حيدر إبراهيم المصدّر

حيدر إبراهيم المصدّر

باحث في مجال الإعلام السياسي والدعاية

هدوء مقابل ترميم اقتصادي
ترسيخ الانقسام وتعزيز اللامركزية
أولويات التطبيع والاستعداد العسكري 

كشفت تسريبات وتقارير إعلامية صادرة مؤخراً عن قرب التوصل إلى اتفاق "تهدئة" بين حركة حماس وإسرائيل برعاية مصرية/أممية من أجل وقف مسيرات العودة الحدودية، في مقابل تسهيلات اقتصادية تدفع بقطاع غزة خارج أزمته الإنسانية، وتعيده إلى حالة الاستقرار، التي ترغب في تثبيتها كافة الأطراف المنخرطة في الأزمة.

وبعيداً عن المنازعات التي تشهدها الساحة الداخلية الفلسطينية، وحالة التراشق الدعائي المكثف بين قطبيه الرئيسيين حركة فتح وحماس؛ فإن الواضح لنا كمتابعين هو أن الطرف الإسرائيلي سيحقق من "التهدئة" مكاسب جمة على المستوى الإستراتيجي، لن تتضح معالمها وآثارها فلسطينياً إلا بعد فترة زمنية؛ فيما ستكتفي غزة بغنائم تكتيكية يُخشى أن تتحول لاحقاً إلى أدوات تقييد، فيما إذا قررت مستقبلاً الدخول في جولة مواجهة جديدة.

هدوء مقابل ترميم اقتصادي
قد يختلف الكثير معنا في هذه المقاربة، إلا أننا نعتقد رجاحتها رغم مرارتها؛ فالأزمات الإنسانية والاقتصادية -التي عصفت بقطاع غزة لأعوام نتيجة للحصار الإسرائيلي الظالم- أوجدت بيئة اجتماعية داخلية ضاغطة، أثّرت في توجهات صانع القرار الغزي، ودفعته للاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية للمواطن، في خطوة درامية يمكن وصف حيثياتها بالتأجيل الاضطراري لأولوية المقاومة المسلحة، مقابل دفع مصالح الحاضنة الشعبية إلى واجهة المشهد.

ومع أن هذه المقاربة مشروعة ومبررة لكل من يريد المحافظة على متانة الزخم الشعبي لمشروعه، إلا أنها محفوفة بالمخاطر؛ فلا مؤشرات تدل على نجاحها، ولا ضمانات معقودة من جهة عدم استغلالها لتثبيت حالة سياسية وميدانية متصلة زمنياً، يصعب تحديها مستقبلاً دون استحضار خسائرها.

بعيداً عن المنازعات التي تشهدها الساحة الداخلية الفلسطينية، وحالة التراشق الدعائي المكثف بين قطبيه الرئيسيين حركة فتح وحماس؛ فإن الواضح لنا كمتابعين هو أن الطرف الإسرائيلي سيحقق من "التهدئة" مكاسب جمة على المستوى الإستراتيجي، لن تتضح معالمها وآثارها فلسطينياً إلا بعد فترة زمنية؛ فيما ستكتفي غزة بغنائم تكتيكية

وإذا اعتمدنا نموذج "التحكم اللاإرادي" (Reflexive Control) في التفسير؛ فسنلاحظ تلك المناورات الميدانية والسياسية والنفسية الإسرائيلية المدروسة، التي أفضت بالنتيجة إلى شكلها الحالي.

فعلى الصعيد العسكري؛ ركزت إسرائيل على إضعاف المقاومة الفلسطينية بضربات مركزة ومنتقاة، يرتد تأثيرها على اتجاهات تقييمها للتحدي الماثل أمامها، وتسير بها نحو استنتاجات وتقديرات مُتنبّأٌ بها، تتصدرها الحاجة إلى توفير مساحة اشتغال زمني كافٍ لإعادة ترميم وتجهيز إمكاناتها.

أما على الصعيد الاقتصادي؛ فإن إسرائيل توجهت -عبر توظيف أدوات الحرب الناعمة- نحو تشديد الخناق على القطاع، ونتج عن ذلك شلل في جميع مناحي الحياة اليومية، وزيادة احتمالات اندلاع احتجاجات جماهيرية واسعة، الأمر الذي -على ما يبدو- دفع قيادة غزة باتجاه تبديل أولوياتها على المدى القصير؛ وهو ما تجلى في هيمنة الأطروحات الإنسانية على خطابها، مقابل تراجع سرديات المواجهة العسكرية والتحرير.

ولأن احتمالات حدوث تحوّل في سياسة حماس تبدو ضعيفة، فإن قدرة إسرائيل العسكرية باتت عاجزة أيضاً عن فرض أي تغيير على المدى القصير، لاسيما أنها تعاني على صعيد صورتها في حال لجأت إلى القوة المفرطة.

ولذلك؛ اعتمدت نهجا يقوم على تقليم الأظافر أو ما يسمى "جز العشب"، ممزوجة بعمليات تأثير اقتصادية ودعائية هدفت إلى إضعاف عوامل الصمود، وتقليص هامش الخيارات لدى غزة، كي تتمكن من توسيع الفجوة الزمنية بين كل جولة اشتباك واخرى، ومن ثم تركيز ضغطها على إدراك الخصم وتوجهاته وقراراته، لإشغاله بأولويات داخلية ملحة.

وعلى ما يبدو؛ فإن إسرائيل نجحت في دفع غزة نحو ما تريده، بعد أن أوجدت حالة ميدانية صفرية مكنتها من تغذية مصالحها الإستراتيجية، مقابل تنازلات معيشية/اقتصادية لن تؤثر في ميزان القوة المختل لصالحها.

ترسيخ الانقسام وتعزيز اللامركزية
إن أي انفتاح أو تنفيس اقتصادي قد تشهده غزة لا يعني بالضرورة تنامي مؤشرات عودة اللُّحمة الفلسطينية، أو إيذانا ببدء خطوات لإنهاء الانقسام.

ورغم الميل الثنائي المُعلن على استحياء نحو تحقيق وحدة سياسية وجغرافية؛ فإن هذا المطلب سيلاقي صداًّ إسرائيلياً متعنتاً، لكونه أحد ثوابت إستراتيجيتها المستقبلية القائمة على إرساء كينونة فلسطينية مجزأة لا ترقى لدرجة تمثيل سياسي كامل، كالتي شكلتها منظمة التحرير والسلطة الوطنية، ولا تتجاوز شكل الإدارة المدنية.

فالمقصود هو إيجاد صيغة تمنح الفلسطيني هامشا لتيسير أموره الحياتية، دون امتلاك شرعية تؤهله بلوغ مستوى قانوني وسياسي كاف للمطالبة بأية حقوق. ويكفي ملاحظة ما تقوم به إسرائيل حالياً في الضفة الغربية، وسعيها لتحويل مدنها إلى كيانات منعزلة، عبر تسريع وتيرة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي.

الرؤية الإسرائيلية تتلخص في إدارة غزة لشؤونها بشكل إداري مستقل عن الضفة الغربية، مع تأجيل مطلب نزع سلاحها، وهو ما يصعد بها إلى مستوى كيان منفصل بذاته، وقادر -إلى حد ما- على تنظيم شؤونه وضبط إيقاع أمنه، لكن ضمن تبعية اقتصادية كاملة لإسرائيل. ويتضح مما سبق أن طرفي الانقسام الفلسطيني مرهونان للإرادة الإسرائيلية، التي ترى أن الوحدة الفلسطينية خطر إستراتيجي ولا مجال لتمريرها


كما أن حديث الإعلام الإسرائيلي الأخير عن بدء صراع خلافة داخل أروقة الحكم في الضفة، يطرح مؤشرات غير مؤكدة بشأن نية إسرائيل تغذية هذا الصراع، وتحويله إلى واقع فعلي يفضي إلى نزع مركزية الحكم، ويتجه بالحالة نحو مراكز قوة متعددة، يصعب معها توحيد الضفة تحت راية واحدة.

غزة بدورها حجر أساسي في تطبيق إستراتيجية اللامركزية، لكن وفق معطيات مختلفة. فالوصول إلى تهدئة -يتخللها تنفيس اقتصادي محدود- يعكس رغبة إسرائيلية في تثبيت الانقسام، عبر تعزيز سيطرة حركة حماس على القطاع دون أن تتمكن الأخيرة من مراكمة قوة عسكرية إضافية، أو أن تعتلي مركزاً متقدماً يؤهلها لقيادة الحالة النضالية الفلسطينية.

فالرؤية الإسرائيلية تتلخص في إدارة غزة لشؤونها بشكل إداري مستقل عن الضفة الغربية، مع تأجيل مطلب نزع سلاحها، وهو ما يصعد بها إلى مستوى كيان منفصل بذاته، وقادر -إلى حد ما- على تنظيم شؤونه وضبط إيقاع أمنه، لكن ضمن تبعية اقتصادية كاملة لإسرائيل. ويتضح مما سبق أن طرفي الانقسام مرهونان للإرادة الإسرائيلية، التي ترى أن الوحدة الفلسطينية خطر إستراتيجي ولا مجال لتمريرها.

أولويات التطبيع والاستعداد العسكري
يُشكل ملف التطبيع مع الدول العربية إحدى مصالح إسرائيل الحيوية والملحة في هذه المرحلة. ولذلك؛ من البديهي أن تقرر تأجيل التعامل مع جبهة غزة، كي تلتفت إلى تحصيل منافع إستراتيجية تصب في خدمة توسعها الأفقي داخل المنطقة، وبالتالي إشباع رغبتها في تزعم الشرق الأوسط.

ولأنها تعي أن أي توتر دائم أو مواجهة عسكرية مفتوحة مع القطاع سيرتد بالسلب على مسعاها، خاصة من ناحية جماهيرية؛ ستحاول إسرائيل التوصل إلى تهدئة محسوبة تمنحها هامشا ملائما لإتمام خطة التطبيع، وربما تمكنها -في مرحلة لاحقة- من صناعة توافق جمعي داخل الإقليم، يتجه نحو معالجة قضايا مشتركة يقف الملف الإيراني على رأسها.

التهدئة ما هي إلا تحرك تكتيكي قائم على مفاضلة سياسية إسرائيلية بين المهم والأهم، وربما يعكس نية مبيتة للانسحاب من عملية السلام أو حتى طمسها، وبالتالي التعامل مع الفلسطينيين وفق سياسة الأمر الواقع؛ لاسيما بعد فقدانهم الظهير السياسي العربي نتيجة تبدل أولوياته وتقاطعها مع نظيرتها الإسرائيلية، على الأقل في هذه المرحلة


إلا أن ما سبق لا يعكس الصورة كاملة؛ فالتطبيع العربي/الإسرائيلي سيؤدي ضرورة إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية، وبالتالي عرقلة التوصل إلى حلول وفق مبادرة السلام العربية؛ كخطوة متفق على أسبقيتها إذا رغبت إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع محيطها.

ومن هنا نستنتج أن التهدئة ما هي إلا تحرك تكتيكي قائم على مفاضلة سياسية إسرائيلية بين المهم والأهم، وربما يعكس نية مبيتة للانسحاب من عملية السلام أو حتى طمسها، وبالتالي التعامل مع الفلسطينيين وفق سياسة الأمر الواقع؛ لاسيما بعد فقدانهم الظهير السياسي العربي نتيجة تبدل أولوياته وتقاطعها مع نظيرتها الإسرائيلية، على الأقل في هذه المرحلة.

فور انتهاء العدوان على غزة عام 2014؛ سعت الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى إعادة تنظيم خياراتها وأساليبها، عبر إرساء مشاريع ميدانية تستجيب لمبدأ المناورة والصد، خاصة بعد تعرضها لهزة عنيفة لم تكن في حسبانها.

ومن هذه الخيارات بناء جدار إسمنتي تحت الأرض على طول الحدود مع قطاع غزة لتحييد خطر الأنفاق، إضافة إلى تنصيب وإنشاء مانع بحري يعرقل حركة الكوماندوس باتجاه سواحل عسقلان وغيرها من المدن المحتلة.

وحتى يتاح لإسرائيل إتمام استعداداتها دون منغصات؛ بدا لزاماً طرح ومناقشة الفوائد العسكرية المترتبة عن أي اتفاق تهدئة. وإن تحسسنا التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي تناولت الموضوع فسنلاحظ تحمس قيادة الجيش لإبرامها، وهو موقف لا يمكن تفسيره دون الالتفات إلى التجهيزات والاستعدادات المتسارعة على الحدود.

هذا التوجه المدروس يمنح الجيش الإسرائيلي الوقت اللازم لإعادة تنظيم تكتيكاته القتالية والتدرب عليها، مع تجنب أي حرب مفاجئة تقف عثرة أمام إتمامها، أو حتى تطبيقها واختبارها على أرض الواقع.

وأخيراً؛ تبدو القضية الفلسطينية مستعصية إلى درجة أن بقاءها حاضرة بات يفوق في الأهمية مساعي حلها، لاسيما أن ظروفا إقليمية ناشئة تسببت في إزاحتها من واجهة الاهتمام العام، لتحل مكانها صور لمحيط عربي مضطرب لم يعد يأمن على مستقبل بقائه؛ فكيف سيسعى إلى تأمين بقاء غيره؟

المصدر : الجزيرة