عبد الحميد صيام

عبد الحميد صيام

محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز في نيوجرسي الأميركية

البداية كانت بأوروبا
المساعدات والقانون الدولي
توزع المساعدات الأميركية 

لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية تقوم دولة عظمى كالولايات المتحدة بتهديد كافة دول العالم بمعاقبتها وقطع المساعدات عنها، إن هي صوتت في الجمعية العامة يوم 14 ديسمبر/كانون الأول 2017 ضد قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب يوم 6 من نفس الشهر.

ثم تابع ترمب هذه التهديدات فوعد بقطع مساعدات أساسية عن باكستان والسلطة الفلسطينية، وحتى عن وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). وكان ترمب قد تعهد -أثناء حملته الانتخابية- بأن يعيد النظر في مسألة تقديم المساعدات الأميركية لجميع الدول، ويبدو أنه يريد أن يفي بوعده كما فعل في مسألة القدس.

ويسعى هذا المقال لتسليط الضوء على المساعدات التي تقدمها أميركا، لنعرف ما إن كانت كرماً ومنّة وتفضلا من بلد ذي سعة، أم هي واجب منصوص عليه في الاتفاقات الدولية والمؤتمرات ذات الصلة، والتي عُقدت بمشاركة فعالة من الولايات المتحدة. وفي البداية سأقدم فكرة عن المساعدات الأميركية: كيف بدأت؟ وكيف توسعت؟ وكيف تُصرف؟ ولمن تصرف؟

البداية كانت بأوروبا
بدأت فكرة المساعدات الخارجية إثر الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار دول غرب أوروبا، بعد الدمار الهائل الذي لحق بها من جراء الحرب. وقد اعتمدت الحكومة الأميركية "خطة مارشال" لانتشال أوروبا المدمَّرة من تحت الأنقاض، وبتكلفة قدرت بـ13 مليار دولار.

وكان الهدف الثاني من هذه الخطة هو "تعميق التأثير الأميركي في أوروبا، وحمايتها من الدول الشيوعيةالمتاخمة لها والمتربصة بها، ومن ثم حماية الأمن القومي لأميركا وحلفائها، وتعزيز الاستقرار والديمقراطية في هذه الدول"، كما أشارت لذلك الكاتبة الأميركية الخبيرة في سياسات المساعدات الأميركية كارول لانكستر في كتابها "المساعدات الخارجية: دبلوماسية وتنمية وسياسة محلية" (2006).

ينص القانون على تقديم المساعدات من الحكومة الأميركية إلى الكيانات الأجنبية، على أن تشمل المساعدات ليس فقط التمويل بل وأيضا المساعدات التقنية والبرامج التعليمية والتدريب، وأي خدمات أخرى يتفق عليها. وتتراوح هذه المقدمة في معظمها عن طريق "الوكالة الأميركية للمساعدة" ووزارتيْ الدفاع والخارجية- نحو خمسين مليار دولار، تعادل 1% من ناتج الدخل القومي


اتفق الحزبان الرئيسيان في صياغة ما سُمّي "قانون المساعدات الخارجية لعام 1961" خلال عهد الرئيس جون كندي، في أوج الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الكوبية. وكان الهدف من القانون تنظيم عملية المساعدات الخارجية التي تقدمها الحكومة الأميركية لمجموعات أربع، هي:

الحلفاء الإستراتيجيون، الحكومات الأجنبية الحليفة المحتاجة لمساعدات عسكرية وأمنية، المنظمات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية والدول الخارجة من الحروب (عبر الأمم المتحدة ووكالاتها)، ومنظمات دولية أخرى غير حكومية كالمنظمة الدولية للهجرة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها.

ينص القانون على تقديم المساعدات من الحكومة الأميركية إلى الكيانات الأجنبية، على أن تشمل المساعدات ليس فقط التمويل بل وأيضا المساعدات التقنية والبرامج التعليمية والتدريب، وأي خدمات أخرى يتفق عليها.

وتتراوح المساعدات الأميركية السنوية -المقدمة في معظمها عن طريق "الوكالة الأميركية للمساعدة" (يو أس أيدز) ووزارتيْ الدفاع والخارجية- نحو خمسين مليار دولار، تعادل 1% من ناتج الدخل القومي.

وقد انخفضت تلك النسبة بعد انتهاء الحرب الباردة في التسعينيات إلى 0.8%، ثم عادت وارتفعت بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 إلى نسبة 1.3%، بسبب زيادة المعونات العسكرية لحلفاء الولايات المتحدة -وخاصة العراق وأفغانستان- فيما سُمي الحرب على الإرهاب.

وتصل هذه المساعدات -بطريقة أو أخرى- إلى عدد كبير من دول العالم وخاصة الصغيرة والفقيرة. ولكن الجزء الأكبر منها يُصرف على خمس دول أساسية: 

أولا: أفغانستان؛ حيت تصل نسبة مساعداتها نحو 5.5 مليارات دولار (2015)، وهي في معظمها مساعدات عسكرية وذخائر وأسلحة وخدمات وتكاليف لوجود القوات الأميركية، والقليل منها يذهب للتنمية.

ثانيا: إسرائيل؛ ويصلها سنويا 3.1 مليارات دولار، تخصص منها 17 مليون فقط (أي أقل من 1%) للمساعدات الاقتصادية، ويُصرف الباقي على المساعدات العسكرية.

ثالثا: العراق؛ وتصل قيمة مساعداته إلى 1.8 مليار، معظمها تُصرف على أغراض عسكرية وأمنية.

رابعا: مصر؛ ويصلها نحو ملياريْ دولار، يُصرف منها 1.67 مليار لأغراض عسكرية و330 مليون لأغراض تنموية.

خامسا: الأردن؛ حيث تصل قيمة المساعدات إلى 1.1 مليار دولار، يذهب منها للتنمية 332 مليون فقط، والباقي للأغراض العسكرية.

المساعدات والقانون الدولي
عقدت الأمم المتحدة سلسة مؤتمرات دولية لرأب الصدع بين الدول المتقدمة والدول النامية، عبر ترشيد التنمية المستدامة وتمويلها وتجسير الهوة التكنولوجية بين المجموعتين.

وقد بدأت سلسة المؤتمرات الهادفة إلى تمويل التنمية في مدينة مونتري بالمسكيك عام 2002، مرورا بجولة الدوحة 2008، ووصولا إلى مؤتمر أديس أبابا 2015. وذلك لتحقيق تنمية مستدامة عبر: محاربة الفقر، والقضاء على عدم المساواة، والقضاء على الأمراض التي تمكن الوقاية منها، ووقف تآكل البيئة والتغير المناخي ونقل التكنولوجيا.

صدر عن مؤتمر مونتري لعام 2002 البيانُ الذي أُطلِق عليه "إجماع مونتري"، بحضور خمسين رئيس دولة أو حكومة، ومئتيْ وزير خارجية أو مالية، وبمشاركة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني.

الحقيقة المُرّة هي أن قلةً من الدول التزمت بهذا القرار الجماعي، ومن بينها الولايات المتحدة. فإذا أخذنا مجمل المساعدات التي تقدمها أميركا فإنها قد تصل إلى 1%، ولكن حسب جداول الأمم المتحدة فإن أميركا تقبع في المرتبة 20 (من مجموع 28 دولة) على سلّم الدول الملتزمة بقيمة المساعدة الرسمة للتنمية، وذلك بتقديمها 0.17% فقط من القيمة المطلوبة


وقد تعهدت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والدول الغنية الأخرى بدعم التنمية في الدول النامية لتعزيز الجهود الدولية لمحاربة الفقر، كما توصلت هذه الدول إلى اتفاقيات بشأن الإعفاء من الديون ومحاربة الفساد وتنسيق السياسات.

أقر المؤتمر ستة مبادئ في ميدان تمويل التنمية: تعبئة الموارد المحلية، وتعبئة الموارد الدولية بما في ذلك الاستثمارات المباشرة، والتجارة الدولية كوسيلة تنمية، وزيادة التعاون المالي والتكنولوجي من أجل التنمية، وتسهيل القروض الخارجية، وتحسين الأنظمة المالية الدولية والتجارية المعنية بالتنمية.

وأقر المؤتمر بالإجماع التزام الدول الغنية الصناعية بتقديم "مساعدة رسمية للتنمية" بقيمة 0.7% من ناتج دخلها القومي، لتغطية تكاليف التنمية المستدامة لدى الدول النامية. وقد اعتُبر هذا التوافق إنجازا عظيما، وأعيد التأكيد على نسبة المساعدة الرسمية للتنمية (0.7) في جولة الدوحة، وفي المؤتمر الدولي الثالث لتمويل التنمية الذي عُقد بأديس أبابا 2015.

والحقيقة المُرّة هي أن قلةً من الدول التزمت بهذا القرار الجماعي، ومن بينها الولايات المتحدة. فإذا أخذنا مجمل المساعدات التي تقدمها أميركا فإنها قد تصل إلى 1%، ولكن حسب جداول الأمم المتحدة فإن أميركا تقبع في المرتبة 20 (من مجموع 28 دولة) على سلّم الدول الملتزمة بقيمة المساعدة الرسمة للتنمية، وذلك بتقديمها 0.17% فقط من القيمة المطلوبة.

قد تبدو الأرقام خادعة عندما نرى أن أميركا تقدم مبلغا بقيمة 31.08 مليار دولار، محتلة المركز الثاني -من حيث حجم المبالغ- بعد الاتحاد الأوروبي الذي يقدم مبلغ 87.64 مليار دولار.

لكن الترتيب الحقيقي -وفقا لقيمة المساعدة الرسمية للتنمية- للدول التي تزيد أو تحقق أو تقترب من المبلغ المطلوب، هو: السويد (1.7)، النرويج (1.05)، لوكسمبورغ (0.93)، الدانمارك (0.85)، تليها هولندا فبريطانيا ففنلندا فتركيا فسويسرا، فألمانيا فبلجيكا ففرنسا فإيرلندا فالنمسا.

الولايات المتحدة قدمت -حسب سجلاتها عام 2015- مبلغ 49 مليار، أي ما يعادل 1.3% من ناتج الدخل القومي، لكن هذا الرقم الخادع ليس دقيقا للأسباب التي شرحناها بشأن تقديم المساعدات العسكرية لحلفائها، وإدراجها ذلك ضمن ميزانية المساعدات الإنسانية للدول النامية.

علما بأن بعض الدول -التي تتلقى مساعدات عسكرية- تشترط عليها الولاياتُ المتحدة أن تصرف تلك المساعدات داخل الولايات المتحدة نفسها، سواء بشراء الأسلحة أو دفع تكاليف الصيانة والتدريبات والمناورات المشتركة واستضافة القواعد العسكرية.

توزع المساعدات الأميركية
تقسم أميركا مساعداتها المالية كالتالي: 38% تقدَّم لتمويل مشاريع اقتصادية، تساهم في التنمية الاقتصادية وتحسِّن الوضع المعيشي للدول الفقيرة. ونصف قيمة هذه المساعدات يُقدم مباشرة عبر اتفاقيات ثنائية في المجال الصحي، بما في ذلك محاربة الأمراض الفتاكة مثل الأيدز، الصحة العائلية والولادة، ومساندة برامج الحكومات الصحية وخاصة في أفريقيا.

ومن الـ38% تلك؛ تقتطع الولايات المتحدة 15% للمؤسسات الدولية العاملة في مجالات التنمية والصحة، مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبرنامج المشترك لمحاربة الإيدز.

كما تخصص الولايات المتحدة 35% من المساعدات للدول الحليفة لشراء معدات عسكرية من أميركا ودفع تكاليف التدريب. ومن هذا الجزء تقتطع واشنطن حصتها في ميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومنه يتم أيضا تمويل عمليات محاربة شبكات المخدرات وزراعة الأفيون بأفغانستان وكولومبيا وبيرو والمكسيك وبنما.

المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة هي أساسا لحماية مصالحها وتوسيع تأثيرها، وحماية حلفائها وتعزيز دورها في العالم كقوة عظمى. كما تبين أن ما تقدمه بهدف التنمية لا يتجاوز 0.17%، وهو أقل بكثير مما تقدمه أغلبية الدول المتقدمة. ومساعداتها -في غالبيتها- لا توزع حسب الحاجة بهدف التنمية وتعزيز الديمقراطية؛ بل إنها أحيانا تعزز الدكتاتوريات وتغمض العين عن انتهاكات حقوق الإنسان


ثم تخصص الولايات المتحدة 16% للأعمال الإنسانية، وخاصة الأزمات الطارئة التي تؤدي إلى انتشار الأمراض أو المجاعات، نتيجة للكوارث الطبيعية أو التي يصنعها الإنسان، كما حدث في رواندا أو سوريا. وتصرف هذه الأموال عبر المفوضية العليا للاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأما الـ11% المتبقية فتُصرف على الاستقرار السياسي لدول حليفة، وإصلاح الاقتصاد الحر فيها، وكذلك المؤسسات الديمقراطية كنظام الحكم الرشيد ونظام العدالة، ودعم منظمات حقوق الإنسان ومفاوضات السلام بين المتنازعين وتنفيذ الاتفاقيات. 

وما تقدمه الولايات المتحدة من هذه المبالغ كلها للأمم المتحدة -كفرض وليس منّة- يصل إلى 8 مليارات دولار سنويا، منها 2.5 مليار لعمليات حفظ السلام.

أما التبرعات غير المندرجة ضمن الميزانيات غير الطوعية فقد تصل إلى عشرة مليارات سنويا، حسب حجم الكوارث الطبيعية ومؤتمرات مساعدات الطوارئ التي تعاظمت في السنوات الخمس الأخيرة، بسبب مآسي سوريا واليمن والعراق وليبيا وأوكرانيا وشمال نيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى عدد غير مسبوق من الكوارث الطبيعية.

وهكذا يتبين لنا أن المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة هي أساسا لحماية مصالحها وتوسيع تأثيرها، وحماية حلفائها وتعزيز دورها في العالم كقوة عظمى. كما تبين أن ما تقدمه بهدف التنمية لا يتجاوز 0.17%، وهو أقل بكثير مما تقدمه أغلبية الدول المتقدمة.

وتبين أيضا أن مساعداتها -في غالبيتها- لا توزع حسب الحاجة بهدف التنمية والتقدم والرخاء، وتسويق ما يسمى "القيم الأميركية" مثل سيادة القانون وتمكين المرأة وحماية حقوق الإنسان وتعزيز المؤسسات الديمقراطية. بل إنها أحيانا تعزز الدكتاتوريات وتغمض العين عن انتهاكات حقوق الإنسان.

يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة نيويورك في كتابه "عبء الرجل الأبيض" (2006): "تقدم المساعدات من فوق إلى أسفل دون مساءلة، ودون وجود دليل على أن المساعدات تعزز التنمية المستدامة، كما أن ربط المساعدات بمحاربة الإرهاب وتقديم المساعدات العسكرية إنما يعزّز الأنظمة القمعية".

ويؤكد هذه الحقيقة الكاتبُ الزامبي دامبيسا مويو: "دخل أفريقيا في العقد الأخير تريليون دولار كمساعدات، لكن دخل الفرد الأفريقي لم يتحسن منذ السبعينيات".

إذن فاستخدام واشنطن لسلاح التهديد بقطع المساعدات غير قانوني، وسيعزز عزلتَها بعد انتخاب دونالد ترمب الذي أغضب حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل بريطانيا وألمانيا وكندا.

ولا أدل على هذا الموقف من وقوف ممثلته في الأمم المتحدة نيكي هيلي وحيدة في مجلس الأمن ضد 14 دولة، ومع سبع دول صغيرة -بالإضافة إلى إسرائيل- في الجمعية العامة، من بينها ناورو وميكرونيزيا. أليس هذا الموقف صرخة تحذير للدولة العظمى؟

المصدر : الجزيرة