محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

كاتب ووزير فلسطيني سابق

تقف غزة أمام مفترق طرق حساس وخطر يرتبط بمتغيرات عدة تمثل جميعها منعطفات حرجة، وتحتاج إلى إدارة حكيمة حازمة تستطيع حسم خياراتها، والمضي قدماً في إنقاذ غزة المستهدفة في أبسط مقومات حياتها، فضلاً عن مقومات صمودها في وجه أعاصير سياسية واقتصادية واجتماعية.

اليوم تعطلت المصالحة بفرمان من محمود عباس الذي اختطف مؤسسات منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية، وكان آخرها عقد اجتماع المجلس الانعزالي ليسلط القرارات بشكل انعزالي ضد غزة، مع تسويق ركيك مفاده أن هذا حماية من صفقة القرن، ويستهدف هذا التسلط أبسط مقومات الحياة من رواتب وكهرباء وسواهما.

بينما تستمر لعبة البينغ بونغ بشأن مشروع تهدئة في غزة يقبض ثمنها الشعب الفلسطيني برفع الحصار الظالم المفروض على غزة منذ 12 سنة. فالاحتلال يريد تهدئة مجانية تتوقف بها مسيرات العودة ولا تنطلق البالونات، وفي المقابل تستمر غزة في حياة معلقة بإرادة السجان الذي يقتر عليها عبر معابر يسيطر عليها بالكامل.

لكن ذلك تقابله إرادة شعب لا يصيبها الوهن، لأنه يعشق الحرية ومستعد لدفع فاتورة الكرامة، فينطلق إلى حواجز الأسلاك بعشرات الآلاف، ليدشن ملحمة جديدة تحتفظ فيها غزة بحقوق الملكية لخزان الثورة والإبداع، في مواجهة غول الاحتلال والحصار وظلم ذوي القربى.

وعلى الصعيد الآخر؛ يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب متمسكا بالمشروع اليميني الصهيوني الذي تبناه والمعروف بصفقة القرن، والذي يهدف إلى ابتلاع القدس وتذويب الضفة، لتبقى غزة جزيرة معزولة خاضعة للحصار المنهِك، وصولاً إلى إسقاطها في يد فريق التنسيق الأمني لإتمام مشروع مسمى الدولة التي تحتفظ للاحتلال بأمنه، بل وتمنحه المزيد من التنازلات على غرار ما كان في أوسلو.

تعطلت المصالحة بفرمان من محمود عباس الذي اختطف مؤسسات منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية، وكان آخرها عقد اجتماع المجلس الانعزالي ليسلط القرارات بشكل انعزالي ضد غزة، مع تسويق ركيك مفاده أن هذا حماية من صفقة القرن، ويستهدف هذا التسلط أبسط مقومات الحياة من رواتب وكهرباء وسواهما


في ظل هذه المعطيات؛ تقف غزة أمام مفترق طرق عنوانه الإجابة على السؤال الرئيسي: كيف السبيل لإنقاذ غزة؟ سيناريو الالتزام بتهدئة 2014 يتقدم عبر جهد مصري حصري، يسانده سياسياً موقف الأمم المتحدة، وقطر إنسانياً.

صراع ختام المشهد في هذه المرحلة -والذي تجسده مسيرات العودة- ما زال قائماً ما بين رؤية الاحتلال الذي ينقسم على نفسه وما زالت الكلمة العليا فيه لبنيامين نتنياهو والجيش، وهذا ما أكده نتنياهو بعدم وجود رغبة تصعيد يعلم بأن لا نتيجة متحققة منها، فضلاً عن الأذى الذي سيجعل التهجير يتجاوز الغلاف ليصل إلى تل أبيب، خاصة بعد حادثة صاروخ السبع الذي انطلق خطأ ودمَّر ثلاثة طوابق.

وتعزز ذلك دعوة نتنياهو مصر للاستمرار في جهودها، وإيعازه لرئيس الشاباك بوضع رؤية لتحقيق الهدوء خلال شهر ونصف، ولو عبر خطوات تدريجية من الهدوء إلى التهدئة وليس بالضرورة الإعلان عن تهدئة جديدة، والاكتفاء بإعلان استمرار تهدئة 2014 تجنباً لمزايدات الذين قلوبهم شتى، والتي يحسب نتنياهو لها حسابا كبيرا.

ولتحقيق ذلك فإن الجاهزية متوفرة لدى الاحتلال -وفق الوسيط المصري- لدفع الرواتب المحولة قطريًا عبر الأمم المتحدة، وتسريع وزيادة كمية السولار، وزيادة العمل في المعابر، وزيادة مساحة الصيد إلى 12 ميلا، والسماح بتصدير السمك، وإدخال 5000 عامل كمرحلة أولى.

كما يمكن التعاطي مع الرواتب عبر المقاصّة إذا تصاعدت إجراءات عباس، وجارٍ -عبر مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف- ترتيب اجتماع للدول المانحة في ديسمبر/كانون الأول (القادم)، على أن يتم اعتماد خريطة طريق شاملة لكافة الخطوات المتبادلة برعاية مصرية، ومن رأس هرم مخابراتها العامة اللواء عباس كامل.

أما حماس فتؤكد جملة من الضوابط بعد تأكيد سيطرتها على الميدان، ومنها: أن يمتلك الاحتلال قرارا واضحا بإنهاء كامل للحصار وإظهار ذلك، ولا مانع من التدرج ولكن في إطار جدولة زمنية واضحة وعدم تلكؤ الاحتلال، وتوفير الضامن للاتفاق باعتبار مصر ركيزة فيه وكذلك الأمم المتحدة وجهود قطر، وتحقيق الاتفاق عبر البعد الوطني الجمعي، مع التفريق بين مظاهر العسكرة وضبطها للمسيرات ونبض الجماهير في التعبير عن موقفها الوطني تجاه القضية ومستقبلها.

إن الحاجة قائمة -في ظل أفق المصالحة المعطل بتعنت عباس وعقد المجلس الانفصالي ومخرجاته التوتيرية ضد غزة وأهلها- لامتلاك غزة تصوراً كاملاً لإجهاض أي إجراءات انتقامية.

تؤكد حركة حماس جملة من الضوابط بعد تأكيد سيطرتها على الميدان، ومنها أن يمتلك الاحتلال قرارا واضحا بإنهاء كامل للحصار وإظهار ذلك، ولا مانع من التدرج ولكن في إطار جدولة زمنية واضحة وعدم تلكؤ الاحتلال، وتوفير الضامن للاتفاق باعتبار مصر ركيزة فيه وكذلك الأمم المتحدة وجهود قطر، وتحقيق الاتفاق عبر البعد الوطني الجمعي، مع التفريق بين مظاهر العسكرة وضبطها للمسيرات


والذي يمنح هذا السيناريو فرصة كبرى هو استمرار الحراك الشعبي ومسيرات العودة التي أربكت الاحتلال وخلطت أوراقه؛ إذ تثبت جماهير غزة كل يوماً وعياً متزايداً واستعداداً عالياً للتضحية، يزيد من عبء المسؤولية على القيادة الفلسطينية.

ومثّل الحراك البحري اندفاعا شعبيا متزايدا باعتباره يمس خاصرة ضعيفة عند الاحتلال، ويسلط الضوء على جانب مهم من الحصار يتمثل في إغلاق البحر، ومسيرات العودة بحاجة إلى إبداع دائم في الوسائل والتكتيك، كما أن الإرباك الليلي مثَّل إضافة مهمة تزعج الاحتلال.

الإسناد الإقليمي جزء رئيسي من إنقاذ غزة، وإذا كان الإقليم يعاني من اضطرابٍ منَح التطبيعَ مع الاحتلال بعض الأكسجين وساهم في قطعه عن غزة؛ فإن دولا قليلة تتحرك على استحياء وفي ظل ظروفها الصعبة، مثل إيران التي تلتقي مع حماس في نقطة هامة والمتمثلة في تحجيم "إسرائيل" في المنطقة، وهذا يوجب عليها أن تتخذ خطوات مالية للمساهمة في إنقاذ غزة.

وكذلك قطر بوجهها الإنساني والتي لم تتوقف عن إسناد غزة في أحلك الظروف، وما زالت تساهم -عبر المنظومة الدولية- في التخفيف من جراح غزة، وآخرها الرواتب والكهرباء التي حصلت على جرعة أكسجين قطرية ممهورة بضريبة سلطة المقاطعة، التي للأسف لم تعد ترى من غزة إلا إيرادات دولارية.

وكذا تركيا -التي تعيش مؤامرات متنوعة- يمكنها أن تسعى لإنقاذ غزة، وخاصة في ظل تفاهمات ترعاها مصر وتضمنها الأمم المتحدة، وتحتاج تركيا موقفا أكثر جرأة ووضوحا للمساهمة الجادة في إمداد غزة بإكسير الحياة.

إن الخروج من عنق الزجاجة يحتاج تدخلا حكيما من أطراف وازنة بما تملكه من أوراق قوة، لتؤثر في جهود إنقاذ غزة من حصار ظالم ومتفاقم، والأمر يحتاج فقط رفع درجة التنسيق لصالح قضية إنسانية لا يختلف اثنان على المظلومية الشديدة فيها.

تهديدات الاحتلال تهدف لإحداث مزيد من الضغط على الشعب لدفعه للانفجار الداخلي، وللتأثير على اقتصاد غزة المنهار أساساً والمصحوب بحالة اجتماعية صعبة ومتفاقمة. ولكن يبدو أن غزة حسمت خياراتها، ومن الواضح أن أي تصعيد عدائي يستهدف غزة سيدفع نحو الانفجار الذي تخشى آثارَه كافةُ الأطراف عدا سلطة المقاطعة


إن دخول غزة في مرحلة فوضى -كما ترغب أطراف عدة- لإسقاط حماس لم يصل إلى مبتغاه، في ظل انفجار غزة صوب الحدود. ويبقى التهديد بمزيد من الإجراءات الانتقامية المتخذة من عباس، والتي يلمح البعض إلى أنها قد تذهب لتعطيل القطاع المصرفي، والتأثير مجددًا على الكهرباء وعدد ساعاتها، وتوقف دفع رواتب الموظفين.

وهي تهديدات تهدف لإحداث مزيد من الضغط على الشعب لدفعه للانفجار الداخلي، وللتأثير على اقتصاد غزة المنهار أساساً والمصحوب بحالة اجتماعية صعبة ومتفاقمة. ولكن يبدو أن غزة حسمت خياراتها، ومن الواضح أن أي تصعيد عدائي يستهدف غزة سيدفع نحو الانفجار الذي تخشى آثارَه كافةُ الأطراف عدا سلطة المقاطعة.

في ظل الرغبة المحمومة في إسقاط حماس وتغييبها عن المشهد؛ جرى عقد مقاربات بتشكيل مجلس إنقاذ لغزة يضم نخبا أكاديمية ورجال أعمال لتسهيل قبول أطراف الحصار، أو أن تقوم البلديات بهذا الدور بالتعاطي نسبيًا مع إيرادات غزة والمقاصّة المالية مع الاحتلال لصالح تخفيف الحصار.

وأن يكون ذلك مدخلاً للانتخابات وتجاوز عقبة المصالحة المأزومة في مربعها الأول، ومحاذير ذلك تكمن في مؤشرات انسجامه مع رؤية الانفصال لغزة ضمن مشروع صفقة القرن، أو بعدم تحقق الانتخابات والدخول في الفراغ الذي يشكل تهديداً للمجتمع الغزي وكذاك الاحتلال.

المشهد الغزي قاتم في ظل ضيق الخيارات التي يظل أحلاها مُرّ، وفي ظل حالة الاستقواء بأطراف معادية؛ وفي كل يوم غزة ترسم بدمها مزيداً من الأمل والألم، وجميع المعطيات تشير إلى جهة الخرق الذي تخلفه مرحلة القصعة. "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".

المصدر : الجزيرة