عبد الحكيم هلال

عبد الحكيم هلال

كاتب وصحفي يمني

إهمال "مفتاح النصر"
زيارات ملغمة
مخاوف مبررة
 

في مثل هذا الشهر من العام الماضي، وتحديدا في 9 سبتمبر/أيلول 2016؛ أجرت قناة الجزيرة لقاء مع رئيس الوزراء اليمني أحمد عبيد بن دغر في برنامج "لقاء اليوم". حينها تحدث المسؤول الأول في حكومة الشرعية عن أهمية تحرير محافظة تعز.

وللتاريخ، سأعيد هنا التذكير بأبرز ثلاثة تصريحات أطلقها الرجل بخصوص هذه المعركة، وهي:
- "تعز هي مفتاح النصر لليمن بالكامل".
- "إذا كانت هناك رغبة حقيقية في نصر عسكري كامل، فلنبدأ بتعز ثم الحديدة".
- "لا توجد حسابات سياسية.. عندنا معركة، ومعركتنا لا توجد فيها حسابات سياسية". والحديث هنا أيضا لا يزال حول معركة تحرير تعز التي كانت آنذاك -وما زالت- يُثار حولها الكثير من علامات الاستفهام؟

الآن وقد مر عام كامل، دعونا ننزل تلك التصريحات على أرض الواقع، ونحاكم من أطلقها بناء على النتائج وما آل إليه حال هذه المدينة اليوم.

إهمال "مفتاح النصر"
بعد تلك التصريحات بأشهر قليلة؛ بدأ التحالف العربي (ممثلا بقيادته الإماراتية المسيطرة على عدن وأخواتها) التوجه عسكريا نحو مديرية "ذو باب" ومدينة وميناء المخا، التابعتين إداريا لمحافظة تعز. ومطلع العام الجاري تمكنت قوات جنوبية دربتها وتدعمها وتقودها الإمارات من تحرير مديرية "ذو باب" بالكامل ومعظم مدينة المخا. والأولى يوجد فيها ممر "باب المندب" الإستراتيجي.

حينها توقع الناس أن "تعز" -التي وطأتها أخيرا أقدام قيادات وقوات التحالف العربي- ستكون الوجهة القادمة بالتأكيد. غير أن قيادة التحالف فاجأت الجميع حين أعلنت أنها ستواصل أعمالها العسكرية، ولكن بعيدا عن "تعز"! حيث قرر التحالف التوجه شمالا نحو محافظة الحديدة الساحلية!

توقع الناس أن "تعز" -التي وطأتها أخيرا أقدام قيادات وقوات التحالف العربي- ستكون الوجهة القادمة بالتأكيد ليتم تحريرها. غير أن قيادة التحالف فاجأت الجميع حين أعلنت أنها ستواصل أعمالها العسكرية، ولكن بعيدا عن "تعز"! حيث قرر التحالف التوجه شمالا نحو محافظة الحديدة الساحلية


ما حدث يتعارض مع تصريحات رئيس الوزراء بن دغر للجزيرة، التي أكد فيها أنه "إذا كانت هناك رغبة حقيقية في نصر عسكري كامل، فلنبدأ بتعز ثم الحديدة". كان هذا أول مؤشر يؤكد حقيقة انعدام وجود مثل تلك الرغبة. ومع ذلك، دعونا نتريث قليلا في الحكم حتى نعرف بقية تفاصيل ما حدث.

لثلاثة أشهر تقريبا ظل التحالف يتجهز ويعدّ لمعركة تحرير ميناء الحديدة، فحشد كتائبه وآلياته العسكرية إلى مدينة المخا استعداد لساعة الصفر. غير أن ذلك لم يحدث! واتضح لاحقا أنه أحجم عن تنفيذ الوعد بسبب اصطدام تلك الرغبة بمعارضة خارجية قوية.

وكان المبرر أن ميناء الحديدة هو المنفذ الوحيد المتبقي أمام المنظمات الدولية لإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى اليمن. وهو بالمناسبة كان -في الوقت ذاته أيضا- المنفذ البحري الوحيد المتبقي للميليشيات لتغذية اقتصادها المتضعضع وتعزيز قدراتها العسكرية المنهارة. 

على ضوء ذلك؛ كان يفترض منطقيا على قيادة التحالف أن تستغل استعداداتها وإمكانياتها وعتادها العسكري -المحشود إلى أرض المخا- في استكمال تحرير "تعز" باعتبارها "مفتاح النصر الكلي لليمن"، حسب رئيس الوزراء. لكن بدلا من ذلك؛ فضلت الإمارات استيطان مدينة المخا الساحلية فحولتها إلى قاعدة عسكرية لها. 

منذ إعلان تحرير المخا في فبراير/شباط 2017، ظل الناس يؤملون أن تتخذ قيادة التحالف قرارا بالتقدم من هناك شرقا، نحو تحرير ما تبقى من مدينة تعز. وفي أواخر يوليو/تموز الماضي، تحركت القوات اليمنية المدعومة من الإمارات نحو قاعدة معسكر خالد بن الوليد شرق مدينة المخا، وتمكنت من دحر الانقلابيين من المعسكر وتحريره منهم، لكنها لم تُحرر مدينة المخا بالكامل.

زيارات ملغّمة
بعدها لم يحدث شيء عدا أن رئيس الوزراء بن دغر قام -في أغسطس/آب- بزيارة مفاجئة وسريعة إلى مدينة المخا. وقد اكتسبت تلك الزيارة أهميتها من أنها كانت أول زيارة رسمية يقوم بها مسؤول يمني رفيع إلى هذه المدينة الساحلية، بعد مرور نصف عام تقريبا على تحريرها وبقائها خارج الخدمة الإدارية والتنفيذية للحكومة وخارج سلطة الجيش اليمني.

وشعبيا استبشر الناس بتلك الزيارة لا لكونها تعكس حضور رأس الحكومة الشرعية المغيبة عن إدارة هذه المدينة منذ تحريرها فحسب، بل ولأن هذا الرجل كان نفسه رئيس الوزراء الذي يؤمن بأهمية تحرير محافظة تعز باعتبارها "تمثل مفتاح النصر لتحرير اليمن بالكامل" و"بدون أية حسابات سياسية".

بدت زيارة رئيس حكومة الشرعية للمخا وكذلك تصريحاته والصور التي نُشرت عن الزيارة، وكأنها قد رفعت أكثر نسبة المخاوف والشكوك عند معظم اليمنيين وأبناء تعز خاصة، من حيث إنها عززت لديهم التكهنات بوجود نوايا لعزل وفصل هذه المدينة الساحلية الهامة ومحيطها عن التبعية الإدارية لتعز

أما على المستوى العملي/التنفيذي (النتائج)، فشكلت نتيجة هذه الزيارة صدمة إضافية أخرى لأبناء تعز؛ فقد ظهر بن دغر على غير المتوقع، أو على الأرجح على غير ما ظل يحاول أن يكون عليه أمام الآخرين باعتباره رجل دولة.

فقد بدا واضحا للعيان أنه اُستدعي من الإماراتيين ليقوم بدور مرسوم ومحدد، أغلب الظن أنه -بحسب مراقبين- تمثل في محاولة تخفيف حدة المخاوف المتعاظمة لدى أبناء تعز من توجهات ومخططات الإمارات، بعد سيطرتها على الميناء والمنفذ البحري الوحيد لمحافظتهم واستيطانها هناك، دون أي بوادر أو إشارات توحي بوجود رغبة في التقدم أكثر نحو تحرير ما تبقى من المحافظة. 

لم تفض الزيارة إلى أية نتائج لمصلحة "تعز"، لا من حيث محتوى برنامجها الميداني ولا حتى من حيث مضمون التصريحات التي أطلِقت على هامشها، بقدر ما صبّت في مصلحة قوننة أنشطة الإماراتيين المريبة، وترسيخ بقائهم هناك باسم الحكومة اليمنية. حيث افتتح بن دغر مشاريع إماراتية وأطلق تصريحات تمتدحهم وتثني عليهم. 

كان من السهل على المراقبين -بل وعلى الناس العاديين أيضا- إدراك تلك الحقيقة الصادمة، بدون حاجة إلى كثير وقت أو جهد. لا سيما بعد أن ظهر رئيس وزراء اليمن -في صور منشورة عن تلك الزيارة- قاعدا داخل خيمة إماراتية كبيرة، وإلى جواره قيادات عسكرية إماراتية، وفوق رأسه مباشرة بسنتيمترات تتبجح تشكيلة من الصور المعلقة، كانت جميعها لرؤساء وأمراء دولة الإمارات، دون وجود صورة واحدة على الأقل للرئيس اليمني بينها!

وهي الصورة التي حظيت بزخم تفاعلي كبير حينها في الوسط الصحفي المحلي، وبين ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي الذين تناقلوها على نطاق واسع، مع تعليقات ناقدة ركز معظمها على الإهانة الكبيرة التي وجهتها الإمارات لليمن ولرئيسه باستغلال رئيس حكومته!

لذلك وعلى عكس ما أريد لها إعلاميا؛ بدت تلك الزيارة الحكومية وكذلك تصريحات رئيس الحكومة والصور التي نُشرت، وكأنها قد رفعت أكثر نسبة المخاوف والشكوك عند معظم اليمنيين وأبناء تعز خاصة، من حيث إنها عززت لديهم التكهنات بوجود نوايا لعزل وفصل هذه المدينة الساحلية الهامة ومحيطها -بما في ذلك مضيق باب المندب الإستراتيجي- عن تبعيتها الإدارية لتعز، وربما أيضا عن محيطها العام وامتدادها الجغرافي والتاريخي كجزء من شمال اليمن.

مخاوف مبررة
وتتعزز تلك المخاوف مع ثلاثة مؤشرات متراكبة، ويسند بعضها البعض في سياقات متداخلة فيما بينها:
- الأول: انكشاف الرغبة الإماراتية الصريحة والمعلنة في دعم مطالب انفصال جنوب اليمن عن شماله.

- الثاني: حرص الإمارات الواضح ونهمها الشهير في السيطرة على الموانئ البحرية الهامة. وحاليا أصبحت الإمارات تسيطر على أهم الموانئ اليمنية الرئيسية الواقعة على امتداد بحر العرب حتى خليج عدن، من المهرة وحضرموت شرقا مرورا بأرخبيل جُزر سقطرى الهامة وحتى ميناء عدن جنوبا.

وتأتي سيطرتها الأخيرة على مضيق باب المندب وميناء المخا -في البحر الأحمر غربا- لتكون جزءا من مخطط تطويق اليمن بحريا، عبر محاولات الاستحواذ على كامل الساحل اليمني الممتد من أقصى الشرق مرورا بالحدود البحرية الجنوبية وحتى خليج عدن؛ ووصولا إلى الساحل الغربي على البحر الأحمر.

والذي لم يتبقّ منه حتى الآن سوى ساحل وميناء الحديدة مع ملحقه ميناء الصليف، أما جزيرة ميدي -الواقعة على حدود السعودية- فقد أصبحت منذ فترة تحت سيطرة قوات الجيش اليمني الذي تدعمه الرياض.

دعوات انفصال الجنوب عن الشمال بدأت مؤخرا تتخللها -وإن على استحياء- دعوات تنادي بأن يكون مضيق باب المندب تابعا للجزء الجنوبي عند الانفصال. وهذا الأمر إن حدث فإن مدينة المخا لا يستبعد أن تتم المطالبة -تحت ضغوط دولية تمولها وتدعمها الإمارات- بتحويلها إلى منطقة أمنية آمنة بحجة حماية وتأمين الممر الدولي


- الثالث: الأهمية الإستراتيجية الدولية لمضيق باب المندب من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية.

إن السيطرة التي فرضتها الإمارات -طوال الفترة الماضية- على السواحل والموانئ والجزر البحرية الجنوبية، سواء عبر القوات اليمنية أم عبر الهيئات والأجهزة التنفيذية ضمن السلطات المحلية الموالية لها؛ لن تكون لها أهمية كبيرة ما لم تعزز بفرض سيطرتها على ممر باب المندب الذي يرتبط به بدرجة رئيسية اقتصاد وحركة التجارة البحرية في المنطقة.

ومن الطبيعي أن تضفي هذه الأهمية البالغة لهذا الممر الحيوي الدولي أهمية تتابعية لمدينة المخا الساحلية ومينائها البحري لقربها منه، مما يجعلها تشكل أهمية عسكرية كمركز دفاع متقدم لأمن المضيق من أية محاولات قد تقوم بها مليشيات الانقلابين، التي ما زالت تسيطر على الحديدة حتى الآن.

وتتدافع هذه المؤشرات فيما بينها لتجعل المخاوف من وجود مخطط لعزل مدينة المخا الساحلية كليا عن محافظة تعز، أقرب إلى حقيقة شبه مؤكدة.

فدعوات انفصال الجنوب عن الشمال بدأت مؤخرا تتخللها -وإن على استحياء- دعوات تنادي بأن يكون مضيق باب المندب تابعا للجزء الجنوبي عند الانفصال. وهذا الأمر إن حدث فإن مدينة المخا لا يستبعد أن تتم المطالبة -تحت ضغوط دولية تمولها وتدعمها الإمارات- بتحويلها إلى منطقة أمنية آمنة بحجة حماية وتأمين الممر الدولي.

عمليا، هذا السيناريو مرجح فشله على الأغلب لضعف واقعيته؛ ولذلك قد يكون السيناريو الآخر هو الأكثر رجحانا، وهو تحويل كامل المنطقة الساحلية التابعة لتعز (ذو باب والمخا) إلى منطقة معزولة بالكامل، بحيث تكون خاضعة لحماية قوات دولية.

وتساعد الهجمات البحرية -التي تقوم بها مليشيات الحوثي ضد السفن العسكرية والتجارية- على تسويغ مثل هذا الخيار، وقد نشهد تصعيد هذه الهجمات أكثر مع اقتراب موعد تنفيذ هذا المخطط. وسيعتمد ذلك على المعطيات العسكرية الميدانية -وربما الوساطات والحلول السياسية- خلال الفترة القادمة.   

وأخيرا، تبقى لنا من تصريحات رئيس الوزراء اليمني -التي أطلقها في مقابلته مع قناة الجزيرة قبل عام والمتعلقة بتحرير محافظة تعز- ذلك الجزء الأخير، الذي نفى فيه قطعا وجود أي "حسابات سياسية" تعوق معركة تحريرها؛ فهل هذا صحيح؟

لن نستغرق طويلا في إثبات العكس، ولذا سنكتفي هنا بالاستدلال بآخر تصريح أطلقه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وأكد فيه وجود مثل تلك الحسابات السياسية، بعد مرور عام كامل على نفي رئيس حكومته بن دغر ذلك.

ففي مقابلته مع صحيفة "القدس العربي" (10 سبتمبر/أيلول الجاري)؛ أكد هادي أن ما "يعوق تقدم المعارك في تعز" هو "عدم رغبة بعض الأطراف في أن يحسب إحراز تقدم عسكري في تعز على مكونات سياسية وعسكرية معينة"! وإذن؛ هل ما زال هناك من لا يعرف تلك "الأطراف" -التي قصدها الرئيس اليمني- بعد كل هذا الوضوح؟

المصدر : الجزيرة