سامر إلياس

سامر إلياس

كاتب متخصص في الشؤون الروسية

وحدة العراق وتطلعات الأكراد
وجود إستراتيجي طويل المدى
هندسة روسية جديدة للمنطقة 

غرّدت روسيا خارج سرب النداءات الإقليمية والدولية المحذرة لإقليم كردستان العراق من تبعات الاستفتاء والمطالِبة بتأجيله أو إلغائه. وشكّل الموقف الروسي استثناء واضحا في ثباته خلال ما قبل وبعد الاستفتاء.

وبنت روسيا مواقفها من الاستفتاء الكردي بعناية فائقة انطلاقا من رغبتها في تعزيز وجودها المتعاظم في المنطقة، وتمكين وضعها في سوريا والمحافظة على التوازنات الدقيقة التي وطدت وضعها كقوة أمر واقع، يجب أن يؤخذ برأيها ومصالحها بعد نحو سنتين على بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا بشكل مباشر.

ويجب عدم إغفال عامل مهم هو أن روسيا لا تستطيع رفض تنظيم استفتاء حول انفصال كردستان العراق، وهي التي بادرت في ربيع 2014 إلى تنظيم استفتاء لضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى روسيا.

وحدة العراق وتطلعات الأكراد
دأبت موسكو قبل الاستفتاء على التشديد على ضرورة مراعاة وحدة الأراضي العراقية، مع الأخذ بعين الاعتبار طموحات الأكراد القومية. وبعد الاستفتاء، صاغت موسكو موقفها بالتأكيد على تجنب كل ما يمكن أن يعقّد ويزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط.

ومع دعمها سلامة ووحدة أراضي العراق، قالت موسكو -في المقابل- إنها تحترم الطموحات القومية الكردية، وتدعو لحل نقاط الخلاف عبر الحوار. واللافت أن بيان الخارجية الروسية -الذي تضمن ذلك الموقف- فرّق بوضوح بين المناطق الواقعة إداريا ضمن الحكم الذاتي في الإقليم، ومناطق تسيطر عليها التشكيلات العسكرية الكردية في محافظات نينوى والتأميم وديالى.

ومع دعمها سلامة ووحدة أراضي العراق، قالت موسكو -في المقابل- إنها تحترم الطموحات القومية الكردية، وتدعو لحل نقاط الخلاف عبر الحوار. واللافت أن بيان الخارجية الروسية -الذي تضمن ذلك الموقف- فرّق بوضوح بين المناطق الواقعة إداريا ضمن الحكم الذاتي في الإقليم، ومناطق تسيطر عليها التشكيلات العسكرية الكردية في محافظات نينوى والتأميم وديالى


وتواصل موسكو الدعوة إلى حل كل المسائل المختلف عليها بين السلطات الفدرالية وقيادة منطقة الحكم الذاتي الكردية، عبر حوار بنّاء واحترام متبادل يقود إلى وضع معادلة مقبولة من الطرفين للتعايش في إطار دولة عراقية موحدة.

وتنظر روسيا إلى إقليم كردستان العراق كشريك مهم في محاربة الإرهاب، ودعمت -عبر الحكومة المركزية في بغداد- الإقليم بعتاد عسكري قيمته مئات ملايين الدولارات.

ورغم الحذر الشديد الذي تتسم به السياسة الروسية؛ فقد بدأت تنسج علاقات سياسية مع الإقليم وصلت إلى حد عقد لقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس حكومة وزراء كردستان العراق نيجيرفان البارزاني، على هامش منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي بداية الصيف الحالي.

واقتصاديا تطمح الشركات الروسية إلى ولوج قطاع الطاقة بالإقليم الذي يمتلك احتياطيات قابلة للاستخراج تقدر بنحو 45 مليار برميل من النفط و5.66 تريليونات متر مكعب من الغاز.

وقد بدأت "غازبروم نفت" العمل بالإقليم منذ 2012 في عدة حقول نفطية، ووطدت "روس نفت" -وهي الذراع القوية للكرملين- علاقاتها مع الإقليم، ووقعت اتفاقات كثيرة لإقراض شركات الطاقة فيه مليارات الدولارات مقابل شراء النفط.

كما رفعت هذه الشركة استثماراتها هناك إلى ما يزيد على أربعة مليارات دولار، كان آخرها الاتفاق على بناء وتشغيل خط لتصدير الغاز الطبيعي من الإقليم عبر تركيا بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، واللافت أن الإعلان عن الاتفاق الأخير جاء قبل أيام من تنظيم الاستفتاء على انفصال الإقليم عن العراق.

ولم يُثر عمل الشركات الروسية حفيظة الحكومة المركزية في بغداد، وفي الوقت ذاته تعمل "لوك أويل" في "حقل غرب القرنة 2" النفطي العملاق، وتنشط "غازبروم" في حقل بدرة. ويرتبط العراق بعقود تسليح بمليارات الدولارات للحصول على مقاتلات ومدرعات روسية.

وتسعى موسكو للحفاظ على علاقات في مجال الطاقة مع الطرفين، حتى تكون شريكا في أي مشروعات لنقل الغاز والنفط إلى أوروبا من العراق وإيران، سواء عبر سوريا أو تركيا.

وجود إستراتيجي طويل المدى
وتكشف ردود أفعال بغداد وطهران وأنقرة أنها ليست غاضبة من الموقف الروسي، فيما يصفه الأكراد بـ"الموقف المشرف جدا". ويبدو أن موسكو وجدت موطئ قدم لها في كردستان العراق ينافس الوجود الأميركي المتزايد هناك منذ حرب تحرير الكويت 1991، ولاحقا الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين في غزو العراق عام 2003.

ويواصل الكرملين نسج شبكة علاقات مع جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة، رغم تشعب الخلافات وتعقيداتها بين مصالح إيران وتركيا وبغداد وأربيل. وتبني موسكو علاقاتها بالاستفادة من تخبط سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ 25 عاما، وانسحابها التدريجي من المنطقة في عهد الرئيس السابق باراك أوبامابعد فشل مشروعات الشرق الأوسط الكبير أو الواسع.

رغم عدم قدرتها عسكريا واقتصاديا على منافسة واشنطن؛ فإن روسيا تستغل الظروف الإقليمية من أجل التأسيس لوجود إستراتيجي طويل الأمد في المنطقة، تكون قاعدته الرئيسية سوريا بعدما أفلحت في جمع إيران وتركيا ضمن مسار أستانا، واستغلت الأزمة بين قطر والبلدان الأربعة (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) لتعزيز مكاسبها على الأرض ودعم نظام بشار الأسد


ورغم عدم قدرتها عسكريا واقتصاديا على منافسة واشنطن؛ فإن روسيا تستغل الظروف الإقليمية من أجل التأسيس لوجود إستراتيجي طويل الأمد في المنطقة، تكون قاعدته الرئيسية سوريا بعدما أفلحت في جمع إيران وتركيا ضمن مسار أستانا، واستغلت الأزمة بين قطر والبلدان الأربعة (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) لتعزيز مكاسبها على الأرض ودعم نظام بشار الأسد.

وواضح أن روسيا تتعامل مع القضية الكردية كورقة إضافية لتعزيز مكاسبها في سوريا، والحصول على تنازلات من طهران وأنقرة، انطلاقا من تحليل دقيق لردود الأفعال الإقليمية والدولية التي تترتب على الاستفتاء في كردستان العراق.

وتنطلق السياسة الروسية من أن الاستفتاء على الانفصال ليس ملزما، وأن هناك فرقا بين نتائج الاستفتاء وتنفيذه على الأرض. وتسود قناعة في موسكو بأن رئيس الإقليم مسعود البارزاني سيستخدم نتائج الاستفتاء ورقة ضاغطة لتحسين الوضع التفاوضي مع بغداد فيما يخص المناطق المتنازع عليها، وحصة الإقليم من الموازنة.

وبالنظر إلى المواقف الروسية المعلنة؛ فإن موسكو يمكن أن تلعب دور الوسيط في حوار لحل الأزمة بين أربيل وبغداد، خاصة في ظل القبول الكردي، والتأثير الإيراني على صناعة القرار العراقي، وفقدان مصداقية واشنطن لدى الطرفين وداعميهما.

ومن جهة أخرى؛ تعتقد موسكو أن هناك أصواتا متزايدة داخل العراق وخارجه بدأت تتقبل قيام دولة كردية، وأن الدولة قادمة لا محالة لكن الخلاف حول التوقيت وحدود هذه الدولة، ولهذا كان الحرص دائما في البيانات الروسية على تأكيد ضرورة التفاهم مع بغداد حول المناطق المتنازع عليها.

وأخيرا؛ تدرك موسكو أن الاستفتاء يمكن أن يحافظ على وحدة الأراضي العراقية عبر توسيع صلاحيات الحكم الفدرالي الحالي للإقليم، أو حتى بناء حكم كونفدرالي يمنع تفتت العراق ويجنب الأكراد نقمة بغداد والجيران.

وفيما يخص المواقف الإقليمية؛ تعلم موسكو حساسية كل من تركيا وإيران من قيام دولة كردية في شمال العراق، لكنها تقلل من خطر اجتياح جيوش البلدين للإقليم، وتأخذ في الاعتبار حجم العلاقات الاقتصادية والتجارية التي تربط كلا من أنقرة وطهران بإقليم كردستان العراق.

هندسة روسية جديدة للمنطقة
في مقابل دعم تطلعات الأكراد القومية في العراق؛ فإن موسكو ترسل إشارات بالنار إلى "قوات سوريا الديمقراطية" لوقف تقدمها في دير الزور، وتمكين الجيش السوري وداعميه من تحقيق نصر مهم في المحافظة يوازي النصر الذي حققوه في الرقة، مما سيؤدي إلى قطع الطريق على مساعي أكراد سوريا لإيجاد تواصل جغرافي مع العراق، ومنح هذه الفرصة للجانب الإيراني تعويضا عن سحب المليشيات الإيرانية واللبنانية من جنوب سوريا بضغط من تل أبيب.

وتجنبا لاعتراض تركيا؛ فإن موسكو تنسق مع القوات التركية لحسم الأمور في إدلب، وتمكين أنقرة من التوغل في قاطع عسكري يتجاوز مئة كيلومتر وبعمق يصل حتى 40 كيلومترا، رغم اعتراض الحكومة السورية. وإذا تمكنت تركيا من السيطرة على هذه المناطق في إدلب فإنها ستضمن محاصرة عفرين ذات الأغلبية الكردية من الغرب والشرق، مانعةً أي تواصل من جهة البحر أو الشرق مع المناطق ذات الأغلبية السكانية الكردية في شمال سوريا.

في مقابل دعم تطلعات الأكراد القومية في العراق؛ فإن موسكو ترسل إشارات بالنار إلى "قوات سوريا الديمقراطية" لوقف تقدمها في دير الزور، وتمكين الجيش السوري وداعميه من تحقيق نصر مهم في المحافظة يوازي النصر الذي حققوه في الرقة، مما سيؤدي إلى قطع الطريق على مساعي أكراد سوريا لإيجاد تواصل جغرافي مع العراق، ومنح هذه الفرصة للجانب الإيراني


ومنعا لتعطيل الخطة؛ تدرس موسكو إقامة منطقة لخفض التصعيد في عفرين لمنع الاحتكاك مع الأتراك، وعدم تعطيل مشروعها للحل السياسي بعد القضاء على خطر تنظيم الدولة الإسلامية الذي بات وشيكا في العراق وسوريا.

ومن المهم التأكيد على أن موسكو ترى في أي أزمة تنشب بالمنطقة فرصة لزيادة نفوذها على حدودها الجنوبية، ومزاحمة واشنطن. ومن المؤكد أن موسكو لا ترغب في نشوب حرب واسعة تعطل مشروعاتها في المنطقة، لكنها تدعم المحافظة على بؤر توتر يمكن احتواؤها والاستفادة منها في التعامل مع القوى الإقليمية.

ويمنح موقف روسيا الحذر والمدروس بعناية فائقة من استفتاء كردستان العراق فرصةً لبناء هندسة إقليمية تضمن بقاءها طويلا في المنطقة، ولعب دور الحكم والوسيط في النزاعات ما بعد دحر تنظيم الدولة الإسلامية.

ولعل الأهم هو أنها باتت قادرة على توسيع فكرة "سوريا المفيدة"، لتضمن بذلك هيمنتها على أهم مناطق سوريا الاقتصادية في الجزيرة الغنية زراعيا وبمواردها من النفط والغاز، وضمان بناء أو تعطيل أي خطوط لإمدادات الطاقة إلى أوروبا من إيران والشرق الأوسط، بعدما أفلحت في الهيمنة على خطوط النقل القادمة إليها من بحر قزوين وآسيا الوسطى.

ونظريا؛ تلعب موسكو بمهارة وصبر لاعب الشطرنج في رقعة الشرق الأوسط المليئة بالصراعات والتناقضات، وتحقق نقاطا إضافية بالاستفادة من العملية العسكرية في سوريا والانفتاح على جميع القوى المؤثرة، لكن المنطقة ما زالت عمليا تقف على برميل بارود يمكن أن ينفجر ويطيح بمخططات الكرملين في بناء نظام عالمي جديد، تلعب فيه روسيا دورا مركزيا بعد نحو ربع قرن من التهميش.

المصدر : الجزيرة