للهتاف ضد مرشد الإخوان- سحقت اليوم كل آمال ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، تحت دماء شهداء رابعة.

وهنا قضية توقف مركزية في إعادة صناعة الثقة بين أبناء الحركة الوطنية في مصر، من وطنيين علمانيين وإسلاميين؛ فلعبة التاريخ تتكرر بين استقواء مستبد الداخل ومصالح الأمم والإقليم. وعليه فإن حسابات تصعيد السيسي ستظل تحت مراقبة النظام الخاص في الجيش، الذي تحدثنا عنه في مقال سابق، بحيث يعود للتحرك إن اتسعت خروق السيسي على رقعة مصالحهم.

ولن يكون البديل للجيش في موقع العودة قطعاً شخصية موالية للضمير الوطني المصري ونداء الحريات، وإنما المقصد أن تكون أي حركة من الجيش مستقبلا متوقعة ومفهومة، وما هي مساحة التقاطعات التي يمكن أن تخدم الحركة الوطنية المصرية في إعادة آمال النهضة والحرية.

غير أن السيسي يدفعه لمزيد من القمع -الذي لم يصل إليه نظام حسني مبارك مطلقا- ما يجده اليوم من حشد كومبارس سياسي وإعلامي، واستمرار تدفق المال الخليجي، والرضا الإستراتيجي عنه من البيت الأبيض، خاصة في ظل حماس السيسي لعلاقة إستراتيجية أقوى مع تل أبيب، وسحق فرص المستقبل المقاوم لفلسطين، وقوة هيمنة إعلامه على الشارع المصري.

واعتقال د. عبد المنعم أبو الفتوح -ومن قَبلَه- هو مؤشر على مُضيّ هذه الترسانة، غير أن المشكلة المركزية هي سؤال تنظيم الصفوف للحركة الوطنية في مصر، التي اتحدت قديماً على نداء الحرية والاستقلال عن إرادة الأجنبي، وتحقيق معادلة الكرامة والشراكة الشعبية التي تنتخب رئيسها وحكومتها.

وهنا تبرز بالضرورة قضية الحاجة إلى الخروج من كل مآسي صندوق الأزمة وطرق تفكيره، وأوله الخلاف بين من أخطأ في 30 يونيو/حزيران ومن قدم شهداءه في ميدان النهضة وميدان رابعة.

فاستمرار أزمة الثقة لدى هذه الأطراف مشجِّع رئيسي لغلواء السيسي وداعميه، وتاريخياً لا يُمكن أن يتحقق أي نوع من المفاهيم المؤسسة لمشاريع نضالية وحرية وطنية دون تفاهمات إستراتيجية وتحالفات عملية، وهو العنصر الغائب في حراك المعارضة المصرية.

وهنا يتعزز الإشكال بحصر مشروع المعارضة في الاعتماد على المنصات الإعلامية، دون خيارات على الأرض أو ندوات سياسية كبرى تجتمع في الخارج، لتعيد بعث خطابها الوطني من الإسلاميين والعلمانيين.

إن تدشين قاعدة قبول لكل من يساهم في مسيرة التصحيح سيساعد على دفع المجتمع المصري لطريقة جديدة، أمّا استمرار الملاعنة والشماتة والوعظ -بين فريقيْ 30 يونيو/حزيران الذين يسحقهم السيسي اليوم، وفريق الإخوان وحلفائهم- فهو بذاته سلاح فتّاك مجاني سُلم للسيسي.

إن تدشين قاعدة قبول لكل من يساهم في مسيرة التصحيح سيساعد على دفع المجتمع لطريقة جديدة، أمّا استمرار الملاعنة والشماتة والوعظ -بين فريقيْ 30 يونيو/حزيران الذين يسحقهم السيسي اليوم، وفريق الإخوان وحلفائهم- فهو بذاته سلاح فتّاك مجاني سُلم للسيسي


الأمر الآخر، هو إعادة التفكير والتفكيك لقضايا أثّرت على الساحة المصرية في اتجاهين، هما: أولاً: الرومانسية التي عُبئ بها خطاب الثورة وهذر ممثلوها المتعددون، عن مثاليات مقدسة بمجرد تنحي مبارك، وعن واقع التجربة المُرّة وما أنتجته من تحديات صعبة.

والتي أظهرت تخلخل الصفوف، وأن هذه المقدسات الثورية لم تكن إلا هتافات نرجسية تهاوت عند كل خطط العسكر، والأخطر أن هذه النرجسية -التي سادت صفوف العلمانيين في مصر- كانت ضمن خريطة التفعيل لدحرجة قرار تصفية حركة 25 يناير، حتى قضت عليها في الواقع السياسي.

أما الاتجاه الثاني، فهو سؤال إسلاميي مصر القومي، فهل استمرار الوضع المتاح في تركيا أو قطر -كمنصات إعلامية قوية- واعتماد الشعلة العاطفية يمثل حالة خروج من الأزمة؟ أم إنه جزء من الأزمة ذاتها؟ ليس لمشروعية استغلال هذه المساحة، فهذا أمرٌ طبيعي؛ ولكن لطريقة استثمارها السلبية، والتي لم تتغير منذ خروج الإخوان والآخرين إلى المهجر.

فماذا لو فرضت ظروف ما بعد تسوية أزمة الخليج -في الربيع القادم- وضعا مختلفاً، اضطراريا أو مصلحيا تكتيكياً للدوحة ولأنقرة؛ فهل هناك إعداد إستراتيجي لهذه المرحلة؟

إن هذا يُعيد سؤال المشروع الوطني لمصر في الرؤية الإسلامية، ويعيد التساؤل الكبير: ألم يكن من الأجدى اتحاد حزبيْ مصر القوية والوسط والسلفيين الإصلاحيين الذين تمردوا على صناعة الخليج السلفية؟ والتقاء الجميع مع عهد جديد لإخوان مصر يفصل الدعوي عن السياسي، ويُطلق مشروعاً اجتماعيا محلياً يتحد فيه مع العلمانيين الوطنيين.

خاصة أن إعلان مثل هذا الفكر والمشروع، والخروج من قضية التمسك بعودة الرئيس محمد مرسي -الذي يتهدده الموت في سجون السيسي- هو أكثر قرارات الحراك الحيوي إمكاناً؛ فإذا التقت مع صحوة مطلوبة من علمانيي مصر فهنا تُخلق أول قواعد التفكير السياسي الجديد، ويتم إخراجه من صندوق الأزمة إلى أفق الحل.

المصدر : الجزيرة