توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

تصدّرت اهتمامَ الشارع الأردني -في الأيام الماضية- قصةُ ما قيل إنه اعتذار قدمته إسرائيل وتعويضات دفعتها، مع وعد بمحاكمة قاتل صاحب عمارة مؤجَّرة للسفارة وصبي نجار قبل ستة أشهر، وقاتل القاضي الأردني رائد زعيتر قبل ما يقارب أربعة أعوام على يد جندي في الجيش الإسرائيلي.

وقد سُمح "لقاتل السفارة" بمغادرة الأردن برفقة السفيرة الإسرائيلية، واستقبله نتنياهو استقبل الأبطال. لكن الغضب الشعبي اضطر الحكومة الأردنية لرفض عودة السفيرة وطاقم السفارة.

وبعد زيارة مايك بنس نائب الرئيس الأميركي للمنطقة؛ أعلنت الحكومة الأردنية -على لسان كل من وزير خارجيتها والوزير الناطق باسمها- أنها تلقت مذكرة رسمية من وزارة الخارجية الإسرائيلية "عبّرت فيها عن أسف الحكومة الإسرائيلية وندمها الشديدين على حادثة السفارة"، وحادثة القاضي الأردني زعيتر. وأنها "تعهدت رسميا بتنفيذ ومتابعة الإجراءات القانونية المتعلقة بحادثة السفارة، وبتقديم تعويضات لأهالي الضحايا الثلاثة".

وهذا الخبر لم يُقنع -فيما يبدو- قطاعا وازنا من الأردنيين، مما أوجب أن تنشر رئيسة تحرير صحيفة "الغد" السيدة جمانة غنيمات مقالةً بعنوان: "أصوات مستفزة".

وبعد زيارة مايك بنس نائب الرئيس الأميركي للمنطقة؛ أعلنت الحكومة الأردنية أنها تلقت مذكرة رسمية من إسرائيل "عبّرت فيها عن أسف الحكومة الإسرائيلية وندمها الشديدين على حادثة السفارة"، وحادثة القاضي الأردني زعيتر. وأنها "تعهدت رسميا بتنفيذ ومتابعة الإجراءات القانونية المتعلقة بحادثة السفارة، وبتقديم تعويضات لأهالي الضحايا الثلاثة".


وقالت فيها إنها "اطلعت على المذكرة الإسرائيلية التي تضمنت أن الحكومة الإسرائيلية -ومن خلال وزارة خارجيتها- ملتزمة بتطبيق القانون على القاتل وصولا لتحقيق العدالة... وأنها تعتذر عن حادثة القتل بحق الأردنيين وملتزمة بتعويض أسر الضحايا. وهو ما تم بالفعل، وقد تسلمت الأسر التعويض، رغم أن رئيس الوزراء نتنياهو لم يرغب في الإعلان عنه".

وانتقدت الكاتبة المشككين في هذا "اعتمادا على لا شيء إلا ضعف إيمانهم بالأردن، وبلغة يحق أن يقال عنها إنها مستفزة وغير مقبولة وتشكيكيّة، وكان يمكن قبولها لو أنها استندت إلى براهين وأدلة، وليس ادعاءات زائفة".

وحتما أن المقالة -بدءا من عنوانها- "استفزت" هؤلاء وآخرين غيرهم فأطلقوا هاشتاغ "للي شافته جمانة"، وقد تضمن -حسب الكاتبة- انتقادات بحجم استلزم منها أن تعود للرد على تغريدات "التساؤل والرفض والاتهام والتهكم"، بمقالة حملت الهاشتاغ عنوانا لها.

وقالت فيها إنها نقلت ما اطلعت عليه في المذكرة تطبيقا للمعايير الصحفية في نقل الحقيقة، ولكنها لم تنشر في صحيفتها نسخة الوثيقة ارتكازا "على ذات المعايير احتراما للمصادر"! وأضافت -هذه المرة- أن التعويض دُفع لأسر الشهداء الثلاثة عبر البنك المركزي الأردني، وبلغ خمسة ملايين دولار".

ورغم أن قيمة التعويض لم ترد في المذكرة؛ فإن صحيفتها (الغد) "تأكدت من دقتها عبر مصادر مقربة من عائلات الضحايا، ولاحقا من مصادر حكومية". والإضافة الأخرى في المقالة -التي كررت ما سبق أن قالته- هي أن الكاتبة اتصلت بخبير القانون الدولي الأستاذ أنيس قاسم، لتدعم أقوالها بشهادته.

أنا لم أقرأ التغريدات، ولكنني قرأت مقالات عدة لكتاب معتبرين، منهم الصحفي العريق ووزير الإعلام الأسبق الأستاذ طاهر العدوان الذي كان عنوان مقالته "الاعتذار الإسرائيلي لا يساوي قشرة بصلة" يوجز فحواها، ومقالة الفريق الركن المتقاعد موسى العدوان: "تصريحات الحكومتين الأردنية والإسرائيلية.. أيهما نصدق؟"، وقد تضمنت نص التصريح الإسرائيلي بالإنجليزية المنشور في الصحف الإسرائيلية وترجمته الدقيقة له.

وهذان قطبان: سياسي صحفي، وعسكري إستراتيجي، وهما من رجال الدولة الأردنية، إضافة إلى كونهما من زعماء عشيرة أردنية كبيرة. وحتما ليسا وليست عشيرتهما "ضعاف الإيمان بالأردن".. ومثلهم ساسة وكتاب ومعلقون من مختلف العشائر والعائلات الأردنية.

إن الشك ليس جريمة، بل هو أهم وسائل المعرفة بإجماع الفلاسفة. بل ويورد القرآن الكريم شرعيته في طلب النبي إبراهيم البيّنة من ربه ليطمئن قلبه. أما التهكم والسخرية فهما فنٌّ إن لم يُسِفّا.

وأذكّر بمسيرة "كلنا شارلي" (أنا شخصيا أرفض مبدئيا وكليا ما فعلته شارلي باسم الرسم الساخر، كما أرفض إعطاء شرعية لأي اغتيال) لأقول إنه لا بأس في أن نتيح المجال لظرافة شبابنا وإبداعهم في التعبير عن أنفسهم، بدل أن يستولي عليهم وينفرد بهم الغضب وحده، وقد تعددت أسبابه مؤخرا.

ما تعهدت به إسرائيل -حسب تصريحها المنشور بالتزامن مع كل ما يقال عندنا- ليس محاكمة القاتل في أي من الجريمتين، بل هو استكمال ما كانت بدأته هي من تحقيق ملفق بحيثيات غير ما جرى، ونشر النتيجة التي تريدها هي. إضافة لكون تعريف "القانون" لديها يعني قوانينها هي وليس "القانون الدولي"


وأظن أن الكاتبة -التي أحترمها- تؤيدني في هذا، وأظن أن الاحترام الذي تتمتع به هو ما دفعها لتوظيف قلمها وعمودها، لاطلاعها دون غيرها على نص المذكرة الإسرائيلية، مع أن من حق الشعب كله أن يطلع عليها. ولكن، بعد تجاوز التعليقات الساخرة -وكذلك حساسية الكاتبة- تلزم وقفة تدقيق موضوعية "للأدلة والبراهين" كما طلبت به الكاتبة.

أولا: نص التصريح الإسرائيلي يناقض كليا ما جاء في التصريح الأردني، إذ يقول: "توصل الأردن وإسرائيل لاتفاق على إثر حادث عمان الذي ضم دبلوماسيا إسرائيليا بتاريخ 23 يوليو/تموز 2017، وحادثة مقتل القاضي الأردني بتاريخ 10 مارس/آذار 2014. ستعود السفارة الإسرائيلية في الأردن لممارسة نشاطها الكامل مباشرة، وستستمر السلطات الإسرائيلية في مراجعة القضايا المتعلقة بحادثة يوليو/تموز 2017، ومن المتوقع اتخاذ قرار في الأسابيع القادمة".

ويلاحظ هنا أن لا ذكر لفتح أي تحقيق، بل "الاستمرار في مراجعة" ما بدأته إسرائيل في جريمة السفارة، وليس مقتل القاضي زعيتر.

ثانيا: الدكتور أنيس القاسم -الذي استشهدت برأيه الكاتبة- مشهود له بالعلم والمقدرة القانونية، و"الدقة" في فهم وبيان الفحوى القانوني للغة العربية والإنجليزية. وتقول الكاتبة إنها "اتصلت به وتلت عليه" نص ما اطلعت عليه هي باعتباره الاعتذار الوارد إلى الأردن من إسرائيل، فأجابها بأن النص الإنجليزي هذا "يتضمن الاعتذار والتعويض" (لم يقل الاعتذار والأسف الشديدين، كما يقول التصريح الأردني الرسمي).

وتقول الكاتبة إنه قال إن "ورود عبارة الالتزام بتطبيق القانون، يعني حكما أن دولة الاحتلال مضطرة للتنفيذ حماية لسمعتها باحترامها لتعهداتها... وإن تنصلت بعد ذلك فلدى الأردن وثيقة يستطيع بموجبها مقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، لمخالفتها تعهداتها للحكومة الأردنية".

ولكن الكاتبة تضيف أن مدى التزام إسرائيل "بتنفيذ الشرط الأردني الثالث بمحاكمة القاتل مسألة تحتاج قليلا من الوقت للحكم عليها، وعندما يثبت عدم الالتزام -وهذا وارد من قبل دولة طالما اخترقت القانون والأعراف ولم تحترم الشرعية- فإن من حق الحكومة الأردنية أيضا إطلاق حملة لفضح عدم احترام إسرائيل لتعهداتها"!

إسرائيل -التي لم تحترم تعهدها للأمم المتحدة بتطبيق قراريْ التقسيم وحق العودة اللذين اشترطا عليها للاعتراف بها كدولة عضو في الأمم المتحدة، ومن بعدهما لم يبق قرار أو قانون دولي أو إنساني أو أخلاقي لم وخرقته متى شاءت وكما شاءت- ستخاف الآن من "فضيحة" كهذه؟!

ثالثا: ما تعهدت به إسرائيل -حسب تصريحها المنشور بالتزامن مع كل ما يقال عندنا- ليس محاكمة القاتل في أي من الجريمتين، بل هو استكمال ما كانت بدأته هي من تحقيق ملفق بحيثيات غير ما جرى، ونشر النتيجة التي تريدها هي. إضافة لكون تعريف "القانون" لديها يعني قوانينها هي وليس "القانون الدولي".

ولا يلزمنا تعداد ما أصدرته من قوانين تخص الضفة المحتلة بما يجيز جرائم قتل ميداني بدون محاكمة، وتهجيروهدم بيوت وإعاقة واعتقال ومحاكمة أطفال، وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.. فما جدوى الانتظار لإطلاق "الفضيحة" فيما هي تباهي بها منذ عقود، وتلوّح الآن بالمزيد من هذه "القوانين"؟!

نطالب بنشر ليس فقط نص المذكرة الإسرائيلية، بل بنشر الأهم منها وهو صورة وثيقة تحويل التعويض إلى البنك المركزي الأردني، ليس فقط "لتطمئن قلوبنا"، ولكن للمزيد من الحرص على "حقوق الأردنيين" وصولا إلى دمائهم


رابعا
: أثناء كل هذا التوهم أو الإيهام أو الانتظار من طرفنا فقط؛ فإن البيان الإسرائيلي أعلن صراحة أنه "ستعود السفارة الإسرائيلية في الأردن لممارسة نشاطها الكامل مباشرة".

واللافت أن ما فاخرت به الكاتبة (أو نقلت التفاخر به ممن اختاروها للكتابة عن الموضوع) من "انتصار دبلوماسي قدمت إسرائيل لأجله كل هذه التنازلات وورد في المذكرة الإسرائيلية"؛ هو "تقديرها (أي إسرائيل) الكبير لعلاقتها الإستراتيجية مع الأردن، وسعيها لتقوية التعاون، ورغبتها الشديدة في استئناف جميع أشكال التعاون بين البلدين". ولا أظن أن هذا التعاون سيجد "التقدير" ذاته لدى الشارع الأردني، ناهيك عن اعتبار استئنافه "نصرا"!

خامسا: البخل اليهودي معروف تاريخيا وموَّثّق حتى في نصوص أدبية. وكل مخططات إسرائيل -وحتى ما قُدّم لها من تنازلات سياسية- قامت على أن يدفع الآخرون كلفتها وأثمانها.

وحتى الضرائب التي تتحقق للسلطة الفلسطينية في اتفاق أوسلو المشؤوم، أصرت إسرائيل على أن تقبضها هي، وتصادرها تحت مختلف الذرائع، ولا تدفعها للسلطة -عند غياب الذرائع- إلا "بطلوع الروح".

إضافة لكون قرار دفع مبلغ بالملايين في إسرائيل يستلزم إجراءات تتضمن موافقة البرلمان. ودرجة الحرص على المال العام عندهم وصلت حد محاسبة زوجة نتنياهو على بيعها لحسابها زجاجات فارغة لمصانع تدوير؛ فكيف جرى دفع خمسة ملايين دولار فورا لبنكنا المركزي تعويضا عن مقتل ثلاثة أردنيين، مما يعني اعترافها بجرائم قتل؟!

دفع التعويض هذا هو "النصر القانوني" وليس فقط الدبلوماسي لنا، والذي يتيح لأهالي بقية الضحايا الأردنيين والفلسطينيين -الذين قضوا على أيدي الاحتلال الإسرائيلي- طلب تعويضات مماثلة.

ولهذا نطالب بنشر ليس فقط نص المذكرة الإسرائيلية، بل بنشر الأهم منها وهو صورة وثيقة تحويل التعويض إلى البنك المركزي الأردني، ليس فقط "لتطمئن قلوبنا"، ولكن للمزيد من الحرص على "حقوق الأردنيين" وصولا إلى دمائهم.

المصدر : الجزيرة